من «قلائد العقيان في محاسن الأعيان» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
ذو الوزارتين أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن زيدون ﵀ وأسكنه دار رحمته ورضاه
زعيم الفئة القرطبية، ونشأة الدولة الجهورية، الذي بهر بنظامه، وظهر كالبدر
ليلة تمامه، فجاء من القول بسحر، وقلده أبهى نحر، لم يصرفه إلا بين ريحان وراح، ولم يطلعه إلا في سماء موانسات وأفراح، ولا تعدى به الرؤساء والملوك، ولا تردى منه إلا حظوة الشمس عند الدلوك، فشرف بضائعه، وأرهف بدائعه وروائعه، وكلفت به تلك الدولة حتى صار ملهج لسانها، وحل من عينها مكان إنسانها، وكان له مع أبي الوليد بن جهور تألف أحراما بكعبته وطاف، وسقياه من تصافيهما نطافا، وكان يعتد ذلك حساما مسلولا، ويظن انه يرد به صعب الخطوب ذلولا، إلى أن وقع له طلب أصاره إلى الاعتقال: وقصره عن الوخد والأرقال: فاستشفع بأبي الوليد وتوسل، واستدفع به تلك الأسنة المشرعة والاسل، فما ثنى إليه عنان عطفه، ولا كف عنه استنان صرفهن فتحيل لنفسه، حتى تسلل من حبسه، ففر فرار الخائف، وسرى إلى إشبيلية سرى الخيال الطائف، فوافاها غلسا قبل الإسراج والإلجام، ونجا براس طمرة ولجام، فهشت له الدولة، وتاهت به الجملة، فأحمد إليها فراره، وأرهفت النكبة غراره، وحصل عند المعتضد بالله كالسويداء من الفؤاد، واستخلصه المعتصم لابن أبي داود، والتقى بيده مقاد ملكه وزمامه، واستكفى به نقصه وإبرامه، فأشرقت شمسه وأنارت، وأنجدت محاسنه وغارت، ومازال يلتحف بخطوته، ويقف بربوته، حتى أدركه حمامه، ولقي السرار تمامه، فأجن منه التراب شمسا طالعة، وزهرة يانعة، وقد أثبت من مقاله، في سراحه واعتقاله، ومقامه وانتقاله، ما هو أرق من النسيم، وأشرق من المحيا الوسيم، فمن ذلك ما قاله متغزلا. سريع
يا قمرا مظلعه المغربقد ضاق بي في حبك المذهبُ
ألزمتني الذنب الذي جئتهصدقت فأصفح أيها المذنبُ
وأن من أغرب ما مر بيأن عذابي فيك مستعذبُ
ورحل من كان يهواه، وفاجاه بينه ونواه، فسايره قليلا وماشاه، وهو يتوهم ألم الفرقة حتى غشاه، فاستعجل الوداع، وفي كبده ما فيها من الانصداع، فأقام يومه بحالة المفجوع، وبات ليلته نافر الهجوع، يردد الفكر، ويجدد الذكر، فقال:
ودع الصبر محب ودعكذائع من سره ما استودعك
يقرع السن على أن لم يكنزاد في تلك الخطى إذ شيعك
يا أخا البدر سناء وسناحفظ الله زمانا أطلعك
أن يطل بعدك ليلي فلكمبت أشكو قصر الليل معك
وأخبرني الوزير الفقيه أبو الحسين ابن سراج ﵀ أنه في وقت فراره أضحى، غداة الأضحى، وقد ثار له الوجد بمن كان يألفه والغرام، وتراءت لعينه تلك الظباء الأوانس والأرام، وقد كان الفطر وافاه، والشقاء قد استولى على رسم عافيته حتى عفاه، فلما عاده منه ما عاد، وأعياه ذلك النكد المعاد، استراح إلى ذكر عهده الحسن، وأراح جفونه المسهدة بتوهم ذلك الوسن، وذكر معاهد كان يخرج إليها في العيد، ويتفرج بها مع أولئك الغيد، فقال:
خليليّ لا فطر يسر ولا أضحىفما حال من أمسى مشوقا كما أضحى
لئن شاقني شرق العقاب فلم أزلأخص بمخصوص الهوى ذلك السفحا
وما أنفك جوفي الرصافة مشعريدواعي بث تعقب الأسف البرحا
ويهتاج قصر الفارسي صبابةبقلبي لا يألو زناد الهوى قدحا
وليس ذميما عهد مجلس ناصحفاقبل في فرط الولوع به نصحا
كأنني لم أشهد لدى عين شهدةنزال عتاب كان أخره الفتحا
وقائع جانيها التجني فإن مشىسفير خضوع بيننا أكد الصلحا
وأيّام وصل بالعقيق اقتضيتهفألا يكن ميعاده العيد فالفصحا
وآصال لهو في مسناة مالكمعاطاة ندمان إذا شيت أو سبحا
لدى راكد تصبيك من صفحاتهقوارير خضر خلتها مردّت صرحا
معاهد لذات وأوطان صبوةأجلت المعلى في الأماني بها قدحا
ألا هل إلى الزهراء أوبة نازحنقضت مبانيها مدامعه نزحا
مقاصير ملك أشرقت جنباتهافخلنا العشاء الجون أثناءها صبحا
يمثل قرطيها لي الوهم لي جهرةفقبتها فالكوكب الرحب فالسطحا
محل ارتياح يذكر الخلد طيبهإذا عزان يصدى الفتى فيه أو يصحا
هناك الحمام الزرق تندا خفافهاظلال عهدت الدهر فيها فتى سمحا
تعوضت من شدو القيان خلالهاصدى فلوات قد أطار الكرى صبحا
ومن جلي الكاس المفدى مديرهاتقحم الأهواء جلت لها الرمحا
أجل إن ليلي فوق شاطئ نيطةلأقصر من ليلي بئانة والبطحا
وهذه معاهد لبني أمية قطعت بها ليالي وأياما، وظلت فيها الحوادث عنهم نياما،
فهاموا بشرق العقاب، وشاموا به برقاً يبدو من نقاب، ونعموا بجوفي الرصافة، وطعموا عيشا تولى الدهر جلاءه وزفافه، وأبعدوا نصح الناصح، وحمدوا أنس مجلس ناصح، وعموا بالزهراء، وصموا عن بناء صاحب الزوراء، حتى رحلت الموت عنها وقوضهم، وعوضهم منها ما عوضهم، فصاروا أحاديث وأنباء، ولم يتزودوا منها إلا حنوطا وكباء، وغدت تلك المعاهد تصافحا أكف الغير، وتناوحها نعبات الطير، وراحت بعد الزينة سدا، وأمست مسرحا للسيد وملعبا للصدى، يسمع للجن بها عزيف، ويصرع فيها الباسل والنزيف، وكذا الدنيا أعمالها خراب، وأمالها أل وسراب، أهلكت أصحاب الأخدود، وأذهبت ما كان بمأرب من حيازات وحدود، وله يتغزل بولادة، بسيط
يا نازحا وضمير القلب مثواهأنستك دنياك عبد أنت دنياهُ
ألهتك عنه فكاهات تلذّ بهافليس يجري ببال منك ذكراهُ
علّ الليالي تبقيني إلى أملالدهر يعلم والأيام معناهُ
وكان يكلف بولادة بنت المهدي ويهيم، ويستضيء بنور تخليها في الليل البهيم، وكانت من الأدب والظرف، وتتميم المسمع والطرف، بحيث تختلس القلوب والألباب، وتعيد الشيب إلى أخلاق الشباب، فلما حل بذلك الغرب، وانحل عقد صبره بيد الكرب، كر إلي الزهراء ليتوارى في نواحيها، ويتسلى برؤية موافيها، فوافاها والربيع قد خلع عليها برده، ونثر سوسنه وورده، وانزع جداولها، وانطلق بلابلها، فارتاح ارتياح جميل بواد القرى، وراح بين روض يانع وريح طيبة السرى، فتشوق إلى لقاء ولادة وحن، وخاف تلك النوائب والمحن، فكتب إليها يصف فرط قلقه، وضيق أمده إليها وطلقه، ويعاتبها على إغفال تعهده، ويصف حسن محضره بها ومشهده، بسيط
إني ذكرتك بالزهراء مشتاقاوالأفق طلق ووجه الأرض قد راقا
وللنسيم اعتلال في أصائلهكأنما رق لي فاعتل إشفاقا
والروض عن مائه الفضي مبتسمكما جللت عن اللبات أطواقا
يوم كأيّام لذّات لنا انصرمتبتنا لها حين نام الدهر سرّاقا
نلهو بها بما يستميل العين من زهرجال الندى فيه حتى مال أعناقا
كأن أعينه إذ عاينت أرقيبكت لما بي فجال الدمع رقراقا
ورد تألق في ضاحي منابتهفازداد منه الضحى في العين إشراقا
سرى بنافجة نيلوفر عبقوسنان نبه منه الصبح أحداقا
كل يهيج لنا ذكرى تشوقناإليك لم يعد عنها الصدر أن ضاقا
لو كان وفي المنى في جمعنا بكملكان من أكرم الأيام أخلاقا
لا سكن الله قلبا عن ذكركمفلم يطر بجناح الشوق خفاقا
ول شاء حملي نسيم الريح حين هفاوافاكم بفتى أضناه ما لاقا
يا عقلي الأخضر الأسنى الحبيب إلىنفسي إذا ما اقتنى الأحباب إعلاقا
كان التجازي بمحض الود مذ زمنميدان أنس جرينا فيه إطلاقا
فالآن أحمد ما كان لعهدكمسلوتم وبقينا نحن عشاقا
ولم تزل الأيام تدنيه وتبعده، وتسؤه وتسعده، وتقذف به إلى كل نازح، وتطرف أمله بعين اللاعب المازح، حتى أحلته بلنسية وهلال ذكائه كما أقمر، وغصن نباهته يانع قد أثمر، وبنو عبد العزيز غرر ملكها، ودرر سلكها، يفيضون بحور الندى، ويومضون في كل منتدى، فحل منهم محل الحميا في الكؤوس، ووقع منهم مواقع البشائر في النفوس، وأقام بين مبرة تواصله، ومسرة تغازله، ومجاملة كرائح القطر وغاديه، فلما انفصل، وحصل فيما حصل، تذكر بعد برهة ذلك العيش ونور عمره قد صوح وغصن سنه قد دوح، فلم يجد إلا له طيبا، ولم يهصر غير فننه غصنا رطيبا، فكتب إلى ابن عبد العزيز، كامل مجزوء
راحت فصح بها السقيمريح معطرة بالنسيم
مقبولة هبت قبوملا فهي تعبق في الشميم
افضيض ميك أم بلنسية لرياها نميم
بلد حبيب افقهلفتى يحل به كريم
أيه أبا عبد الإلهـ نداء مغلوب العريم
أن عيل صبري من فراقكم فالعذاب به أليم
أو أتبعتك حنينهانفسي فأنت لها قسيم
ذكري لعهدك كالسهاد سرى فبرّح بالسليم
مهما ذممت فما زماني لي في ذمامك بالذميم
زمن كمألوف الرضاع يشوق ذكراه الفطيم
أيام أعقد ناظريبذلك المرأى الوسيم
فارى الفتوة غضةفي ثوب أواه حليم
الله يعلم أن حببك من فؤادي في الصميم
ولئن تحمّل عنك فيجسم فعن قلب مقيم
ثم السلام تبلغننه بقلب مهديه السليم
وفي أيام مقامه ببلنسية وتشوقه إلى ولادة قال:
غريب بأرض الشرق يشكر للصباتحملها منه السلام إلى الغرب
وما ضر أنفاس الصبا في احتمالهاسلام فتى يهديه جسم إلى قلب
وفي نكبته وقعود أبي الحزم عن إقالته من كبوته، يقول يعاتبه من قصيدة وقد بلغه أنه سعى به إليه فقال:
أبا الحزم إني في عتابك مائلإلى جانب تلوي إليه العلى سهلِ
حمائم شكوى صبحتك هوادلاتناديك من أفنان آدابي الهدلِ
جواد إذا استن الجياد إلى مدىتمطر فاستولى على أمد الخصلِ
ثوى صافنا في مربط الهون يشتكيبتصهاله ما ناله من أذى الشكلِ
وإني لتنهاني نهاي عن التيأشار بها الواشي ويعقلني عقلي
أانفض فيك المدح من بعد قوةفلا اقتدي بي إلا بناقضة الغزل
هي النعل زلت بي فهل أنت مكذبلقيل الأعادي إنها زلة الحسل
ألا إن ظني بين فعليك واقفوقوف الهوى بين القطيعة والوصل
وألا جنيت الأنس من وحشة النوىوهول السرى بين المطية والرحلِ
وأين جواب منك ترضى به العلىإذا سألتني عنك السنة الحفل
وله عند ثقافة، وفقد الوفاء من الآفة، يخاطب أبا حفص بن برد وقد حار ولم يجد هاديا، وصار رهينا لا يرجو فاديا، وعلم أن الناس متقلبون، وعلى من انقلب الدهر منقلبون، لا يدنيهم في الشدة إخاء، ولا يثنيهم عن ذي الحظوة زهو ولا انتخاء، رمل مجزوء
ما على ظني باسيجرح الدهر وياسو
ربما أشرف بالمرعلى الأمال ياسُ
ولقد ينجيك إغفال ويؤذيك احتراسُ
ولكم أجدى قعودولكم أكدى التماسُ
وكذا الحكم إذا ماعزّ ناس ذل ناسُ
وبنو الأيام أخياف سراة وخساسُ
تلبس الدنيا ولكنمتعة ذاك اللباسُ
يا أبا حفص وما ساواك في فهم اياسُ
من سنا رأيك لي فيغسق الخطب اقتباسُ
وودادي لك نصّلم يخالفه القياس
أنا حيران وللأمر وضوح والتباس
لا يكن عهدك ورداأن عهدي لك أسُ
وادر ذكري كأساما امتطت كفك كاسُ
فعسى أن يسمح الدهر فقد طال الشماسُ
واغتنم صفو اللياليإنما العيش اختلاسُ
ما ترى في معشر حالوا عن العهد وحاسوا
ورواني سامريايتقى منه المساسُ
أذوب هامت بلحميفانتهاب وانتهاسُ
كلهم يسأل عن حالي وللذئب اعتساس
إن قسا الدهر فلمأمن الصخر انبجاس
ولئن أمسيت محبوساً فللغيث احتباسُ
ويفت المسك في الترب فيوطأ ويداسُ
ولما تعذر فكاكه، وعفر فرقده وسماكه، وعاودته الأوهام والفكر، وخانه من أبي الحزم الصارم الذكر، قال يصف ما بين مسراته وكروبه، ويذكر بعد طلوع أمله من غروبه، ويبكي لما هو فيه من التعذير، ويعذر أبا الحزم وليس له غيره من عذير، ويتعزى بأنحاء الدهر على الأحرار، وإلحاحه على التمام بالسرار، ويخاطب ولادة بوفاء عهده، ويقيم لها البراهين على أرقه وسهده، بسيط
ما جال بعدك لحظي في سنا القمرإلا ذكرتك ذكر العين بالأثرِ
ولا استطلت ذماء النفس من أسفإلا على ليلة سرت مع القصرِ
في نشوة من شباب الوصل موهمةإلا مسافة بين الوهن والسحرِ
يا ليت ذاك السواد الجون متصلقد استعار سواد القلب والبصرِ
يا للرزايا لقد شافهت منهلهاغمرا فما اشرب المكروه بالغمرِ
لا يهنأ الشامت المرتاح خاطرهأني معنى الأماني ضائع الخطرِ
هل الرياح بنجم الأرض عاصفةأم الكسوف لغير الشمس والقمرِ
إن طال في السجن إيداعي فلا عجبقد يودع الجفن حد الصارم الذكرِ
وأن يثبط أبا الحزم الرضى قدرٌعن كشف ضري فلا عتب على القدرِ
من لم أزل من تأنيه على ثقةولم أبت من تجنيه على حذرِ
وله يتغزل ويعاتب من يستعطفه ويستنزل، بسيط مجزوء
يا مستخفاً بعاشقيهومستغشاً لناصحيه
ومن أطاع الوشاة فيناحتى أطعنا السلوَّ فيه
الحمد لله إذ أرانيتكذيب ما كنت تدعيهِ
من قبل أن يهزم التسليويغلب الشوق ما يليهِ
ولما عضته أنياب الاعتقال: ورضته تلك النوب الثقال: وعوض بخشانة العيش من اللين، وكابد قسوة خطب لا تلين، تذكر عهد عيشه الرقيق، ومراحه بين الرصافة والعتيق، وحن إلى سعد زرت عليه جيوبه، واستهدى نسيم عيش طاب له هبوبه، وتأسى بمن باتت له النوآئب بمرصاد، ورمته بسهام أقصاد، وضيم من عهد الأحص إلى ذات الآصاد، فقال:
الهوى في طلوع تلك النجوموالمنى في هبوب ذاك النسيم
سرنا عيشنا الرقيق الحواشيلويدوم السرور للمتسديم
وطر ما انقضى إلى أن نقضىزمن ما ذمامه بالذميم
أيها الموذني بظلم اللياليليس يومي بواحد من ظلوم
ما ترى البدران تأملت والشمس كما يكسفان دون النجوم
وهو الدهر ليس ينفك ينحوبالمصاب العظيم نحو العظيم
وله يتغزل. وافر
أيوحشني الزمان وأنت أنسيويظلم لي النهار وأنت شمسي
وأغرس في محبتكك الأمانيفأجني الموت من ثمرات غرسي
لقد جازيت غدراً عن وفاءيوبعت مودتي ظلما ببخس
ولو أن الزمان أطاع حكميفديتكك من مكارهه بنفسي
وله أيضاً في مثل ذلك. كامل
ولقد شكوتك بالضمير إلى الهوىودعوت من حنق عليك فأمّنا
منّيت نفسي من صفآئك ضلةولقد تغرّ المرء بارقة المنى
له عن المعتضد بالله إلى صهوة الموفق أبي الجيش صاحب دانيه، بسيط
عرفت عرف الصبا إذ هبّ عاطرهُمن أفق من أنا في قلبي أشاطرهُ
أرى تجدد ذكراه على شحطوما تيقّن أني الدهر ذاكرهُ
ينئى المزار به والدار دانيةباحبذا الفال لو صّحت زواجرهُ
خلّي أبا الجيش هل يدنو اللقآء بنافيشتفي منك طرف أنت ناظرهُ
قصاره قيصران قام مفتخرالله أوله مجدا وأخرهُ
ولما حل من المعتضد بالمكان الذي حل، وانتكث عقد شدائده وانحل، تسلت نفسه من شجونها، وحنت إلى صفا ولادة وحجونها، وتذكرها وما تناساها، وعاودته لوعتها واساها، وحن إليها حنين من حيل بينه وبين ما يشتهي، وقنع باهدآء تحية تبلغ إليها وتنتهي، فقال يتغزل فيها ويمدح المعتضد. طويل
أما في نسيم الريح عرف يعرّفُلنا هل لذات الوقف بالجزع موقفُ
فنقضي أوطار المنى من زيارةلنا كلف منها بما نتكلّفُ
عزيز علينا أن تزار ودونهارقاق الظبى والسمهريّ المثقّفُ
وقوم عدى يبدون عن صفحاتهموأظهرها من ظلمة الحقد أكلفّ
يودّون لو يثني البعاد زماعناوهيهات ريح الشوق من ذاك أعصفُ
كفانا من الوصل التحيّة خلسةفيؤمن طرف أو بنان مطرّفُ
وأنّي ليستهويني البرق صبوةإلى برق ثغران بدا كاد يخطفُ
وما ولعي بالراح ألاّ توهّمالظلم لها كالراح إذ يتشرّفُ
ويذكرني العقد المرنّ جمانهمرنّات ورق في ذرى ألا يك تهتفُ
فما قبل من أهوى طوى البدرَ هودجولا ضمّ ريم القفر خدر مسجّفُ
ولا قبل عبّاد حوى البحر مجلسولا حمل الطود المعظّم رفرفُ
هو الملك الجعد الذي في ظلالهتكفّ صروف الحادثات وتصرفُ
رويّته في الحادث الأد لحظةوتوقيعه الجالي دجا الخطب أحرفُ
طلاقة وجه في مضآء كمثل مايروق فرند السيف والحدّ مرهفُ
على السيف من تلك الشهامة ميسموفي الروض من تلك الطلاقة زخرفُ
ولمّا قضينا ما عنانا أداؤهوكلّ بما يرضيك داع فملحفُ
تظن الأعادي أن حزمك نآئملقد تعد الفسلَ الظنون فتخلفُ
رأيناك في أعلا المصلىّ كأنّماتطلّع من محراب داود يوسف
ولمّا حضرنا الأذن والدهر خادمتشير فيمضي والقضآء مصرّف
وصلنا فقبلنا الندى منك في يدبها يتلف المال الجسيم ويخلف
لك الخيرانّى لي بشكرك نهضةوكيف أودي فرض ما أنت مسلف
أعدّت بهيم الحال مّني غرةيقابلها طرف الحسود فيطرف
ولولاك لم يسهل من الدهر جانبولا ذلّ منقاد ولا لأن معطف
ولما مات المعتضد ﵀ وارتفع في أمره ما ارتفع، وراعى المعتمد مواته التي توسل بها واستشفع، وأبقاه جليسا وسميرا، وسقاه الصفح سلسالا نميرا، قال يرنيه ويشكر المعتمد ويذكر أنه لم يرفض سبب متاته، ةولم يغمض عن رعي حرماته. طويل
أعّباد يا أوفى الملوك لقد سطاعليك زمان من سجيَّته الغدر
فهلاّ عداه أنَّ علياك حليهوذكرك في اردأن أيّامه عطر
أأنفس نفس في الورى أقصد الردىواخطر علق للندى أفقد الدهر
إذا الموت أضحى قصر كل معمّرفإنّ سواء طال أو قصر العمر
ومنها:
فهل علم الشلو المقدّس أننيمسوغ حال ظل في كنهها الفكر
وأنّ متاتي لم يضعه مجّدُخليفتك العدل الرضي وابنك البرّ
وارغم في برّي انوف عصابةلقاؤهم جهم ومنظرهم شزر
إذا ما استوى في الدست عاقد حبوةوقام سماط حافل فلي الصدر
وله عند فراره، وخروجه من سراره، وقد أقام بقرطبة متواريا يخاطب ولادة ويستنهض الأديب أبا بكر للشفاعة ويستنزل أبا الحزم بن جهور. طويل
شحطنا وما بالدار ناي ولا شحطوشطّ بمن نهوى المزار وما شطّوا
أأحبابنا الوت بحادث عهدناحوادث لا عهد عليها ولا شرط
لعمركم أن الزمان الذي قضىبشتّ جميع الشمل مّنا لمشطّ
وأما الكرى مذ لم أزركم فهاجرزيارته غبّ والمامه فرطُ
وما شق مقتول الجوانح بالصدىإلى نطفة زرقاء أضمرها وقطُ
بابرح من شرقي إليكم ودون ماأدير المنى عنه القتادة والخرط
وفي الربرب الإنسي أهوى كناسهنواجي ضميري لا الكثيب ولا السقط
غريب فنون الحسن يرتاح درعهمتى ضاق ذرعا بالذي حازه المرط
كانّ فوادي يوم أهوى مودعاهوى خافقا منه بحيث هوى القرط
إذا ما كتاب الوجد أشكل سطرهفمن زفرتي شكل ومن عبرتي نقط
ألا هل أتى الفتيان أنّ فتاهمُفريسة من يعدو ونهزة من يسطو
وأنّ الجواد الفآئت الشاو صافنتخّونه شكل وأزرى به ربط
وأنّ الحسام العضب ثاو بجفنهوما ذمّ من غربيه قدّ ولا قطّ
عليك أبا بكر بكرت بهمّةلها الخطر العالي وأن منالها حطّ
أبي بعد ما هيل التراب على أبيورهطي فذّا حين لم يبق لي رهط
لك النعمة الخضراء تندى ظلالهاعلىَّ ولا جحد لديَّ ولا غمط
ولولاك لم يثقب زناد قريحتيفينتهب الظلماء من نارها سقط
ولا الّفت أيدي الربيع بدائعيفمن خاطري نظم ومن زهره لقط
هرمت وما للشيب وخط بمفرقيولكن لشيب الهمّ في كبدي وخط
وطاول سوء الحال نفسي فأذكرتمن الروضة الغنّاء طاولها القحط
منون من الأيام خمس قطعتهاأسيرا وأن لم يبد شدّ ولا ربط
تت بي كما ميط الإناء عن الأذىواذهب ما بالثوب من درن مسط
أتدنو قطوف الجنّتين لمعشروغايتي السدر القليل أو الخمط
وما كان ظني أن تغرّبي المنىوللغّرقي العشواء من ظنّه خبط
أما وارتني النجم موطئ أخمصيلقد أوطأت خدّي لأخمص من يخطو
ومسبتطئ العتبى إذا قلت قد أتىرضاه تمادى العتب واتصل السخط
وما زال يدنني فينأى قبولههوى سرف منه وصياغة فرط
ونظم ثنائي في نظام ولائهتحلت به الدنيا لآلئه وسط
على خصرها منه وشاح مفصلوفي رأسها تاج وفي جيدها سمط
عدا سمعه عني وأصغى إلى عديلهم في أديمي كلما استمكنوا عط
بلغت المدى إذا قصروا فقلوبهممكامن أضغان أساودها رقط
يولونني عرض الكراهة والقلىوما دهرهم إلا النفاسة والغبط
ولما انتحوني بالتي لست أهلهاولم يمن أمثالي بأمثالها قط
فررت فإن قالوا الفرار بهفقد فر موسى حين هم به القبط
وني لراج أن تعود كبدئهالي الشيمة الزهراء والخلق السبط
وحلم امرئ تعفى الذنوب لعفوهوتمحى الخطايا مثل ما تمحى الخط
فما لك لا تختصني بشفاعةيلوح على دهري لميسها غلط
تقي بنسيم العنبر الورد ريحهاإذا شعشع المسك الأحم به خلط
فإن يسعف المولى فنعم كريمةنفس عن نفس ألظ بها ضغط
وإن يأب إلا قبض مبسوط فضلهفي يد مولى القبض ولبسط
وله أيضاً:
كان عشي القطر في شاطئ النهرقد زهرت فيه الأزاهر كالزهر
ترش بماء الورد رشا ونثنيلتغليف أفواه بطيبة الخمر
وبات ليلة بإحدى جنات إشبيلية فال:
وليل أدمنا فيه شرب مدامةإلى أن بدا للصبح في الليل تأثير
وجاءت نجوم الصبح تضرب في الدجافولت نجوم الليل والليل مقهور
فحزنا من اللذات أطيب طيبهاولم يعنا هم ولا عاق تكدير
خلا أنه لو طال دامت مسرتيولكن ليالي الوصل فيهن تقصير
لم يزل دنو ولادة فيتعذر، ويباح دمه دونها ويهدر، لسوء أثره في ملك قرطبة وواليها وقبائح كان ينسبها إليه ويواليها، أحقدت بني جهور عليه، وسددت أسنتهم إليه، فلما يئس من لقياها، وحجب عنه حياها، إليها يستديم، عهدها، يؤكد ودها، ويعتذر من فراقها بالخطب الذي غشيه، والامتحان الذي خشيه، ويعلمها أه ما سلا عنها بخمر، ولا خبا ما بين ضلوعه لها من ملتهب جمر، وهي قصيدة ضربت في الإبداع بسهم، وطلعت في كل خاطر ووهم، ونزعت منزعا قصر نه حبيب وابن الجهم، وأولها:
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحناأشواقاً إليكم ولا جفت مآقينا
يكاد حين تناجيكم ضمائرنايقضي علينا الأسى لولا تآسينا
حالت لفقدكم أيامنا غدتسوداً وكانت بكم بيضاً ليالينا
إذ جانب العيش طلق من تآلفناومورد اللهو صاف من تصافينا
وإذ هصرنا غصون الأنس دانيةقطوفها فجنينا منه ما شيئا
ليسق عهدكم هد السرور فماكنتم لأرواحنا إلا رياحينا
من مبلغ الملبسينا بانتزاحهمزنا مع الدهر لا يبلى ويبلينا
إن الزمان الذي ما زال يضحكناأنسا بقربكم قد عاد يبكينا
غيظ العدى من تساقينا الهوى فدعوابأن نغص فقال الدهر آمينا
فانحل ماكان معقوداً بأنفسناانبث ما كان موصولا بأيدينا
وقد نكون وما يخشى تفرقنافاليوم نحن وما يرجى تلاقينا
لم نعتقد بعدكم لا الوفاء لكم=رأيا ولم نتقلد غيره دينا
لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرناإن طال ما غير النأي المحبينا
والله ما طلبت أهواءنا بدامنكم ولا انصرفت عنكم أمانينا
ولا استفدنا خليلا عنك يشغلنالا اتخذنا بديلاً منك يسلينا
يا ساري البرق غاد القصر فاسق بهمن كان صرف الهوى والود يسقينا
ويا نسيم لصبا بلغ تحيتنامن لو علي البعد حيي كان يحيينا
يا روضة طال ما أجنت لواحظناورد أجلاه الصبا غصنا ونسرينا
ويا حيوة تملينا بزهرتهامنى ضروبا ولذات أمانينا
ويا نعيماً حضرنا من غضارتهفي وشي نعمى سحبنا ذيله حينا
لسنا مسك إجلالا وتكرمةوقدرك المعتلي عن ذاك يغنينا
إذا انفردت وما شوركت في صفةفحسنا الوصف إيضاحا وتبينا
يا جنة الخلد أبدلنا بسلسلهاوالكوثر العذب زقوما وغسلينا
كأنا لم نبت والوصل ثالثناولسعد قد غض من أجفان واشينا
سران في خاطر الظلماء يكتمناحتى يكاد لسان الصبح يفشينا
لا غرو في أن ذكرنا الحزن حين نهتنه النهى وتركنا الصبر ناسينا
إنا قرأنا الأسى يوم النوى سوراكتوبة وأخذنا الصبر تلقينا
أما هواك فلم نعدل بمنهلهشربا وإن كان يروينا فيظمينا
لم يخف أفق جمال أنت كوكبهسالين عنه ولم نهجره قالينا
ولا اختيار تجنبناك عن كثبلكن عدتنا على كره عودينا
ناسى عليك إذا حثت مشعشعةفينا الشمول وغنانا مغنينا
لا أكواس الراح تبدي من شمائلناسيما ارتياح ولا أوتار تلهنا
دومي على العهد ما منا محافظةفالحر من دان إنصافا كما دينا
فما ابتغينا خليلا منك يحسبناولا استفدنا حبيبا عنك يغنينا
ولو صبا نحونا من علو مطلعهبدر الدجا لم يكن حاشاك يصبينا
ولى وفاء إن لم تبذلي صلةفالذكر يقنعنا ولطيف يكفينا
وفي الجواب ناع لو شفعت بهبيض الأيادي التي ما زلت تولينا
عليك مني سلام الله ما بقيتصبابة منك تخفيها فتخفينا
النص من طبعة بولاق (١٢٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع