تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد العقيان في محاسن الأعيان» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)

ذو الوزارتين القائد أبو الحسن بن اليسع رحمة الله تعالى

عامر أندية النشوة، وطلاع ثنايا الصبوة، كلف بالحميا كلف حارثة بن بدر، وهام بفتى سماط وفتاة خدر، فجعل للمجون موسما، واثبتها في جبين أوانه ميسما، وكان قبل أن ترقيه الرياسه أعوادها، وتحله فؤادها، لا يجد عمادا، ولا يرد إلا ثمادا، فلما أصح عاقد كتائب، وقائد جنائب، وصاحب الوية، ومنفذ بديهة في الأمور وروية، جرى إلى لذاته ملء العنان، وعدا بها مجنون الجنان، وترك الملك مهملا، ومشى في طرق الاستهتار خببا ورملا، فائتمر به الملأ من أهل مرسية أي ائتمار، وراوا قتله أو كد حجة واعتمار، فنصبوا له الحرب، وعصبوا به الطعن والضرب، حتى أعطى الدنية، ونزل لهم عن تلك الثنية، فقنعوا بارتفاع وباله، وامتنعوا من حربه وقتاله، وخلعوه عن تدمير وسقوه الرنق بعد النمير، وله شعر رقيق المعاني، أنيق المغاني، يشهد له بالشطارة، ويعيد كهولته إلى الغرارة، وقد أثبت منه فنوناً يكحل بها الاستحسان حفونا، فمن ذلك قوله يخاطب أبا بكر بن اللبانة وكانا على طريقين فلم يلقيا. طويل

تشرق عامالي وسعدي يغرّبُوتطلع أوجالي وأنسي يغرب
سريت أبا بكر إليك وإنمّاأنا الكوكب الساري تخطاه كوكبُ
فبالله إلا ما منحت تحيةتكريها السبع الدراري وتذهبُ
وبعد قعندي كلّ علق تصونهقلائق لا تبلى ولا تنقلبُ
كتبت على حالين بعد وعجمةفياليت شعري كيف يدنو فيعرب

ولما مات أبن ليون صاحب لورقة ووصل أمرها إليه، وحصل تدبيرها في يديه، طلب ملكا يعطيه صفقتها، ويمطيه صهوتها، إذا لم يصح له توليها، والعدو بلبطيط يراوحها باغارته ويغاديها، فوصل إلى المعتمد رحمة الله مقليا إليه تلك المقاليد، ومجنيا له أفنانها الأماليد، فتلقى بالبر وفادته وصلته، وأنزل عليه أعيانه وجلته، أخبرني الوزير أبو الحسين أبن سراج والوزير أبو بكر ابن القبطرنة أن المعتمد أمرهما بالمشي إليه، والنزول عليه، تنويها لمقدمه، وتنبيها على حظوته لديه وتقدمه فسارا إلى بابه، فوجداه مقفرا من حجاجه، فاستغربا خلوه من خول، وظن كل واحد منهما وتاول، ثم أجمعا على قرع الباب، ورفع ذاك الارتياب، فخرج وهو دهش، وأشار إليهما بالتحية، ويده ترتعش، وأنزلهما خجلا، ومشى بين أيديهما عجلا، وأشار إلى شخص فتوارى بالحجاب، وبارى الريح سرعة في الاحتجاب، قفعدا ومقلة الخشف ترمق من خلل السجف، فانصرفا عنه، وعزما أن يكتبا إليه بما فهما منه، فكتبا إليه:

سمعنا خشفة الخشفِوشمنا طرفة الطرفِ
للشاعر الوزير أبو بكر ابن القُبطُرنة البطليوسي، اقرأ القصيدة
وصدّقنا ولم نقطعوكذّبنا ولم ننفِ
للشاعر الوزير أبو بكر ابن القُبطُرنة البطليوسي، اقرأ القصيدة
وأغضينا لجلالكعن أكرومة الظرفِ
ولم تنصف وقد جئناما ننهض من ضعفِ
للشاعر الوزير أبو بكر ابن القُبطُرنة البطليوسي، اقرأ القصيدة
وكان الحكم أن تحملأو تردف في الردفِ

فراجعهما في الحين بقطعة منها:

أياسفنا على حالسلبت بها من الظرفِ
ويالهفي على جهليبضيف كان من صنفي

وأخبرني الوزير أبو الحسن بن سراج أنه ركب معه في عشية الشك من شعبان ومعه لمة من أعيان قرطبة وقد غلبوه على المسير معهم، والزموة مجتمعهم، فخرج وهو مكره، ولا يتطلع إلى ذلك ولا يشره، ونفسه متعلقة بنشوة أطمعها بها، وسلوة اطلع لها كوكبها، فكان يروم التفلت، ويكثر التلفت، وكلهم قد حف به، ووقف دون مذهبه، حتى أخذ معهم في أمر جواده وعتقه، وبالغ في وصف مباراته وسبقه، ثم قام على متنه يريهم انه يجريه، ويعرض عليهم

تباريه، فطار بجناح، وصار إلى بغيته دون جناح، فانتظروه ليسفر عنه العجاج، وتطلعه تلك الفجاج، فلم يروا إلا منهجه، ولا اقتضوا عوضاً منه إلا رهجه، فعلم أبو الحسين ما حثه، وأشاعه فيهم وبثه، فما أنصرفوا إلا وهلال رمضام لائح، وهو على راحة رائح، فكتب إليه أبو الحسين ابن سراج:

عمري أبا حسن لقد جئت التيعطفت عليك ملامة الأخوانِ
للشاعر سراج بن عبد الملك بن سراج، اقرأ القصيدة
لمّا رأيت اليوم ولّي عمرهواليل مقتبل الشبيبة دانٍ
للشاعر سراج بن عبد الملك بن سراج، اقرأ القصيدة
والشمس تنفض زعفرانا في الرباوتفت مسكها على الغيضانِ
أطلعتها شمساً وأنت عطاردوخففتها بكواكب الندمانِ
للشاعر سراج بن عبد الملك بن سراج، اقرأ القصيدة
وأتيت بدعا في الأنام مخّلدافيها قرنت ولات حين قرانِ
ولهوت عن خلَّي صفاء لم يكنيليها عنك أقتيال زمانِ
غنيا بذكرك عن رحيق سلسلوحدائقٍ خضر وعزف قيانِ
للشاعر سراج بن عبد الملك بن سراج، اقرأ القصيدة
ورضيت في دفع الملامة أن ترىمتعلقا بالعذر من حسّانِ
للشاعر سراج بن عبد الملك بن سراج، اقرأ القصيدة

فكتب إليه مراجعاً قطعة منها:

وأنا أسأت فأين عفوك مجملاًهبني عصيت الله في شعبان
لو زرتني والآن تحمد زورةكنت الاهلال أتى بلا رمضانِ

وكتب في حينه ذلك إلى أبي بكر بن القبطرنة:

فديتك لا عرف لديّ ولا نكرُولا حّجة لي قد أبى ذلك السكرُ
إذا قلت جىَّ ماذا يقول ممجّدوليس له في أن يجيب بلا عذر

وأخبرني الوزير أبو بكر بن القبطرنة انه كان قاعاداً ببابه ببطليوس في غدوة الجمعة وقد اجتمعت العساكر، وروعت تلك الكنائس والدساكر، ولا أحد إلا راغب في الشهادة، مؤمل موته هناك واستشهاده، إذا برجل قد وضع بيده رقعة لا عنوان لها، فلما تأملها وجد فيها. طويل

عطشت أبا بكر وكفاك ديمةوذبت اشتياقاً والمزار قريبُ
فخفف ولو بعض الذي أنا واجدفليس بحق أن يضاعغريبُ
ووفر لنا من خطا نرى بهانشاوى وبعد الغزو سوف نتوبُ

فقال له ابن اليسع صاحب هذه الرقعة، أوقد حلّ في هذه البقعة، فقال له نعم فاستغرب ما قصد إليه، وذهب ووجه إليه، من التضييف ما وجب وقرن به خمرا وكتب معه. طويل

أبا حسن مثلي يمثلك عالمومثلك بعد الغزو ليس يتوبّ
فخذها على محض الصفاء كأنهاسنا ما لها بعد الحساب توبُ
للشاعر الوزير أبو بكر ابن القُبطُرنة البطليوسي، اقرأ القصيدة

النص من طبعة بولاق (١٢٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الثاني من قلائد العقيان ومحاسن الأعيان في غرر حلية الوزراء وفقر الكتاب والبلغاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.