تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد العقيان في محاسن الأعيان» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)

الوزير الكاتب أبو القاسم بن السقاط

مستعذب المقاطع، كأنما صور من نور ساطع، أبهى من محيا الظبي المخجل، وأحلى من الأمن عند الخائق الوجل، يهب عطرا نشره، ولا يغب حينا بشره، تجتليه بساما، وتنتضيه حساما، أن وأخاك أبرم عقد أخائه، وأعفاك من زهوة وانتخائه، ماء صفائه وارف يكاد يقطر، وسماء أحتقائه وأكفه أبدا تمطر، وله أدب لو نشر لكان بردا محبرا، أو تنسم لهب مسكا وعنبرا، وأما الخطابة ففي يده صار عناتها، وعليه وقف عناتها وقد أثبت من نظمه ونثره، ما ينظمه الزمان عقدا في نحره، فمن ذلك قوله يصف أيام أيناسه، وما كيف له الشباب من أنواع الوصل وأجناسه. متقارب

سقى الله أيامنا بالعذيبوأزماننا الغرّ صوب السحابِ
إذ الحبّ يابثن ريحانهتجاذبها خطرات العتابِ
وإذ أنتِ نوّارة تجتنىبكفّ الهنا من رياض التصابي
لياليَ والعيش سهل الجنىنضير الجوانب طلق الجنابِ
رميتكِ طيرا بدوح الصباوصدّتك ظبيا بوادي الشبابِ

وله يصف يوماً أطربته فيه الأماني، وهزته المثالث والمثاني، وجرى الدهر به طوعا في أزمته، وانقاد إليه الأنس برمته، وسقته الراح صفوها، وأقطعته الأيام طربها ولهوها. طويل

ويوم ظللنا والمنى تحت ظلّهتدور علينا بالسعادة أفرك
بروض سقته الجاشرية مزنةلها صارم من لامع البرق بتاك
توسّدنا الصهباء أضغات أسهكانا على خضر الأرائك أملاكُ
وقد نظمتنا للرضى راحة الهوىفنحن اللثالي والمودّات أسلاك
تطاعننا فيه ثدي نواهدنهدن لحربي والسنّور أفناكُ
وتجلى لنا فيه وجوه نواعميخلن بدورا والغدائر أحلاكُ

وكتب يشفع بذمام شباب صوخ نوره، وبرح به غدر الزمان وجوره، ياسيدي الأعلى، وظهيرى في الجلى، ونصيري المنيف في دوحة النبل فرعه، الحنيف في ملة الفضل شرعه، ومن أبقاه الله لرحم أدب مجفوة من الدروس والأخلاق، كالقلم المذهب، والخضاب الموشي لراحة الحسب، يستفيد به بهجة التكحل في العين، ورونق التشيب في مصوغ التبر واللجين، وقد رتبه النهى أشرف ترتيب، وبوبته العلى أبدع تبويب، فما أحقه بصدر النادي، وأسبقه إلى المرتبة بشرف المنادي، رعاية لأوامر الآداب، والمحافظة على الخلة الواشحة في أعصر الشباب، وتذكرا لربوع الصبا وأطلاله، وعهود اللذات المنثالة في بكره وآصاله، وما أسحبت الليالي في ميادينه من لبوس، نعيم وبوس، وأجنت الأيام في بساتينه من زهرات، أتراح ومسرات، حذوا للخلق الأكمل، وأخذا بقول الأول:

أنَّ الكرام إذا ما أسهلوا ذكروامن كان يالفهم في المنزل الخشنِ
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «وإن أولى البرايا أن تواسيه»

وموصله وصل الله سراءك، واثل علاءك، أبو فلان، ذاكر مشاهدك الغر الحسان، وناشر ما تعتمد في صلته من مقاصد الحسن والإحسان، أبقاه الله ما نظمني معه سمط ناد، ولا أحتواني وأياه مضمار شكر وأحماد، إلا وأثبت من ماثرك خليطي الدر والمرجان، وجاء بطليعة السوابق في إحصاء مفاخرك رخي اللبب مرخي العنان، ولقد فأوضني من أحاديت ايتلافكما في العصور الدارسة العافية، وانتظامكما في زهرات الأنس في ظلال العافية، واتساقكما في حبرات العيش الرقاق الضافية، وارتشافكما لسلافة النعيم المزة الصافية، بافانين الغيطان والنجود، وزخارف الروض المجود، ومعاطف الطرر بين خيلان الخدود، ما لو لقيت بشاشته الصخر لمنح بهجة الإيراق، ولو القيت عذوبته في البحر لأصبح حلو المذاق، لو رقى به البدر لوقي آفة المحاق، ولو مر ببيداء لعادت كسواد العراق، وأزمع أن يسير بنواعج، في طرقه ومناهجه، ويطير بجناح الارتياح في الدر، إلى متفاذف ذلك الجو، ليكحل بالتماحك جفونه، ويجلو باوضاحك دجونه، ويجدد بلقائك عهداً أنهج البين رسمه، ويشاهد بمشاهدة علائك سروراً محت يد البين وسمه، ويحط من أفناء بشرك بالأهل العامر، ويسقط من أنواء برك على الحافل الغامر، فخاطبت معرضاً عن التحريض، ومجتز يا بنبذ العرض ولمح التعريض، وتابعا له بإسرارك تلك الخطرات ذكر العهود القديمة، وارتياحك للقاء مثله من أعلاق العشرة الكريمة، وأنت ولي ما تتلقاه به من تأنيس ينشر ميت رجائه، ويعمر مقفرا أرجائه، لازلت عاطفاً على الأخلاء بكرم الود، قاطعاً زهر الثناء من كمام الحمد، بحول الله.

وله:

ويوم لنا بالخفيف راق أصيلهكما راق تبر للعيون مذابُ
نعماً به والنهر ينساب ماؤهكما أنساب ذعرا حين ريع حبابُ
وللموج تحت الريح منه تكسّرتولدّ فوق المتن منه حبابُ
وقد نجمت قصب لدان بشطهحكتها قدود للحسان رطابُ
وأينع مخصرّ خلالهاكما أقبلت نعمى وراق شبابُ

وكتب عن أحد الأمراء إلى قوم عليه شفعوا لجناة، طاعتكم أبقاكم الله نابتة الرسوم، واضحة الوسوم، وضنانتكم بالسلطان عصمه الله ضنانة الجبان بالحيوة، وأعدادكم للمكافحة عن الدولة وطدها الله أعداد المهلب لبيات، فما لكم

والشفاعة، لرعاع ندوا عن عصمة الجماعة، ونفروا، وخاسوا بذمام الطاعة، وختروا، ثم ودوا لو تفكرون كما كفروا، فأرضوهم عن جماعتكم، وذودوهم عن حياض شفاعتكم، ذياد الأجرب، عن المشرب فنحن لا نقبل على توسل مستخف بالنفاق مستسر، ولا نقبل الحذعة من متماد على الغواية مصر، أن شاء الله، وله فصل من رسالة في أهداء فرس، وقد بعثت إليك أيدك الله بجواد يسبق الحلبة وهو يوسف ويتمهل، متى ترمق العين فيه تسهل، يزحم منكب الجوزاء بك منكبه، وتنزل عنه حين تركبه، أن بدا قلت ظبية ذات غرارة، تعطو إلى غرارة، أو عدا قلت انقضاض شهاب، أو اعتراض بارق ذي التهاب، فاضممه إلى أرى جيادك، واتخذه ليومي رهانك وطرادك، أن شاء الله ﷿ وأصبحت يوماً منبسط النفس، معترض الأنس، فمر بي فارس يحمل كتبا إليه، وينفض للسرعة مردويه، فحملته بيتين يضعهما في يديه وهما:

عسى روضة تهدي إليّ أنيقةتدبّج أسطارا على ظهر مهرقِ
أحلّي بها نحري علاء وسودداوأجعلها تاجا بهياً بمفرقي

فكتب إلي مراجعاً:

أتتني على شخص العلاء تحّيةكراد الضحى في رونق وتأنقِ
أنمّ من الريحان ينضح بالندىوأطرب من سجع الحمام المطوّقِ
سطيران في مغزاهما أمن خائفوسلوة مشغوف وأنس مشوّقِ
نصوت أبا نصر بها همم العلىوأطلقت من آمالها كلّ موثقِ

وحملنا الوزير القاضي أبو الحسن بن أضحى إلى إحدى ضياعه بخارج غرناطة ومعنا الوزير أبو محمد بن مالك، وجماعة من أعيان تلك المسالك، فحللنا بضيعة لم ينحت المحل أثلها، ولم ترمق العيون مثلها، وجلنا بها في أكناف، جنات الفاف، فما شئت من دوحة لفاء، وغصن يميس كعطفي هيفاء، وماء يناسب في جداوله، وزهر يضمخ بالمسك راحة متناوله، ولما قضينا من تلك الحدائق أربا، واقتضضنا منها أتراباً عربا، ملنا إلى موضع المقيل، وزلنا عن منارة تزري بمنارة جذيمة مع ملك وعقيل، وضد وصولنا بدا غلي من أحد الأصحاب تقصير في المبرة، عرض لي منه تكدير لتلك العين الثرة، فأظهرت التثاقيل أكثر ذلك اليوم، ثم عدلت عنهم إلى الأضطجاع والنوم، فما استيقظت إلا والسماء قد نسخ صحوها،

وغيم جوها، والغمام منهمل، والثرى من سقياه ثمل، فبسطني يتحفيه، وابهجني ببر لم يزل يتممه ويوفيه، وأنشدني:

يوم تجهّم فيه الأفق وانتشرتمدامع الغيث في خدّ الثرى هملا
رأى وجومك فارتدّت طلاقتهمضاهيا لك في الأخلاق ممتثلا

وكتب يستدعي إلى مجلس انس، يومنا أعزك الله يوم قد نقبت شمسه بقناع الغمام، وذهبت كاسه بشعاع المدام، ونحن من قطار الوسمي، في رداء هدي، ومن نضير النوار على نظائر النظار، ومن بواسم الزهر، في لطائم العطر، ومن غر الندمان بين زهر البستان، ومن حركات الأوتار، خلال نغمات الأطيار، ومن سقات الكؤس، ومعاطي المدام، بين مشرقات الشموس، وعواطي الأرام، فرأيك في مصافحة الأقمار، ومنافجة الأنوار، واجتلاء غرر الظباء الجوازي، وانتقاد درر الغناء الحجازي، موفقا أن شاء الله تعالى.

النص من طبعة بولاق (١٢٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الثاني من قلائد العقيان ومحاسن الأعيان في غرر حلية الوزراء وفقر الكتاب والبلغاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.