من «قلائد العقيان في محاسن الأعيان» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
الوزير الحسيب الفقيه المشاور القاضي أبو الحسن بن أضحى أعزه الله
نسب ما وراءه منتسب ولا مثله حسب شرف باذخ تعقد بالنجوم ذوائبه، وتحل في مفرق النسر ركائبه، استفتحت الأندلس وقومه أصحاب رايات، وأرباب أماد في السبق وغايات، واستوطنوها فغزوا بحور مواهبها، وبدور غيابها، وجاء أبو الحسن أخرهم، فجدد مفاخرهم، وأحيا الرفاة، وأغنى العفاة، فبماذا أصفه وقد بهر، وبدا فضله كالصبح إذا اشتهر، وبماذا أحليه وعنه تقصر الحلى، وبه يتزين الدهر ويتحلى، ولكني أقول هو بحر زاخر، وفضل سواء أوائله والأواخر، تفخر به الدنيا وتزهى، وهو للعليا سماك وسهى، إذا جاد همى غيثا، وان صال غدا ليثا، ولي القضاء فهيب أنكاره، وانجلى من أفق الدين غيمه وعتكاره، وحييب به الرعايا، ولويت السن البغي والسعايا، وله سجايا برئت من الزهو، وأحكام عوفيت من الغلط والسهو، سقته العلوم زلالها، ومدت عليه ظلالها، وأرقته الجلالة هضابها، وأرشفته الأصالة هضابها، فلا في سماء العلاء بدرا، وصار في فناء السناء صدرا، عدلا في أحكامه، خزلا في نقضه وأبرامه، وله نظم متع الصفات، أحلى من الرشفات، وقد أتت منه ضروبا، لا تجد لها ضريبا، أخبرني ذو الوزارتين أبو جعفر بن أبي ﵀ أنه كتب إليه شافعا لأحد الأعيان فلما وصل إليه بره وأنزله، وأعطاه عظاء استعظمه واستجزله، وخلع عليه خلعا، وأطلعه من الجلال بدرا لم يكن له متطلعا، ثم اعتقد أنه جاء مقصرا، فكتاب إليه معتذرا. طويل
ومستشفع عندي تجير الورى عنديوأولاهم بالشكر منّي وبالحمد
وصلت فلمّا لم أقم بجزائهلففت له راسي حياء من المجد
ومن باهر جلاله، وظاهر خلاله، انه أعف الناس بواطن، وأشرفهم في التقى مواطن، ما علمت له صبرة، ولا حلت له إلى مستفزة حبرة، مع عدل لا شيء يعدله، وتحجب عما يتقى ما يرسل عليه حجابه ويسدله، وكان لصاحب البلد الذي كان يتولى به القضاء ابن من أحسن الناس صورة، وكانت محاسن الأقوال والأفعال عليه مقصورة، ما شئت من لسن، وصوت حسن، وعفاف، واختلاط بالبهاء والتفاف، فحملنا إلى إحدى ضياعه بقرب من حضرة غرناطة فحللنا قرية على ضفة نهر، أحسن من شاذ مهر، تشقا جداول كالصلال، ولا ترمقها الشمس من تكاثف الظلال، ومعنا جملة من أعيانها فأحضرنا من أنواع الطعام وأرانا من فرط الأكرم والأنعام، ما لا يطاق ولا يحد، ويقصر عن بعضه العد، وفي أثناء مقامنا بدا لي من ذلك الفتى المذكور ما أنكرته فقابلته بكلام أحقده، وملام اعتقده، فلما كان من الغد لقيت منه اجتنابه، ولم أر منه ما عهدته من النابة، فكتبت إليه مداعبا فراجعني بهذه القطعة. طويل
أتتني أبا نصر نتيجة خاطرسريع كرجع الطرف في الخطراتِ
فأعرب عن وجد كمين طويتهبأهيف طاو فاتر اللحظاتِ
غزال أحم الملقتين عرفتهبخيف منى للحين أو عرفاتِ
رماك فاصمى والقلوب رميّةلكلّ كحيل الطرف ذي فتكاتِ
وظنّ بانّ القلب منك محصّبفلبّاك من عينيه بالجمرات
تقرّب بالنساك في كلّ منسكوضّحى غداة النحر بالمهجاتِ
وكانت له جيّان مثوى فأصبحتضلوعك مثواه بكّل فلاةِ
يعزّ علينا أن تيهم فتنطويكئيبا على الأشجان والزفراتِ
فلو قبلت للناس في الحبّ فديةفديناك بالأموال والبشراتِ
ومن غيثار ديانته، وعلامة حفظه للشرع وصيانته، وقصده مقصد المتورعين، وجريه جري المتشرعين، أن أحد أيعان بلده كان متصلا به اتصال الناظر بسواده، محتلا في عينه وفؤاده، ولا يسلمه إلى مكروه، ولا يفرده في حادث يعروه، وكان من الأدب في منزلة تقتضي أسعافه، وتورده من تشفيعه في مورد قد عافه، فكتب
إليه ضارعا في رجل من خواصه اختلط بمرآة طلقها، ثم تعلقها، وخاطبه في ذلك بشعر فلم يسعفه وكتب إليه مراجعا، متقارب.
إلا أيّها السّيد المجتبىويا أيهّا الألمعيّ العلم
أتتني أبياتك المعجزاتبما قد حوت من جميع الحكم
ولم أر من قبلها بابلاوقد نفثت سحرها في الكلم
ولكنّه الدين لا يشترىبنثر ولا بنظام نظم
وكيف أبيح حمى مانعاوكيف أحلّل ما قد حرم
الست أخاف عقاب الإلهونارا مؤججّة تضطرم
أأصرفها طالقة بتةعلى أنوك قد طغى وأجترم
ولو أن ذاك الغبي الجهولتثبّت في أمره ما ندم
ولكنه طاش مستعجلافكان أحقّ الورى بالندم
وكتب في غرض عن له القول فيه:
يا ساكن القلب رفقاكم تقطعهالله في منزل قد ظلّ مثواكا
يشيّد الناس للتحصين منزلهموأنت تهدمه بالعنف عيناكا
والله والله ما حبّى لفاحشةأعاذني الله من هذا وعافاكا
وله في مثل ذلك:
روحي لديك فردّيها إلى جسديمن لي على فقدها بالصبر والجلدِ
بالله زوري كئيبا لا عزاء لهوشرفيه ومثواه غداة غدِ
لو تعلمين بما ألقاه يا أمليبايعتني الودّ تصفيه يدا بيدِ
عليك منّي سلام الله ما بقيتأثار عينك في قلبي وفي كبدي
وله يتوجع من الفراق. كامل
أزف الفراق وفي الفؤاد كلومودنا الترحل والحمام يحومُ
قل للأحبّة كيف أنعم بعدكموأنا أسافر والفؤاد مقيمُ
قالوا الوداع يهيج منك صبابةويثير ما هو في الهوى مكتومُ
فلت اسمحوا لي أن أفوز بنظرةودعوا القيامة بعد ذاك تقومُ
ولما انتهز ابن رذمير في سرقسطة أعادها الله ووقمه، فرصة أسهرت العيون وأرقتها، وطرقت النفوس من ذلك بما طرقتها، انتدب الأمير عبد الله بن مزدلي
رحمه الله دون أن يندب، والمسلمون ينسلون معه غليها من كل حدب، وشمر تشمير البطل المغوار، وعمر عليها النجاد والأغوار، حتى دخلها والعدو صاغر، وأطل عليه منه أسد فاغر، وحصره في أخبيته ووقف له في ثنيته، لم ينله أنتهاب نعم ولا بهم، فاستبشر المسلمون بمضائه، واستظهر الدين بانتضائه، لولا ما عاجله الحمام، وساجله بيد أمضى من الحسام فخط الردى هناك موضعه، واثكل فيه الإسلام وفجعه، وعند أرغامه لابن رذمير، وإيغاله في شعابه بالخراب والتدمير، كتب غليه القاضي أبو الحسن يمدحه ويذكر منابه. بسيط
يا أيها الملك مضمون لك الظفرأبشر فمن جندك التأييد والقدرُ
وأب لنا سالما والسعد مقتبلوالدين منتظم والكفر منتثر
وقد طلعت على البيضاء من كثبكما تطلّع في جنح الدجا القمرُ
حللت في أرضها في جحفلكما يحل بها في الأزمة المطرُ
وحولك الصيد من لمتونة وهمأبطال يوم الوغى والنجم الزهرُ
والعرب ترفل فوق الغرب سابحةكالسد ليس لها إلاّ القنا ظفرُ
من كلّ أروع وضّاح عمامتهكالبدر نحو لقاء الجيش يبتدرُ
شعاره البرّ والتقوى ومونسهفي ليلة رمحه والصارم الذكرُ
ذوابة المجد من قحطان كلّهمأبوهمُ حمير ذو المجد أو مضرُ
ومن زناتة أبطال غطارفةذووا تجارب في يوم الوغى صبرُ
ولمطة وهمُ أهل الطعان لدى الهيجاء في زمر تقتادها زمرُ
كأنّهم في جبين المجد إذا ركبوامصممين إلى أعدائهم غررُ
النص من طبعة بولاق (١٢٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع