من «قلائد العقيان في محاسن الأعيان» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
ذو الوزارتين الفقيه قاضي قضاة الشرق أو أمية إبراهيم بن عصام ﵀
هضبة علاء، لا تفرعها الأوهام، وجملة ذكاء، لا تشرحها الأفهام، هزم الكتائب بمضائه، ونظم الرياسة في سلك قضائه، إذا عقد حباه أطرق الدهر توقيرا، وخلته من تهيبه عفيرا يملأ بهوه بهاء، ولا تغب مداه حزا وأمها، يبرم أمره نهارا وليلا، ويشن من آرائه كل آونه خيلا، لم يستنر إلا بشمسه، ولم يستشر في رأيه غير نفسه، المهابة تخدم لحظته، والإصابة تقدم لفظته، كان الحميا تثني بشاشته وتحفيه، وكان الخلق قد جمعوا فيه، وله نثر تحلت الأيام بسناه، ونظم استحلت الأفهام جناه، وقد أثبت منهما سطورا، غدا حسنها في صفحة البدر، مسطورا، فمن ذلك فضل من رقعة كتب بها إلى الرئيس الأجل أبي عبد الله بن الحاج ﵀ في جانبي، ووصل فلان فشكر ما أليته، ونشر مما قصدته في جانبه وأتيته، ما آمال الأهواء وأطال الثناء والدعاء، وحبب عندك الآمال، وجنب إليك الآمال، وهو ممن قد علمت أيدك الله ارتفاع شان، وإبداع بيان، وقد نهض بعزمة لا يرى أن يخدم غيرك، وهمة لا ترتضي أن تلتزم إلا أمرك، ومثلك رحب مقدمه، وأسبل عليه ديمه، وعزف قدره، وشرح بخلقه صدره، أن شاء الله، وكتب إليه الوزير أبو الحسن بن الحاج. كامل
ما زلت في علاك بمقوليدابا واورد في رضاك وأصدرُ
واليوم اعذر من يطيل ملامةوأقول زد شكوى فأنت مقصّرُ
فراجعه أبو أمية. كامل
الفخر يابي والسيادة تحجرأن يستبيح حمى الوفاء مزوّرُ
وعليك أن ترضى بسمع ملامةعني السناء وعهده لا يختر
ولدّي أن نفث الصديق لراحةصبر الوفيّ وشيمة لا تغدرُ
وكتب إليه الغرباقي:
أما ترى اليومَ يا ملاذييحكيك في البشر والطلاقة
والبحر يرتحّ مثل قلبراقب من الفه فراقه
والجوّ صافي الأديم زهرمدّ على أرضه رواقه
فامنن بمشي إليه أنّيما لي على الصبر عنه طاقة
فأجابه أبو أمية:
عندي لما تشتهي بداريشهد أنّي على علاقة
فأخبر بما شئت صدق عهديتجد دليلا على الصداقة
وارفق فلي مفراق قلبقطعّ أن زرته استباقه
يطلع برّ الصديق بدراأمّنه عمره محاقه
وأسكن إلي رأي ذي احتفاءيعجز من رامه لحاقه
وأبلغ سرّي الخلال أنّيجيت بما قد رأى وفاقه
وكتب إلى أبي العباس المذكور:
كتب وعندي للنزاع عزيمةتسهّل تجشيم اللقاء على بعدِ
ومعهد انس ما عهدت تحفّيافهل مقرض شكري ومستقرض حمدي
وان عاق عن عهد لبرّك عائقتلظّفت في العذر الجميل إلى ودّي
وكتب إليه كاتبه أبو الحسن باقي وهو بالعدوة بهذه الأبيات. وافر
قصيّ الدار في أسر الغراماليم القلب من وقع الملامِ
يضاهي دمعه دمع الغواديويحكي شجوه شجو الحمامِ
وتذكره البدور سنا وجوهزهاها الحسن عن حمل اللئامِ
ترق له الرياح فتقتضيهإذا هبّت تحية مستهامِ
لضنوّا بالمنام غداة ظنوابانّ الطيف يطرق في المنامِ
ولولا طاعة ملكت قياديلأبلج في الذوابة من عصامِ
لما أثرت بعدا عن حبيبيجرّع بعده غصص الحمامِ
فأجابه أبو أمية:
ذخرنا البرّ من لطف النظامومال برأينا سحر الكلامِ
وعندي للمطيع مطاع أمريجرّد للقاء ظبي اعتزامِ
النص من طبعة بولاق (١٢٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع