من «قلائد العقيان في محاسن الأعيان» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
الفقيه الإمام الحافظ أبو بكر بن عطية ﵀
شيخ العلم وحامل لوائه، وحافظ حديث النبي صلى اله عليه وسلم وكوكب سمائه، شرح الله لتحفظه صدره، وطاول به عمره، مع كونه في كل علم وافر النصيب، مباشرا بالمعلى وبالرقيب، رحل إلى المشرق لأداء الفرض، لابس برد من العمر الغض، فروى وقيد، ولقي العلماء وأسند وأبقى تلك المأثر وخلد، نشأ في بنية كريمة، وأرومة من الشرف غير مرومة، لم يزل فيها على وجه الزمان أعلم علم،
وأرباب مجد ضخم، قد قيدت مآثرهم الكتب وأطلعتهم التواريخ كالشهب، وما برح الفقيه أبو بكر يتسنم كواهل المعارف وغواربها، ويقيد شوارد المعاني وغرائبها، لاستضلاعه بالأدب الذي أحكم أصوله وفروعه، وعمر برهة من شبيبته ربوعه، وبرز فيه تبريز الجواد المستولي على الأمد، وجلى عن نفسه به كما جلى الصقال عن المنصل لفرد، وشاهد ذلك ما أثبته من نظمه الذي يروق جملة وتفصيلا، ويقوم على قوة العارضة دليلا فمن ذلك قوله يحذر من خلطاء الزمان، وينبه على التحفظ من الإنسان. رمل
كن بذيب صائد مستأنساوإذا أبصرت إنسانا ففر
إنّما الإنسان بحر نما لهساحل فأحذره إياك الغرر
وأجعل الناس كشخص واحدثمّ كن من ذلك الشخص خذر
وله في الزهد رمل
أيّها المطرود من باب الرضىكم يراك الله تلهو معرضا
كم إلى كم أنت في جهل الصباقد مضى عمر الصّبا وانقرضا
قم إذا الليل دجت ظلمتهواستلذّ الجفن أن يغتمضا
فضع الخدّ عن الأرض ونحواقرع السنّ على ما قد مضا
وله في هذا المعنى. بسيط مجزوء
قلبيَ يا قلبي المعنّىكم أنا أدعى فلا أجيب
كم أتمادى على ضلاللا أرعوى لا ولا أنيبُ
ويلاه من سوء ما دهانييتوب غيري ولا أتوبُ
وا أسفي كيف برء دأيدأي كما شاءه الطبيبُ
لو كنت أدنو لكنت أشكوما أنا من بابه قريبُ
أبعدني منه سوء فعليوهكذا يبعد المريبُ
ما ليَ قدر وأيّ قدرلمن أحلّت به الذنوبُ
وله في المعنى أيضاً:
لا أجعلن رمضان شهر فكاهةتلهيك فيه من القبيح فنونه
وأعلم بأنّك لا تنال قبولهحتّى تكون تصومه وتصونه
وله في مثل ذلك. طويل
إذا لك يكن في السمع منّى تصاونوفي بصري غضّ وفي مقوليُ صمت
فحظيّ إذا من صوميَ الجوع والضماوان قلت أني صمت يومي فما صمتُ
وله في المعنى الأول:
جفون إنسانا كنت ألف وصلهموما في الجفا عند الضرورة من باسِ
بلوت فلم أحمد وأصبحت آيساولا شيء أشفى للنفوس من اليأسِ
فلا تعذلوني في انقباضي فإنّنيرأيت جميع الشرّ في خلطا الناسِ
وله يعاتب بعض أخوانه:
وكنت أظنّ أن جبال رضوىتزول وأنّ ودك لا يزولُ
ولكنَّ الأمور لها اضطرابوأحوال ابن أدم تستحيلُ
فإن يك بيننا وصل جميلوإلاّ فليكن هجر طويلُ
وأما شعره الذي أقتدحه من مرخ الشباب وعفاره، وكلامه الذي وشحه بمأرب الغزل وأوطاره، فإنه نسي إلى ما تناسه، وترك حين كساه العلم والورع من ملابسه ما كساه، فمما وقع إلي من ذلك قوله:
كيف السلوّ وكلّ حبيب هاجرقاسي الفؤاد يسومني تعذيبا
لمّا درى أنّ الخيال مواصليجعل السهاد على الجفون رقيبا
وله:
يا من عهودي لديه ترعىأنا على عهدك الوثيقِ
أن شئت أن تسمعي غراميمن مخبر عالم صدوقِ
فاستخبري قلبك المعنّىيخبركِ عن قلبيَ المشوقِ
النص من طبعة بولاق (١٢٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع