من «قلائد العقيان في محاسن الأعيان» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
الفقيه القاضي أبو الوليد الباجي رحمة الله تعالى
بدر العلوم اللائح، وقطرها الغادي الرائح، وثبيرها الذي لا يزحم، ومنيرها الذي ينجلي به ليلها الأسحم، كان أمام الأندلس الذي تقتبس أنواره، وتنتجع أتجاده وأغواره، رحل إلى المشرق فعكف على الطلب ساهراً، وقطف من العلم أزاهرا، وتفنن في اقتنائه، وثنى إليه عنان اعتنائه، حتى غدا مملو الوطاب، وعاد بلح طلبه إلى الأرطاب، فكر إلى الأندلس بحر لا تخاض لججه، وفجرا لا يطمس منهجه، فتهادته الدول، وتلقته الخيل والخول، وانتقل من محجر إلى ناظر، وتبدل من يانع بناصر، ثم استدعاه المقتدر بالله فسار إليه مرتاحا، وبدا في أفقه ملتاحاً، وهناك ظهرت تواليفه وأوضاعه، وبدا وخده في سبل العلم وأيضاعه، وكان المقتدر يباهي بأنحياشه إلى سلطان، وإيثاره لحضرته باستيطانه، ويحتفل
في ما يرتبه له ويجريه، وينزله في مكانه متى كان يوافيه، وكان له نظم يوقفه على ذاته، ولا يصرفه في رفث القول وبذاذاته، فمن ذلك قوله في معنى الزهد:
إذا كنت اعلم علما يقينابان جميع حياتي كساعه
فلم لا أكون ضنينا بهاوأجعلها في صلاح وطاعه
وله يرثي أبنه وماتا مغتربين، وغربا كوكبين، وكانا ناظري الدهر، وساحري النظم والنثر. طويل
رعى الله قبرين استكانا ببلدةهما اسكناها في السواد من القلبِ
لئن غيبا عن ناظري وتبوّاىفؤادي لقد زاد التباعد في القربِ
يقرّ بعيني أن أزور ثراهماوالزق مكنون الترائب بالتربِ
وأبكي وأبكي ساكنيها لعلّنيسأنجد من صحب وأسعد من سحبِ
فما ساعدت ورق الحمام أخا اسىولا روّحت ريح الصبا عن أخي كربِ
ولا استعذبن عيناي بعدهما كرىولا ضئمت نفسي إلى البارد العذبِ
أحنّ ويثني اليأس عن الاسىكما اضطرّ محمول على المركب الصعبِ
وله يرثي ابنه محمداً:
أمحمّد أن كنت بعدك صابراصبر السليم لما به لا يسلم
ورزئت قبلك بالنبي محمّدولرزوه أدهى لدّي واعظم
فلقد علمت أنّني بك لاحقمن بعد ظنّي أنّني متقدّمُ
لله ذكر لا يزال بخاطريمتصرّف في صبره متحّكم
فإذا نظرت فشخصه متخيّلوإذا أصخت فصوته متوهّم
وبكلّ أرض لي من أجلك لوعةوبكلّ قبر وقفة وتلوّمُ
فإذا دعوت سواك حاد عن اسمهودعاه باسمك مقول بك مغرمُ
حكم الردى ومناهجٌ قد سنّهالأولي النهى والحزن قبل متمّم
النص من طبعة بولاق (١٢٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع