تجاوز إلى المحتوى

من «من اسمه عمرو من الشعراء» لابن الجراح (ت ٢٩٦هـ)

المحدثون في أيام بني العباس

-

وأكثرهم كان بعد الأصمعي وخلف إلا نُفَيرْ لعلهما لم يعرفاهم.

عمرو بن مُسلّم أبو مضر المُسَلّم الرياحي مديني حسن الشعر يمدح ويهجو، وله حظ من أدب، وكان على عهد المنصور والمهدي، حدثني محمد بن الحسن الزُرَقي قال: حدثني عبد الله بن شبيب قال: حدثني محمد بن عبد الله بن أبي عتيق البكري قال: حدثني أبو المسلّم عمرو بن المسلّم قال: جئت الحسن بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي صلوات الله عليهم أمتدحه، وهو بينبع، وهو أخو حسين صاحب فخ، قال: فلما رآني قال: لا حيا الله ولا سلم، يا عاض كذا، فقلت: لم ذاك أعزّك الله؟ قال: ألست القائل في محمد بن خالد بن عمرو بن عثمان ﵁:

يا ابنَ الذي حنَّ الحصى في يمينهوأكرمَ من وافي جمارَ المحصّبِ
وخير إمام كان بعد ثلاثةٍمَضَوا سَلَفاً أرواحُهم لم تشعَّب
هو الثالثُ الهادي بهدي محمدٍعلى رغمِ أنفِ الساخِط المتعتب

قال: قلت: نعم أعزّك الله، أنا قائل ذاك، ووالله لئن احتملتُ رحلي حتى أصيّر هذه الحرَّة بيني وبينك ليأتينك معنى ما قال زهير:

لئن حللتُ بجوٍّ في بني أسدِفي دين عمروٍ وحالتْ بيننا فَدَكُ
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا»
ليأتينكَ منّي منطقٌ قذِعٌباقٍ كما دَنّس القِبطيّة الوَدكُ
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا»

قال: فقال: أدنُ لا حياكَ الله، فأوسع لي إلى جنبه، وأوقر لي رواحلي تمراً، وحدثني ابن أبي خيثمة ومحمد بن الحسن الزُرَقي قالا: حدثنا عبد الله بن شبيب عن ميسرة بن عبد الله الكلابي عن أبيه أن أبا المسلّم أنشده لنفسه:

ألا يا لقومٍ للفؤادِ المعذَّبِوعينٍ تمادتْ في البكا والتنحبِ
وقلبٍ كئيبٍ لا يزال يهيضهلميّةَ رَبْعً ذو أَمارٍ وملعبِ
ليالي لا تُوليك إلا تحبُباًإلينا ألا أهلاً بذاكَ التحببِ
أقمنَا بذاكَ العيشِ ثم انتحى لنامن الدهر صرفُ المِرّة المتقلّبِ

وأنشدني محمد بن الحسن الزُرَقي قال: أنشدني أبو سعيد.

قال: أنشدني محمد بن الله بن أبي عتيق لأبي المسلّم، وطلق امرأته ومتّعها وحملها إلى أهلها، فلما استقلّت ركابها قال:

ولستُ بناسٍ إذ غَدَوا فتحملوالزومي على الأحشاءِ من لاعجِ الوَجْد
وقولي وقد زالت بليلٍ حمولُهمبواكِرَ تُحدىَ لا يكن آخر العَهدِ

عمرو بن واقد مولى عُتبة بن يزيد بن معاوية، شآمي دمشقي يقول في فتنه الهَيذام المُريّ بالشام أيام الرشيد يصف هيذاماً وخريماً ابني أبي الهيذام ومولاه سابقاً ورجلاً من قريش، وكانوا حماته في تلك الحرب مع من كان فيها من المعديّة لما وقعت العصبية بين معد واليمن:

فلم أر كالهَيْذامِ في الناسِ فارساًولا كخُريم حَلْبةً في الخلائقِ
ولا كأخينا من قريشٍ رأيتهُبعيني ولا مولىً رأيتُ كسابقِ
كأنهم كانوا صقورَ دُجُنّةِأُتِيحت على الخربانِ من رأس حالقِ
فولتْ بنو قحطان عنّا كأنهمهنالك ضأنٌ جُلْنَ من صوتِ ناعقِ

وكان عمرو بن واقد ذا أدب وأخبار، حدثني محمد بن راشد قال: حدثني الهيثم بن مروان قال: حدثنا أبو مسهر قال: سمعت غير واحد منهم عمرو بن واقد وخالد بن عبدة بن رياح يقولون: فتى العرب في الجاهلية امرؤ القيس، وفي الاسلام يزيد بن معاوية: عمرو بن نصر القصافي التميمي أبو الفيض، من شعراء الرشيد المحسنين، أخبرنا أبو هفّان عبد الله بن محمد قال: كان أحسن شعراء عصره ابتداء شعر، من ذلك قوله:

غيري أطاعَ مقالةَ العُذّالِ

وقوله:

راحوا ولَما يؤذنوا برواحِ

وقوله:

لا نومَ حتى تقضّى دولةُ السَهَر

وقوله:

في دَمْعه الجاري وإعوالهِما يُخبر السائلَ عن حاله
للشاعر القصافي، اقرأ القصيدة
رحّلْتُ عِيساً كلّتها عاملفي حالِ أرقالي وأرقالِهِ
حتى تناهينَ إلى سيّدٍصَبّ إلى طلعة سُؤّالِهِ

قال: وضده في بشاعة ابتداء الأشعار حبيب بن أوس الطائي.

وأخبرنا ابن أبي خيثمة عن دعبل قال: قال القصافي الشعر ستين سنة لم يعرف له إلا بيت واحد وهو:

خوصٌ نواجٍ إذا صاحَ الحُداةُ بهارأيتَ أرجُلَها قُدّامَ أيديها
للشاعر القصافي، اقرأ القصيدة

عمرو بن أبي بكر العدوي، قرشي، قاضي دمشق، أخو عمر بن أبي بكر المؤمّلي الذي روى عنه زبير بن بكار، وله شعر ظريف منه قوله: برِئتُ من الأسلامِ إن كان ذا الذّي أتاكِ به الواشون عني كما قالوا

ولكنّهم لما رأوكِ سريعةًإليّ تواصَوا بالنميمة واحتالوا

وبلغني أن المأمون استنشده هذا الشعر، فاعترف به له، وقال: قلته وأنا حدثٌ، فقال: قاض لا تكون له يمين إلا بالبراءة من الإسلام! وأمر بصرفه عن الحكم بدمشق، وأنه قال لمن يتغنى فيه أن يتغنى فيه:

حرمت مناي مند إن كان ذا الذي

وذكر دعبل أن عمرو بن مسعدة كان يقوم بأمر عمرو بن أبي بكر في أيام المأمون - وكان محمد بن يزداد يحمل عليه - فقال يمدح عمراً ويغمز على ابن يزداد:

لشتّان بين المدَّعِين وزارةًوبين الوزير الحق عمرو بن مَسْعَدْ
فَهمُّمُ في الناسِ أن يجبوهموهئُّم أبي الفضلِ اصطناعٌ ومَحْمَدْ
فأسكن ربُّ الناس عمراً جنانهوأسكنهم ناراً من النار مُؤصَدة

عمرو بن بحر الجاحظ العلامة أبو عثمان، صاحب الكتب التي لم يسبقه إلى تأليفها أحد من نظرائه، ولا يلحق به غيره إن شاء الله، وهو مقتدر على الشعر، وكثير القول، وسرَّاق فيه حدثني أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكشّي ﵀ قال: حدثني إبراهيم بن رياح بن شبيب قال: مدحني حمدان بن أَبان بن عبد الحميد اللاحقي بشعر فيه هذان البيتان:

بدا حسين أَثرى بأخوانِهقفلّلَ عنهم شَباةَ العدمِ
وذكرهُ الحزمُ غِبَّ الأمورِ فبادرَ قبلَ انتقالِ النِعمِ
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

قال: فرُوي هذا الشعر وعُرف بالبصرة، ثم جاءني الجاحظ بشعر أدخل فيه هذين البيتين، فاحتملتف ذلك وأَثَبْتُهُ عليه، فبينا أنا يوماً في مجلس أحمد ابن أبي داود والجاحظ في مجلسه إذ قال لي أحمد: ما مُدِحتُ بشيء أحسن مما مدحني به أبو عثمان.

وأنشد هذين البيتين فقلت له: أن مادحك أعزّك الله يجد فيك مقالاً، والجاحظ يملأُ عينيه مني ولا يستحيي، وله في رسالته إلى أبي الفرج بن نجاح قصيدة فيه مستحسنة جداً وفي غيره أشعار جياد.

عمرو بن عبد العزيز صاحب العصبية في فتنة محمد الأمين على مثل ما كان خرج عليه أبو الهيذام، حدثني محمد بن أبي مسهر الرملي قال: حدثني حمزة بن ميمون أو حُدِّثت عنه قال: حضرت عبد الملك بن صالح يوماً وقد أُدخِلَ إليه عمرو بن عبد العزيز وهو يسائله بعد أن استأمن إليه، لما قلده محمد الأمين الشام، فأعجبه محاورته وجوابه فقال له: يا عمرو، لقد تناهى إلي من خبر ظفرك بأعدائك في حروبك ما يعجب منه، فهل تعرف سبباً تخبرني به؟ قال: لا والله، أصلح الله الأمير، إلا ما قال، الشاعر:

فما إن قتلناهم بأكثر منهمولكن بأَوْلى بالطعانِ وأَصبرا

وقام عمرو من عنده، فقال: أنت والله كما قال الشاعر:

يغدو إذا ما خِلاجُ الشك عنَّ لهعلى صريمةِ أمرٍ غيرِ مردودِ
رَكّابُ ما يكره الأبطالُ يَقْدمهرأيٌ جميعٌ وقلبٌ غيرُ رعديدِ

ومن قوله عمرو بن عبد العزيز:

دعوتُ بني عمّي فكان جوابهمبلبيكَ فعلَ السادةِ النُّجبِ الغُرِّ
فما لمتُهم في النصرِ حينَ دعوتُهمولا لامني قومي لدى النهي والأَمرِ

ومن قوله:

يَطلُب الثأر من إذا هَمَّ أمضىهمُّه كان مخطئاً أو مُصيبا
ليس يخشى عواقبَ الأمرِ يغشاهُ إذا ناله وإنْ كانَ حُوبا

ومن قوله:

ما الفتكُ إلا الذي إنْ قالَ يفعلهولا يُشاور فيما يَرْتَئِي أحدا
لا كالمُشاورِ فيما يرتئِيه وقديخشى العواقب إن بقّى له ولدا
لا تخشىئ عاقبةً في الفتكِ وامضِ لماهممتَ إن غيّةً كانت وإن رشَدَا
مَن يَسْتَشر تُختزل أولى عزيمتِهفي الفتكِ أو يطلب الأَعوانَ والمددا

عمرو بن عبد الرحمن بن الخلق، أبو هشام الباهلي الظالمي، شاعر مكثر كان على عهد المنصور والمهدي والرشيد، وهاجى بشاراً الأعمى فانتصف منه، وفيه يقول:

بذلّةِ والديكَ كسبتَ عزاًويا للؤم اجترأت على الجوابِ

وهجا روحَ بن حاتم المهلبي فأسرف عليه، ورماه باللواط والأجارة في صباه، واللؤم والجبن، حدثني أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة عن دعبل بن علي قال: كان أبو هشام يعبر الجسر على دجلة بمدينة السلام، فلقيه عليه أبو نِيقة الحسين بن الورّاس مولي خزاعة وكان شاعراً، وعاتبه أبو نيقة على هجائه آل المهلب، ثم اتخذا وتلاطما، فدفع أبو نيقة أبا هشام، فرمى به إلى دجلة فبادر إليه قوم من الملاحين وأصحاب الزواريق فأخرجوه وتشبث به، وكان على أحد الجانبين المسيب بن زهير الضبّي وعلى الآخر نصر بن مالك الخزاعي، فقال أبو نيقة: إرفعونا إلى نصر، وقال أبو هشام: إرفعونا إلى المسيّب، ففرق الناس بينهما، فقال أبو نيقة.

فمن مبلغٌ عُليا خزاعة أننيقذفتُ بعبد الباهليين في الجِسرِ
قذفتُ به كي يغرق العبدُ عنوةًفجاشَ به من لؤمِه زبَدُ البحرِ

ومن قول أبي هشام في سعيد بن سلم بن قتيبة الباهلي يمدحه:

ألا قل لساري الليل لا تخشَ ضلةًسعيدُ بنُ سلمٍ ضوءُ كل بلادِ
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
لنا سيدٌ أركل على كل سيدٍجوادٌ حثا في وجهِ كلِّ جوادِ
يطولُ على الرمحِ الرديني قامةًويقصرُ عنه باعُ كلِّ نجادِ
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «يطول على الرمح الرديني قامة»

عمرو المخلخل، مولى ثقيف، بصري، ومن قوله يهجو عمراً الخاركي الأعور:

نظرتُ في نسبةِ الكرامِ فمافيها لكم ناقةٌ ولا جملُ
قومٌ لئامٌ أعراضهُم هدفٌفيها سهامُ الهجاءِ تنتضل
لا يستجيبونَ إنْ دعوتهمإن لم تقل في الدعاءِ يا سِفَل
أبوهمُ خَالُهمْ وأمُّهمُمن بعضِ أولادِها بها حبلُ

عمرو بن مرثد أبو الغراف السُّلمي، شاعر معروف يرد على

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «من اسمه عمرو من الشعراء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.