من «المذاكرة في ألقاب الشعراء» للنشابي الإربلي (ت ٦٥٧هـ)
ذكر أبي حية النميري
ذكر الجاحظ: أنه كان أجن من جعيفران وأشعر. وروى المبرد عن الأصمعي أنه سئل عن المجنون المسمى قيس بن معاذ، فقال: لم يكن مجنوناً، وإنما كانت به لوثة كلوثة أبي حية. يقال: رجل ألوث، إذا كان به هوج. ورجل به لوثة، أي اختلاط وفساد واسترخاء. ولأبي حية:
ألا حيِّ أطلالَ الرسومِ، البواليالبسنَ البلى، لما لبسنَ اللياليا
تحملَ منها الحيُّ، وانصرفتْ بهمنوىً، لم يكنْ منَ قادها لكَ آويا
حنتكَ الليالي، بعدما كنتَ مرةًسوىً كالعصا، لو كنَّ يبقينَ باقيا
إذا ما تقاضى المرءَ يومٌ وليلةٌتقاضاهُ شيءٌ لا يملُّ التقاضيا
وهمّ طرا من بعد ليلٍ، ولا ترىلهمٍّ طرا مثل الصريمةِ ماضيا
وإني لمما أنْ أجشمَ صحبتيونفسي والعيسَ العمومَ الأقاصيا
ويقول فيها:
أصابوا رجالاً آمنينَ، وربماأصابَ بريئاً جرمُ منْ كان جانيا
فلما سعى فينا الصريخُ، وطالمانلبيهِ، أنجدنا اللهيفَ المناديا
بأسدٍ على أكتافهنَّ إذا عصوابأسيافهم كانوا حتوفاً قواضيا
بأسيافِ صدقٍ في أكفِّ عصابةٍكرامِ أبوا في الحربِ إلا
ومن نادر شعره ورقيق غزله يصف امرأة حال استتارها:
فأرختْ قناعاً دونهُ الشمسُ، وأتقتْبأحسنِ موصولينِ: كفٍّ ومعصمِ
وهذا البيت يفضل على بيت النابغة في قوله:
سقطَض النصيفُ، ولم تردْ إسقاطهُفتناولتهُ، واتقتنا باليدِ
ومن شعر أبي الحية المشهور المستطرف، من قصيدة أولها:
أأبكاكَ رسمُ المنزلِ المتقادمِ
وخبركِ الواشونَ أنْ لا أحبكمْبلى وستورِ الله ذاتِ المحارمِ
أصدُّ، وما الهجرُ الذي تحسبينهُعزاءً بنا، إلا ابتلاع العلاقمِ
حياءً وبقيا أن تشيعَ نميمةٌبنا، وبكم، أفٍ لأهلِ النمائمِ
وإنَّ دماً لو تعلمين جنيتهُعلى الحيّ جانٍ مثله غير سالمِ
أما إنهُ لو كان غيرك أرقلتْإليه القنا بالراعفاتِ اللهاذمِ
ولكنْ، وبيتِ الله ما طلَّ مسلماًكغرّ الثنايا واضحاتِ الملاغمِ
إذا هنَّ ساقطنَ الأحاديثَ للفتىسقوطَ حصى المرجانِ من سلكِ ناظمِ
رمينَ فأقصدنَ القلوبَ، ولا ترىدماً مائراً إلا جوىً في الحيازمِ
قوله: ساقطنا الأحاديث من قول جميل بن معمر العذري، وعمر بن أبي ربيعة.
فأما قول جميل:
ما صائبٌ من نابلٍ قذفتْ بهِيدٌ وممرُّ العقدتينِ وثيقُ
له من خوافي النسرِ حمٌّ نظائرٌونصلٌ كنصلِ الزاغبي فتيقُ
قوله: فتيق يعني حاد، والزاغبي منسوب إلى رجل من الخزرج يقال له: زاغب.
على نبعةٍ روداء، أما خطامهافمتنٌ، وأما عودها فعتيقُ
بأوشكَ قتلاً منكِ يومَ رميتنينوافذَ لم يظهر لهنَّ خروقُ
والذي قاله عمر بن أبي ربيعة:
وأصابتْ مقاتلي بسهامٍنافذاتٍ، وما تبينَ كلمُ
بحديثٍ بمثلهِ تنزلُ العصمُ، رخيمٍ، يشوبُ ذلك حلمُ
ومن مراثيه المستحسنة:
يرومُ جسيماتِ العلى فينالهافتىً من جسيماتِ المكارمِ راغبُ
فإن تمسِ وحشاً دراهُ، فلربماتواضحُ أفواجاً إليها المواكبُ
يحييونَ بساماً كأنَّ جبينهُهلالٌ بدا، وانجابَ عنه السحائبُ
وما غائبٌ منْ يرجى إيابهُولكنهُ من غيبَ الموتُ غائبُ
وقال الآخر:
ولم تنأ دارٌ من مرجىً إيابهُوتنأى بمن رصتْ عليهِ الحفائرُ
وقال الآخر:
كلُّ ذي غربةٍ سيرجعُ يوماًغيرَ غيابِ زائراتِ القبورِ
وأول من ابتدع هذا المعنى في قوله:
وكلُّ ذي غيبةٍ يؤوبُوغائبُ الموتِ لا يؤوبُ
وأنشد محمد بن يزيد لأبي حية، وهو مما يفضل لتلخصه من التكلف:
رمتني، وسترُ الله بيني وبينهاولكنَّ عهدي بالنضالِ قديمُ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع