من «الوسيط في تراجم أدباء شنقيط» لأحمد بن الأمين الشنقيطي (ت ١٣٣١هـ)
محمذ فال بن متالي
(بالذال المعجمة المنونة المكسورة) مصحف محمد فال. علامة جليل وصالح نبيل، أذعنت العلماء لعلمه، وتضلع كثير من الزوايا من معينه، وصار حرما آمنا يفر إليه الخائف فيأمنه، وما خفر ذمته أحد من حسان، غير اعمر بن احميده التروزي وقومه، فانتقم الله منهم. وذلك أن ابن احميده المذكور، وتره أحد أبناء السيد، بأن قتل بعض أقاربه، ففر إلى الشيخ، فأجلسه بين كتبه، وكلم ذلك الرجل، في ترك الملتجأ إليه ما دام عنده. ويقال أن والدة الشيخ قالت له. إن غدرت بهذا الملتجئ إلينا، يخرج فيك الرصاص من مؤخر البندقية، فلما خلا بأصحابه، قال لهم: أنا أريد أن أضرب
هذا الشخص ومن معه، فان خرج السلاح علىَّ فانتهوا، وإن خرج من فم البندقية فاضربوهم، وإني جربت سلاحي، فإن الرصاص لا يخرج إلا من مقدمه. فضربوا الناس وقتلوهم. وفي ذلك يقول بعض تلامذة الشيخ، قصيدة مطلعها:
هتكتمْ حريم الشيخ لا زلتموا نهبالمن أمكم شرقا ومن أمكم غربا
واستجيب دعاؤه، فإنا أدركنا هم لا يخرجون من فتنة، إلا دخلوا في أخرى. وهذا مشكل، لان الحرم المكي لا يعيذ عاصيا. ولا فارا بخربة. ونشأ صاحب الترجمة يتيما، وكان مقلا، فبعثته أمه وهو صغير، إلى أحد العلماء ليتعلم عليه، فبدأ بقراءة الآجرومية. ثم إن الشيخ ما اكترث به، وصار يجيء إليه ليفسر له درسه، فيشتغل عنه بالتفسير لغيره، فضاق صدره وبكى كثيرا. ثم فتح الله عليه دفعة واحدة، ورجع إلى أهله، وشاع خبره، وانثالت إليه الناس، وأقيلت عليه الدنيا، وكان كريما صالحا يتبرك به. ومن شعره:
أنا الفقيرُ وفقر المرء ذا ضرعبالله صدق إلى مولاه محض غنى
ومن رأى أنه بالمال حاز غنىقد كان في زعمه ما حاز غير عنى
وكان مولعا بالعربية خصوصا، ويحرض الناس عليها، وله في ذلك:
تعلمَ اللغة شرعا فِضّلٍعلى التخلي لعبَادة الجليل
يؤخذ ذا من قوله وعَلّماآدمَ الأسماَء الزم التعلُّما
يعنى النوافل، وله أيضا في التحريض على طلب العلم، وحضور مجالسه:
عليكَ بالتعليم والتعلمذا رغبة في أجره المعظم
ولا يَزْعك عن حضور العلموأهله أن لم تكن ذا فهم
فإن في الجلوس عند العالمسبعَ كراماتٍ لغير الفاهمِ
تحصيل فضل المتعلميناَوحبسهُ عن الذنوب حينا
معَ نزول رحمة الله علَيْهعند خروجه بنية الَيْهْ
وأنه له نصيب يحصلمما من الرحمة ثمَّ ينزل
وإنه ما دام منه سامعافإنه ممن يعد طائعا
وضيق قلبه من الحرمانوسيلة لرحمة الرحمنِ
وأن يرى العالم قد أُجلاًفي الناس والفاسق قد أُذِلاَ
فطبعهُ ثمَّ إلى العلم يميلْعسى عليه الله يفتح الجليل
لذا النبي بحضور العلماأمرنا فلازم التعلما
صلى عليه الله كل حسينوالآل والصحب مقيمِي الدين
عزاه للتحفة في نور البصرْعن السمرقدِ الهلاليّ الأبرْ
ومن نظمه:
من طلب العلم يبارى السفهابعلمه أو ليمارى الفقها
أو لينال العز عند الناسباء بنار وهوذ وإفلاس
وكل أبناء هذا الشيخ فضلاء ملحوظون بعين الإجلال، وعبد الرحمن ابنه مجيد.
وما رويت له إلا بيتين تقدما، ومات صاحب الترجمة في عجز القرن الثالث عشر، وقد عمر
النص من طبعة الشركة الدولية للطباعة بمصر (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع