من «أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن» لإسماعيل ابن الأحمر (ت ٨٠٧هـ)
حاله-رحمه [الله]
-
وصفته في كتابنا (فريد العصر من شعر بني نصر) ما نصه:
«هو الملك الذي قدح زند الفضائل فأورى. وأعاد على الملة المحمدية عهد الشباب وقد أصبح ماؤه غورا؛ والبهمة الذي تحدث الركبان بشجاعته نجدا وغورا؛ الأريحي الذي جاد بجراه رياض الآمال فراق نضرة ونورا. المتألق عطر ذكره تألق الصبح، والذي كان له في تجارة الجهاد أوفر ربح. فإن ذكر الكرم فهو ابن بجدته، وإن وصف الإقدام فهو عين نجدته:
حدّث به عن حاتم يوم النّدىواسمع بزيد الخيل يوم المغنم
ولا مرية في أنه بحر الجود المتلاطم الأمواج. ومنتهى الآمال حين تضيق بالمعتفين المسالك والفجاج. جادت من سماء جوده على العلماء كل هاطلة ثره؛ وجرت أنهار عطائه لهم لأنهر المجره. أنسى-حقا-ما يؤثر عن الطائي، ووسع -صدقا-بإشاره القريب والنائي. فعادت أخباره أحلى من الأناشيد، وأملك للقلوب من الأغاريد، ومنادمته الفراقيد، وأعذب من ماء العناقيد.
وحين خطبته الخلافة ليكون لها بعلا، لما تخيرته كفؤا وأهلا، زهد في زهرة الدنيا وخاف النار؛ وتسربل حلل السكينة والوقار. وأمر بإراقة الخمور، وقطع الملاهي؛ فكان وجه الإمارة يشرق به ويباهي. لما أظهر من الحلم والعفاف، وغمر المعتفين في إمارته من الإسعاد والإسعاف. مخالفا لشهوات قلبه؛ في مرضاة ربه. لا يثني العنان لريبة، ولا يأسف-في غير الدين-على مصيبة. عفيف الفرج والبطن عما يشينها من الحرام، متبرئا من كل موبقة تجلب له الآثام. مضى في إحياء الشريعة على سبيل الخلفاء الراشدين، وأربى في الشجاعة على من عاصره أو تقدمه من المتقدمين؛ فكانت النصارى تفرق من خوفه، وترى أن الحتف ملك لكفه.
فحليت تأليفي هذا بما انتهى إليّ من مآثره المألوفة، ومكارمه الجمة الجميلة الموصوفة؛ لكونه زهد حين أقبلت عليه دنياه، ولم يستفزه هواه. وكان يقتدي بالسلف الصلح في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولبس ثياب الصوف. ولولا قصدي الإيجاز والاختصار لألفت في آثاره ومآثره أسفار.
فتىّ جمعت فيه الفضائل كلّهاولا بدّ من نقص فكان من العمر!
فمن قوله-وكتب به مجاوبا-.
قل للتي نبّأتك هذاقد صح هذا ب «صح هذا»
فلا تبالي صدود قوميروم في صدّك التذاذا
وسلّم الأمر والمقاضيلخير قاض قضى بهذا
وعلى هذا الأبيات حكاية. وذلك أن كاتبه الفقيه أبا القاسم محمد ابن قطبة الدوسي طلب منه أن يقلده رياسة كتابه، وخطة العلامة.
وكانت علامة كتبه، وكتب آبائه الملوك بني الأحمر من بني نصر: (صح هذا) تكتب بقلم غليظ القطة. فكتب له ابن قطبة هذا، في ذلك، بقوله:
تقول ليلى-وقد رأتنيكسيف بال-: فديت، ماذا؟
فقلت مهلا، فعن قريبيصحّ هذا ب «صحّ هذا»!
فجاوبه ابن عمنا السلطان الغالب بالله، المتوكل على الله، أبو عبد الله المذكور بأبياته المتقدمة.
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٣٩٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع