من «أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن» لإسماعيل ابن الأحمر (ت ٨٠٧هـ)
حاله-نسأ الله في أجله
-
هو معيد البلاغة ومبديها، وعالم الأندلس ومفتيها، ومظهر مشكلات العلوم ومجليها. وشيخها وفتاها، وحامل لواها، وفارس البراعة والمتلفع برداها. قد تحلى بالسكينة والتقوى، والتزم الطاعة في السر والنّجوى. إن حضر مع الفقهاء مجلسا، واحتل للأدباء مكنسا؛ فله يتبعون، وعلى قوله يعولون. وهو المصيب في كلامه ونظمه، بثقوب ذهنه واتساع علمه. مع باع مديد في النحو واللغة الغريبة، وحفظ للآداب والتواريخ العجيبة، ومعرفة شديدة، بالأصول والفروع والحديث، مصيبة. ونبل فائق في العروض والمنطق والبيان، وعلم الكلام والقراءات وتفسير القرآن. وهو (يرى)؟ في كل لهذه العلوم قاريا، ولتدريسها ملازما، وعلى نهج تبيانها جاريا. وينظم القصائد النفائس، فتأتي كالقلائد في أجياد العرائس.
ولعمري ما تكلم مع أحد من الناس، في توجيه مسألة فقهية أو قياس؛ إلا كان له عليه الظهور، شهد له بذلك الخاصة والجمهور.
أنشدني لنفسه يمدح رسول الله ﷺ:
إذا البرق ثار أثار ادّكارالقلبي فأذكى عليه أوارا
تروم جفوني لنار الهوىخمودا فتهمي دموعي غزارا
فماء جفوني يسحّ انهمالاونار فؤادي تهيج استعارا
أطيل العويل صباح مساءكئيبا ولست أطيق اصطبارا
رقيت مراقي للحبّ شتىفأفنى مرارا وأحيى مرارا
أحنّ اشتياقا لريح مرتوأبدي هياما لبرق آنارا
حنينا وشوقا إلى معلمحوى شرفا خالدا لا يجارى
به أسكن الله أسمى الورىنبيّا كريما، وصحبا خيارا
هو المصطفى المنتقى المجتبىأرى معجزات وآيا كبارا
يحقّ علينا ركوب البحاروجوب القفار إليه ابتدارا
وأمّ ذراه فمن يعطهكفاه اعتلاء، أجل، وافتخارا
فيا فوز من فاز في طيبةبلثم المغاني جدارا جدارا
وألصق خدّا على تربهاوأكمل حجّا بها واعتمارا
وأهدى السّلام لخير الأنامعلى حين وافى عليه فزارا
لأنت الوسيلة والمرتجىليوم يرى الناس فيه سكارى
وما هم سكارى ولكنّهمدهتهم دواه فهاموا حيارى
ترى المرء للهول من أمّهومن أقربيه يطيل الفرارا
وكل يخاف على نفسهفيكسوه خوف الإله انكسارا
فصلّى الإله-رسول الهدى-عليك، وأبقى هداك منارا
وقدّس ربي ثرى روضةيعمّ الجهات سناها انتشارا
أعير شذى المسك منها الثّرىبل المسك منها شذاه استعارا
هنيئا لمن بهداك اهتدىومغناك وافى وإيّاك زارا
قال إسماعيل بن الأحمر، مؤلف هذا الكتاب: أخبرني شيخنا أبو سعيد هذا، أنه عارض بقصيدته هذه قصيدة الفقيه الإمام القاضي الرئيس شهاب الدين أبي الثناء محمود بن سليمان بن فهد الحلبي (*) صاحب «ديوان الإنشاء بالشام» التي هي:
وصلنا السّرى وهجرنا الدّياراوجئناك نطوي إليك القفارا
وهذه القصيدة نظمها الرئيس أبو الثناء بالحجاز الشّريف في طريق
المدينة شرفها الله-وعلى ساكنها السلام. وقد شرحتها، وشرحي لها أذكره هنا معها.
وحدّثني بالقصيدة شيخاي الفقيهان الإمامان العالمان المحصلان المفتيان القاضيان الخطيبان: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الملك الفشتالي قاضي الجماعة بفاس، والشريف أبو الحسن محمد بن عبد الرحمن الحسني المعروف بالمومناني الفاسي عن الفقيه الإمام المحدث الرواية المسند الحافظ الحاج الرحّال محبّ الدين أبي عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن محمد بن رشيد الفهري السّبتي، نزيل فاس. قال أنشدني لنفسه الفقيه الإمام العام العلامة الرئيس القاضي شهاب الدين أبو الثناء محمود ابن سليمان بن فهد الحلبي في سنة تسع وثمانين وست مئة بطريق المدينة:
وصلنا السّرى وهجرنا الدّياراوجئناك نطوي إليك القفارا
أتيناك نحدو البكا والرّكابونبعث إثر القطار القطارا
إذا أخذت هذه في الرّباصعودا أبى ذاك إلا انحدارا
وإن فاض ماء لفرط الحنينورجّع حادي السّرى عاد نارا
كأني به وهو يجري دماوقوفا على الخيف نرمي الجمارا
قال إسماعيل بن الأحمر مؤلف هذا الكتاب-لطف الله به-:
قوله «أتيناك نحدو» إلى آخره. الحادي هو السائق من خلف العيس منشدا لتقوى على السير. والهادي: السائق من أمام. والبكا يمد ويقصر بمعنى. وقيل البكاء (ممدود)، هو العويل والصياح.
[والبكا] (مقصور) البكاء بالدمع من غير عويل. والركاب: الإبل تحمل القوم، ويقال لراكبيها وراكبي سائر الدواب: الرّكب، على وزن الضرب، والأركوب، بضم الهمزة، والركبان. ويقال في جمع راكب السفينة ركّاب بضم الراء، وإضعاف الكاف. والقطار الأول جمع قطر (مفتوح القاف، ساكن الطاء المهملة): الاسم لما يقطر من الماء. يقال قطر الماء (بالفتح) قطرا -بسكون الطاء-وقطرانا. والاسم القطر، والجمع القطار. والقطار الثاني تقطير الإبل على نسق حتى تكون كالسطر.
وقوله: «إذا أخذت هذه في الرّبا» إلى آخره. جمع ربوة، بضم الراء وهي الأكمة. والأجمة التل. ويقال: الرابية، والربوة، بكسر الراء.
والرّباوة على وزن الهراوة. و «الصّعود» بضم الصاد والعين المهملتين الارتقاء يقال: صعد، بكسر العين صعودا. أو أصعد-أيضا-على وزن أكرم، إذا ارتقى مشرفا، أي موضعا يشرف عليه. والصّعود-بفتح الصاد-
الطريق إليه. والجمع أصعدة. وقيل، يقال: صعد في الجبل، وأصعد في الأرض لا غير. والانحدار: الهبوط من علو إلى سفل.
يقول: إذا طلعت بهذه الإبل ربوة بعد ربوة زادت الدموع جريانا وهبوطا. يصف بذلك وبالبيتين بعده: الدمع.
أتيناك سعيا ننادي البداراإلى سيّد المرسلين البدارا
إلى أشرف الخلق في محتدوحام جوارا، وأعلى نجارا
إلى من به الله أسرى إليهوما زاغ ناظره حين زارا
ولمّا نزعنا شعار الرّقادلبسنا الدّجى وادرّعنا النّهارا
نميل من الشوق فوق الرّحالكأنا سكارى ولسنا سكارى!
نجافي عن الطّيف أجفاننافلا نطعم النّوم إلا غرارا
ونسري مع الشّوق أنّى سرىونتبع حادي السّرى حيث سارا
ونسأل والدار تدنو بناعن القرب في كل يوم مزارا
وما ذاك أنا سمعنا السّرىولكن دنونا فزدنا انتظارا
إذا البرق عارضنا موهناحسبنا سنى طيبة قد أنارا
فنفري بأذرع تلك النّياقأديم الفلا غدوة وابتكارا
ونرمي بهنّ صدور الفجاجكأنّا نشنّ عليها مغارا
قوله «موهنا» يريد ساعة مضت من الليل. يقال لذاك الوقت وهن؛
بسكون الهاء، وموهن؛ و «نفري»: نقطع. و «أذرع» جمع ذراع.
و «النّياق» جمع ناقة. و «أديم الفلا»: وجهها، أراد ظاهرها.
و «الغدوة»: بضم الغين المعجمة، معروفة. وبفتحها المرّة الواحدة من الفعل في ذلك الوقت. و «الابتكار» المضي بكرة، وكذلك البكور.
و «الإبكار» على وزن الإكرام اسم للبكرة. والفجاج: الطّرق الواسعة في أقبال الجبال واحدها فجّ، بفتح الفاء وإضعاف الجيم. والأقبال: جمع قبل، وقبلك، على ما لم يسم فاعله، أي استقبل وجهك. «نشنّ» أي نبثّ خيلا. يقال شن وأشن. والمغار: اسم المصدر من أغار؛ هذا بفتح الميم، والاسم الغارة؛ وهو إتيان القوم للقتال.
إذا رقصت في الفلاة المطيّجعلنا الدّموع عليها نثارا
تساند أرجلها في السّرىلديها وتشكو اليمين اليسارا
ونجمع بين السّرى والمسيرونجفو الكرى ونعاف القرارا
وكيف القرار إلى أن نراكوتدني المطيّ إليك المزارا
ومن كان يأمّل منك الدّنوّأيملك دون اللّقاء اصطبارا؟!
ترى تنظر العين هذا البشيريريني على البعد تلك الدّيارا
لأعطيه روحي سرورا بهاوأوطيه طرفي وخدّي اعتذارا
وأمسح عن أرجل اليعملاتبأجفان عينيّ ذاك الغبارا
وأهدي-على القرب-منّي السّلامحسبي بها رتبة وافتخارا
وأكتب شوقي بماء الدّموعبسيطا إذا اللّفظ كان اختصارا
وأفدي بما طال من مدّتيبطيبة تلك اللّيالي القصارا
ترى هل أناجي هناك الرّسولجهارا كما أرتجي أو سرارا؟
وأعلم أنّي على بابهوقفت وقبّلت ذاك الجدارا
وماذا أقول وكلّ الورىنشاوى هنالك مثلي حيارى
وأنشد يا شافع المذنبينأجر من بباب حماك استجارا
أجرني فقد جئت أشكو الذّنوبإليك وأنت تقيل العثارا
فكن شافعي يوم لا شافعسواك يفكّ العناة الأسارى
فمالي سوى حقّ هذا الجوارلديك ومثلك يرعى الجوارا
وإني قطعت إليك القفارفقيرا أقلّ ذنوبا كبارا
وفي قطعها لك فضل عليّولو خضت دون اللّقاء البحارا
ولو أستطيع قطعت الزّمان-وأنت المنى-حجّة واعتمارا
وما كنت أظعن إلا إليكإذا ما ملكت لروحي اختيارا
قوله: «اليعملات» هي الإبل التي تعمل حملا وركوبا وغير ذلك.
و «العناة» جمع عان، وهو الأسير. و «الظّاعن»: الشّاخص. يقال ظعن يظعن ظعنا، بفتح العين فيها، وظعونا على وزن خروج، إذا شخص. وشخص هنا صار من مكان إلى مكان، شخوصا.
حمىّ حلّ فيه نبيّ الهدىفأضحى به أشرف الأرض دارا
فيا فوز من كلّ عام أتاهويا فوت من غاب عنه خسارا
شممنا الشّذى من مبادي الحجازفخلنا العبير أعار العرارا
فواها لها نفحة أذكرتهواي وأذكت بقلبي الشّرارا
إذا خطرت في الرّبا سحرةوجرّت ذيولا على الغار غارا
«الغار» هنا نبت طيب الريح. وغار: الماضي من «الغيرة». تقول غار الرّجل يغار غيرة وغارا فهو غيران. وامرأة غيور وغيرى، والجمع الغير على مثال السّرر، والغيارى على مثال الحيارى.
يمانية زانها أنّهابطيبة مرّت وجرت إزارا
على من سرت من حماه السّلاموحيّى الحيا ذلك الرّبع دارا
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٣٩٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع