من «أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن» لإسماعيل ابن الأحمر (ت ٨٠٧هـ)
حاله-سلمه الله (٢)
-
أسد ميدان الطلب، وربّ الفصاحة والأدب. وفارس البيان واليراعة، ورب الكتابة والبراعة. إلى خط يستوقف من حسنه الأبصار، وقريض يقرض شعراء الأعصار. وإنشاء نشأت منه الإجادة في الأمصار. وشعراء الأندلس يقدمونه على أنفسهم، ومع ذلك يلتزم التواضع لأدناهم وأنفسهم.
فمن قوله يتغزل:
أكلّ شاك بداء الحبّ مضناكماذا جنته على العشّاق عيناك
قد كان لي عن سبيل الحبّ منصرفحتى دعوت له قلبي فلبّاك
أيقظته لأساة ثم نمت وماباليت، إياك شكوى الصّب إيّاك!
أحيي ذماي وما أتلفت من رمقإن قلت عطفاك قالا بل دلالاك
كأنّني لست أدري من أراق دميوالله ما بفؤادي غير مرماك
أستغفر الله لا أبغيك مظلمةفأنت منّي في حلّ ومن ذاك
كل عليّ له جند مجنّدةيكفيك يا هند أنّي بعض قتلاك!
كيف الخلاص لمثلي من هواك وقدرمى بي الوجد في أشراك أسراك
أعدت جفونك قلبي حيرة وضنىفهل دليل لقلب حائر شاك؟
قد كنت أطمع أن تصحو صبابتهلو قد صحت من حميّا التيّه عطفاك
زجرت فيك رسول الطّرف عن نظرفهل على القلب عتب إن تمنّاك؟!
يا طلعة الحسن تزهو في ملابسهرحماك في أنفس العشّاق! رحماك!
تيهي على الشمس واسبي البدر مطلعهفإنما روضة الدّنيا محيّاك
أقول والرّوض يجلى في زخارفهمن علّم الرّوض يحكي حسن مغناك؟
في فيك راح وفي عطفيك هزّتهافهل تثنّيك سكرا من ثناياك؟
أليس من أعظم الأشياء موجدةأن تضحكي بي وطرفي دائم باك
وأقطع العمر مالي في سواك هوىوليس لي منك يوما حظّ مسواك!
أومي بفيّ لتقبيل الصّبا ولهاأقول شوقا عساها قبّلت فاك!
وأملأ الصّدر من أنفاسها كلفابما أشمّ بها من طيب ريّاك
هل بالأثيل وبان الجزع تسليةوما الأثيل وبان الجزع لولاك؟
إني لأهواه والثاوي بحلّتهولست أهوى على التّحقيق إلاك!
أحبّ نجدا إلى جرّاء ساكنهوما محبّته إلا بجرّاك
يا من نأت وبأحناء الضّلوع ثوتتراك تنسين صبا ليس ينساك؟
أما وسرّ جمال أنت رونقهلو صوّر الحسن شخصا ما تعدّاك!
حيّي على البعد تحيي نفس ذي كمدما إن تهبّ صبا إلا وحيّاك!
وكتب إليه صاحبنا الفقيه العالم الكاتب أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم محمد بن جزي الكلبي الأندلسي قصيدة حذف منها الراء المهملة للثغ يعتري لسانه؛ يجعل مكان الراء غينا معجمة وهي:
وعد الوفاء وليته ما نجزاطيف ألمّ بمقلتي مستوفزا
ماذا يفيد الطّيف إذ ينتابنيوالنّوم قد أعيى الجفون وأعجزا
يا قاتل الله الزّمان فإنّهما زال في عنوانه متجوّزا
وإذا تغافل عنك حينا خطبهفمكيدة حتى يصادف منهزا!
لله أيام خوال لم أكنفيهنّ إلا للهوى متحيّزا
أتتبّع اللذات حيث وجدتهاوأميل نحو الأنس حيث تحّوزا
وأظلّ حيث اللهو يبسط ظلّهحتّى عزاني للبطالة من عزا
والعيش غض والحبيب مساعدبالوصل عفوا قبل أن يستنجزا
إنّ الشباب، إذا سموت للذّةوجعلته مفتاحه لن تعجزا!
ومعلّل قلبي بخلّب لفظهوعد الجميل ووعده لن ينجزا
قد كنت أحمل صدّه وجفاءهحتّى أعينا بالبعاد وعزّزا
ها إنّني من بعده لا ميّتأبكى، ولا حيّ، فهلاّ أجهزا؟
يا عيشة ألوى بجدّتها النّوىكانت كما أنشأت لفظا موجزا
ومحا محاسنها البعاد فقد سلاعنها فؤادي بالتعلّل واجتزا
خدع الزّمان بها وكنت أظنّنيخادعته فأبان عمّا ألغزا
من مبلغ عنّي ابن خاتمة الذيختمت به البلغاء فذّا معجزا
إن البلاغة قد ملكت زمامهاوفتحت مقفلها الذي قد أعوزا
جلّيت في ميدانها وفضحت منكان انتمى قدما إليها واعتزى
ولك البيان سحبت من أذيالهفي حالتيه مطنبا أو موجزا
قاد القوافي طائعات فهو لايخشى عقائل نظمها أن تنشزا
خذّها أبا العبّاس من ذي خلّةلك قد غدا بخلوصها متميّزا
حسناء كالذّهب المصفّى خلّصتلتخطّ في صحف القلوب وتكنزا
حاشيت أخت الزّاي منها عامداحتّى لكدت إخال ذلك معوزا
وافتك مبلغة سلامي بعد ماطال البعاد فأولها حسن الجزا!
فجاوبه بقصيدة هجر فيها الراء المهملة، وبرسالة مثلها زائية، معجمة، وهي:
مزج البلاغة بالجزالة موجزاوأتى به في الحسن بدعا معجزا
ينساب بين حلاوة وطلاوةجمع البديع به البديع فأوجزا
وافى يجاذبني الحديث وإنّماوافى يجشّم بذل نيل معوزا
هلا وملعب خيلي الآداب إذأسمو لها من قبل أن تتنجّزا
تهفو بعطفي نحوها خلق الصّباميلا لحيّز حسنها وتحيّزا
أمّا وقد جذبت عنان عنايتيأيدي الحقائق فانتبذت تجوّزا
همّي تلقّي علم او إلقاؤهممّا يؤمّل نفعه يوم الجزا
وعقائل الآداب ما لم تصطنعبعد التّثني أو شكت أن تنشزا
وعزيزة الأبيات أودع نظمهامن واضح الآيات ما قد أعجزا
لو واصل بن عطاء أعطي وصلهالم يعتزل عن حسنها، ولها اعتزى!
ولأصبحت فيما أتاه أسوةيعتادها من جدّ قولا أو هزا
حيّى بها (كالابن) بل أحيى بهاماضي البديهة مسهبا أو موجزا
قسما بما خطّت غوالي نقسهفي وجه صفحتها الذّي لا يوتزى
ما جنّة بالحزن دبّج وشيهاوكّاف مزن لم يبت مستوفزا
قد عمّها وجه الزّمان محاسناتستوقف الأحداق أن تتجوّزا
لغناء ساجعها افتتان مساجليثني عليها مفصحا أو ملغزا
سحب النّسيم بها فضول ذيولهفتضوّعت طيبا ولانت مغمزا
بأتمّ أنفاسا وأعذب نغمةمنه، لدى سمع، وآنق حيّزا
إيه مهيّجة الجوى بجوانحيشوقا لمن بحلى علاه تميّزا
بحياة ودّي في امتداد حياتهووفاء عهد صنته أن يغمزا
قولي وزيدي وابسطي لي حالهلا توجزي، ما حقّه أن يوجزا
وصفي ففي أوصافه ما يجتلىصدعا بها فبوحيها لا يجتزا
لمحمد بن جزيّ آية سوددقد ظلّ في العليا بها متميّزا
ندب إذا ما المجد نيل بمهنةلم يأل أن يحظى به متعزّزا
أضحى ذكاء بني جزيّ (غدواشهب العلاء بكلّ أفق حيّزا
وعد الزمان به اعتدال محاسنوالآن آن لوعده أن ينجزا
وإليكها منّي تعلة معوزفلقد سموت إليه سهلا معوزا
جانبت ما جانبت فيه تشيّعافمن انتبذت فنبذه عندي الجزا
يا أخي، الذي سما وده أن يجازى، وسيّدي، الذي علا مجده من أن يوازى. وصل الله تعالى لك أسباب الاعتلاء والاعتزاز. و «كاف» مالك من الاختصاص بالفضائل والامتياز. أما إنه لو وسع التخلّف عن جواب أخ أعزّ، ولم يجب التّكّلّف على توسّد العجز، لغطّيت عجزي عن عين تعجيزك؛ ولما تعاطيت المثول في زيّ مناهزك أو مجيزك. لكنّه في حكم الودّ المكنون المكنوز؛ ممّا لا يحلّ ولا يجوز. فلكم الفضل في الإغضاء عن عاجز، دعاه حكم التّكلّف إلى القيام مقام مناجز. وإن لم يكن ذلك عند الإنصاف، وحميد الأوصاف من الطّائع الجائز. فعن جهد ما بلغ وليّك إلى هذه الأجواز، ولم يحصل من الحقيقة إلا على المجاز. أما ما ذهبتم إليه من تخميسي القصيدة التي
أعجزت، وبلغت من البلاغة الغاية التي عزّت مناهضتها، وأعوزت، فلم أكن لأستهدف ثانيا لمضاضة الإعجاز، وأسجل على نفسي بالإفلاس والإعواز!
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٣٩٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع