تجاوز إلى المحتوى

من «أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن» لإسماعيل ابن الأحمر (ت ٨٠٧هـ)

حاله-﵀ (١٣)

-:

تحلى بعلوم بارعة، ومحاسن لأشتات الفوائد جامعة، وهو سراج الأدب المتوقد الضياء، والمستولي على أمد المكارم والحياء. وشعره مهما فري يستلم، أرق وأجزل من شعر الرّضي بذي سلم. مع النثر البديع، الذي فاق به البديع، الذي نجم في الأندلس فسما بأدبه، وطلب العلوم فحازها بطلبه. وارتحل عن الأندلس للطلب، فاحتل من الشام بحلب. فدرس العلوم بها، ونجح مطلوبه بسببها.

فمن قوله يمدح ابن عم أبينا أمير المسلمين أبا الحجاج:

عليّ لكل مكرمة ذمامولي بمدارك المجد اهتمام
وأحسن ما لديّ لقاء حروصحبة معشر بالمجد هاموا
وإني حين أنسب من أناسعلى قنن النجوم لهم مقام
يميل بهم إلى المجد ارتياحكما مالت بشاربها المدام
هم لبسوا أديم اللّيل برداليسفر عن مرادهم الظّلام
هم جعلوا متون العيس أرضافمذ عزموا الرّحيل فقد أقاموا
فمن كلّ البلاد لنا ارتحالوفي كلّ البلاد لنا مقام
وحول موارد العلياء منهالنا مع كلّ ذي شرف زحام
تصيب سهامنا غرض المعاليإذا ضلّت عن الغرض السّهام
وليس لنا من المجد اقتناعولو أنّ النجّوم لنا خيام
أنزّه عرضنا عن كل لؤمفليس يشين سؤددنا ملام
ونبذل، لا نقول: العام ماذاسواء كل خصب أو حطام
وإن حضر الكلام ففي يديناملاك أمورهم ولنا الكلام
وفينا المستشار بكلّ علمومنّا اللّيث والبطل الهمام
فميدان الكلام لنا مداهوميدان الحروب بنا يقام
كلا الأمرين ليس له بقومسوانا [عند] نازلة تمام
نريق دم المداد بكلّ طرسوليس سوى اليراع لنا سهام
ونكتب في المثقّفة العواليبحيث الطّرس لبّات وهام!
إذا عبست وجوه الدّهر منّاإليها فانثنت ولها ابتسام
ومهما اعوجّت الأيّام كنّالها في كلّ معضلة قوام
وجرّ لباسها لأمات حربلهنّ بمحكم السّرد اتسّام
نجرّدها وحدّ السّيف كاسونلبسها إذا عري الحسام
ونبسم والوجوه لها انقباضوننهض والسّيوف لها انثلام
ولولا صبرنا في كل حربلكان لجانب الدّين اهتضام
نحارب دونه الأعداء حتّىتذلّ لعزّه النّوب العظام
لقد علمت ملوك الرّوم أنّاأناس ليس يعوزنا مرام
وليس يضرّنا أنّا قليللعمر أبيك ما كثر الكرام!
إذا ما الرّاية الحمراء هزّتفثمّ هناك للحرب ازدحام
وما احمرّت سدّى بل من دماءلهنّ على جوانبها انسجام
نظلّل من بني نصر ملوكاحلال النوم عندهم حرام
فكم قطعوا الدّجا في وصل مجدوكم سهروا إذا ما النّاس ناموا
إذا بان العجاج بيوم حربفما يدرى الوراء ولا الأمام
هدتهم نحو قصدهم وجوهلها من رائق البشر ابتسام
كتائب لا يفلّ لها اعتزاموليس يعيب مقدمها انهزام
إذا ركبوا متون الخيل قالتعداتهم: على العمر السّلام!
رأوا أنّ العلا سيف وسيبفما لهم بغيرهما اهتمام
يعدّون السيوف فنون زهرومن أغمادهنّ لها كمام!
فما غير الدّماء لهم مدامولا غير الرّماح لهم مرام
وليس نجومهم إلا العواليوليس سماؤهم إلا القتام
وآكد ما عليهم بذل نعمىومنهم تعرف النّعم الجسام
وما افتتحوا بغير النّصل أمراولا بسواه عندهم اختتام
فما لجميل شكرهم انتهاءولا لجزيل جودهم انصرام
بنوا في المجد ما لم يبن قدمافما لمشيد مجدهم انهدام
يعوّض منهم ماض بآتله بحياة مجدهم اهتمام
أقام لهم أبو الحجّاج ذكراكأنّهم من الأجداث قاموا
تأمّل كل مكرمة لديهففيه لنا نظام والتئام
فتى فضل الملوك بكل وجهووافق خلقه خلق كرام
فبين الخلق والأخلاق منهجمال الرّوض باكره الغمام
تراه-مع الشباب-أعفّ شخصعلى كشحيه قد عقد الحزام
نقيّ عرضه عن كلّ شينسليم فعله عما يذام
لقد نهضت جياد علاه حتّىغدا ولها على الأفق الزّحام
فموردها المجرّة لا بصدّىومرعاها الكواكب لا الإكام
ومن بين البروج لها مجالوفي أيدي الرّياح لها زمام
بحقّك هل تقصّر من مرادجياد قادها ذاك اللّجام؟
وما تركت مدى في المجد إلاعليه لها استباق واقتحام
فمن نسج النّجيع لها جلالومن حبك السّماء لها حزام
هو البحر الذي لولا نداهلكان لكل ذي أمل أوام
فما لي ليس أنفق فيه شعريولولاه لما نفق الكلام!
تحوم على محاسنه المعانينعم وعلى محاسنه يحام
وتزدحم القوافي في حماهوحول العذب قد كثر الزّحام
فمن لا يعدّ المال إلالحمد يقتنى وعلا يسام
جعلنا الحمد مبدأ كلّ مجدلعلمك أنّ ذاك له تمام

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٣٩٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.