تجاوز إلى المحتوى

من «أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن» لإسماعيل ابن الأحمر (ت ٨٠٧هـ)

حاله-﵀ (١٤)

-:

طلع في سماء الأدب كوكبا وقادا. وقام في روض البراعة غصنا ميادا. وزها في النّحو على سيبويه، وفي اللغة على نفطويه. وفي الإنشاء على ابن العميد، كما أربى في البلاغة على عبد الحميد. وله مشاركة في المسائل الفقهية، وأبرع ما كان في الطريقة الأدبية.

وكان صاحب همّة سنيّة. ومن علوّ همّته، وجلالة رتبته أن أمير المسلمين أبا الحسن ملك المغرب الحسن، طلب منه أن يكتب في حضرته، ويكون من جملة خدّام دولته، فتأبى منه وانحرف عنه، وأنف من ذلك، ولم يرض أن يكون أحد له مالك! وقال له: أيّد الله مولانا الخليفة، وأدام أيامه المنيفة! أقلني من هذا، وكن منه ملاذا. فقال الملك ولم، وقد عمتك النّعمى؟ قال: لا أرضى أن يرأسني عبد المهيمن الحضرمي! فتعجب منه السلطان، وأجزل عليه بذلك الإحسان! فانظر همة هذا الفقيه ما أعلاها، ونفسه النفيسة ما أزكاها!

فمن قوله-﵀-ما كتب به من أرض الحبشة للأندلس، إلى صديقه الفقيه الكاتب القاضي أبي القاسم بن أبي العافية.

لمن الرّكائب خضن رمل زرودوسرين بين تهائم ونجود
وجرين في بحر السّراب سفائناألبسن قارا للّيالي السّود
ورأين وطء الأرض منقصة الهوىفوطئن فوق محاجر وخدود!
هنّ المطايا عوّضت من طائهايوم النّوى نونا لكل عميد
وهفت بهيف عاقروا تحت الدّجاخمرين من أين ومن تسهيد
تركوك تستقري المنازل بعدهموسروا بشلو فؤادك المفؤود
فبكلّ واد أنت رائد مربعوبكلّ ناد أنت ناشد غيد
سيرا فدون مناك قطع مهامهقطع النّياط بها نياط القود
طربي إذا جنّ الظلام لأنّهفي ظهر عود لا لرنّة عود!
كم من طلاح فوقها أمثالهالم تكتحل أجفانهم بهجود
كالسّمر هزت في أكفّ فوارسوالبيض سلّت من بطون غمود
أنضاهم طول السّرى فتخالهمأوهام فكر في صدور البيد!
ساجلتهم تحت الدّجى بشملّةفطرت على التّأويب والتّسهيد
أهدت إلى سلع تحيّة حاجروحثث على نجد تراب زرود
وكأنّما آثارها فوق الثّرىوطآت منشعب الجراح طريد
ولكم قصيّ الحوض منهدّ الجبالا يهتدي فيه القطا لورود
إن ضلّ وارده هداه صوبهرمم الضّراغم دونه والسّيد
وكأنّما ريش النّواهض حولهمسنونة بريت قصار العود
وافيته والذيب يوجس خيفةفيه، ويرعد رعدة المرؤود
فرويت منه-ولم أكد-حتّى ارتوىمسراي من نيي، ونيّ قعودي
ولكم رحيب الصدر ملموم القرىكلح النّواجذ مشرئبّ الجيد
مهما أحسّ ببنأة أصغى لهاأذني سميع والتفات رصيد
كفّاه كفّته ليوم قنيصهوذراعه حبل لكلّ مصيد
ما بات منه قضاقض إلا علىأشلاء لحم أو دم معقود
آوي إلي أجماته مستسلماوأهاب مأوى شامت وحسود!
أخشى المقيل بظلّه مستوفزاوأظلّ بين أساود وأسود
يا راكبا إمّا أنخت مقيّلافي ظلّ ضال بالعقيق نضيد
ورتعت من روض الجلال بباسقغضّ الأزاهر يانع الأملود
قل للّذي عاطيته ممحوضةمن خالصي ودّي وحسن عهودي
أعلى الغنى أوجفت لا كان الغنىسبق القضاء برزقي الموعود
بل طرت ملء قوادمي نحو العلاطير القطاة تخاف فوت ورود!
فطلعت من أثناء كلّ ثنيّةوتركت مطلع أفقي المعهود
هذا، وما نجديّة قد عارضتضال العقيق وطلحه المخضود
ولهاء تعترض الصّبا كلفا بماجرّت عليه من ملا وبرود
إن مسّها وخز الهجير تذكّرتماء الحجاز وظلّه الممدود
أو عارضت شوقي ودمعي ساءلتعن برقه وسحابه المورود
بأشد من شوقي لنبع ركيّةعلّت سراة بني أبي وجدودي
قوم تناوبت النّوائب شملهمفنثرن سلك نظامه المعقود
صدعت لفقدهم الخطوب زجاجتيولحت لبعدهم اللّيالي عودي
وأضلّ صبري طرقه، وهدى الأسىدمعي لمسلك خدّي المخدود
قد كنت أرتع من نداهم في حمىروض وأكرع في حياض برود
فإذا وردت وردت غير مزاحموإذا صدرت صدرت غير مذود
ولربّ سافرة النّقاب تبسّمتعن لؤلؤ من ثغرها منضود
نظمت من السّحر الحلال مكلّلافضح القلائد في نحور الغيد
وتبسّمت عن روضة قد أقطفتبيض الأماني من سطور سود!
وأرتك من أنقاسها وحروفهاشهبا تجلّت في بروج سعود
وأتت محاسنها بكل غريبةأغنت مقلّدها عن التّقليد
وقف ابن حجر دونها وتخبّطتفي نسج حلّتها أكفّ لبيد
يا بنت من حلّت سوابق فضلهوشأت بهم همم العلا والجود
أمّا حديثك فهو درّ كلّلّ الأسماع حلي جواهر وعقود
أندى على الأكباد من وقع النّدىوألذّ من نغمات صوت العود!
أذكرتني-وأبيك-عصر شبيبةذهب الزّمان بعيشه المحمود
وقصصت غير مطيلة أنباءهعودي لبدء حديثه، أو عيدي
كان الشّباب دجىّ فمزّق ليلهعن ضوء لا حسن ولا محمود
وإذا الجديدان استجّدا صحبةذهبا بثوب للبيان مديد
جلت بديهتك التّي قد أعجلتعن موقف التّهذيب والتّجويد
ورمت مساجلك الجهالة في مدىشأو قصيّ الجانبين بعيد
فمتى دعوت لها القوافي أجفلتفعل الظّليم وآذنت بشرود
فلو استطعت لغضت درّ بكيّتيوسترت بهرج قولي المنقود
ولويت ثنيا من عناني ناكصاعن مرقب أعيى إليه صعودي
لكنّها نفثات ملتهب الجوىوكلام مكلوم الحشا منجود!
غطّى هواه عقله فاقتادهلمواقف التّهذيب والتّجريد

فجاوبه صديقه القاضي أبو القاسم بن أبي العافية، المذكور، بقوله:

أملي على كبري وطول عهوديرجع الشّبيبة والهوى المعهود
ودنوّ منتزح الدّيار رمت بهكالسّهم مبريّا قسيّ القود
فسرى كبدر الأفق يعترض الدّجاويميط سجف رواقها الممدود
ترد القطا من سؤره حيث انتهتأسرابها بحفيفها المجهود
وتظلّه كالسّحب ريش قوادممن كلّ فتخاء الجناح صيود
والوحش تأكل فضل ما يغتال منصيد بديموم الفلاة وسيد
فقرى سباع الطّير شلو غريضةوقرى سباع الوحش شلو قديد
وله من الجنسين تحت وفوق مايغنيه عن جيش وخفق بنود
خاض البحار وجازها ثمّ ارتمىيفلي الفلا بنجيّة صيهود
تفري الفريّ ولا تخاف خفافهامن وحل ميثاء، ولا جلمود
الشّمس فوق قتودها حلّت فماغرب وشرق عندها ببعيد
يا ليتها حنّت إلى أعطانهامن جوّ كاظمة ودوّ زرود
ولها علينا أن نعوّضها إذارجعت مواطئ أعين وخدود!
تلك النّوى أجنت عليّ وكدّرتشربي ونغبة عيشي المثمود
هبني مقيما بعد أن رحل الهوىفالميت يوجد وهو كالمفقود!
قسما بأيّام الشّباب وطيبهاوبنظم شمل أحبّتي وعهودي
وبما حدا الحادي بهم يوم النّوىمن منتقى رجز وحرّ قصيد
وبمستمرّ جمالهم بجمالهمما بين شهب قنا وغلب أسود
لأشدّ ما يلقى امروء من دهرهشيئا وشيك نوى وطول صدود
إلا مشيب العارضين فإنّهيدني الفتى من يومه الموعود
يا طائرا في الجوّ ملء جناحهلا سائرا في الدوّ فوق قعود
أسرع لعلّك بعد دهر بالغما ليس يبلغه مطى بوخيد
وانشد فؤادي في المهامه إنّهرهن المطايا والسّرى والبيد
وإذا اعترفت القلب بلّغ سمع منهو في يديه ألوكة المفؤود
يا نازحا لعب المطيّ بكورهلعب الرّياح الهوج بالأملود
ورمت به للطيّة القصوى التّيما وردها لسواه بالمورود
هلا حننت إلى معاهدنا التّيكنت الحليّ لنحرها والجيد!
ورياض أنس بالمشايح طارحتفيها الحمائم سجع صوت العود
ومبيتنا فيها؛ وصفو مدامناصرف المودّة، لا ابنة العنقود
والعيش أخضر والهوى يدني جنىزهرات ثغر أو ثمار نهود
والقضب رافلة يعانق بعضهابعضا، إذا اعتنقت غصون قدود
لهفي على ذاك الزّمان وطيبهوعلى مناه وعيشه المحمود
تلك اللّيالي لا ليالي بعدهاعطّلن إلا من جوى وسهود
كانت قصارا ثمّ طلن فها أناآسى على المقصور والممدود!
وتحوّلت حلل التئام الوصل فيسلك انتظام الشّمل للتّبديد
ومضى الشّباب كديمة قد أقلعتمن بعد سقي تهائم ونجود
وأتى المشيب بمحله فأعاد ماأحيى الشّباب النضر عصف حصيد
لو يفتدى عهد الصّبا لفديتهبتحلمي وبطارفي وتليدي!
لكنّها الأيّام أبخل شيمةمن أن تعيد شبيبة لمعيد
آها أبا إسحاق من بعد المدىآها يزيد أسى على التّرديد
طارحت في تردادها من شاقهادعوى نزيع كالهديل فقيد
صنو الحمامة في الخضاب وطوقهاوغنائها المترنّم الغرّيد
تأبى الصّيانة أن أصرّح باسمهاواللّحن يفهم معترى المقصود
وجبت مبرّتها عليك وكيف لاوالشّرع ليس بشاهد مردود
هذا الجناح وطر إليها قبل فوت الأمر، ما ذي الدّار دار خلود
لو كنت مطّلعا، وقد طالعتهابخطابك المستعذب المورود
لأسيت ضعف أساك عند فراقهاوحللت حبوة حلمك المعقود
هذا العتاب وبعده العتبى التّيتأسيسها يغني عن التّوكيد
لله درّك من رئيس بلاغةحسن المآخذ بارع التّوليد
حلّ العبارة في حلاوة زفّةكالخمر محبّتها مراشف غيد!
كالرّمح لان وبأسه في شدّةوالسّيف يدعو في يد الصّنديد
أو كالغمامة أرعدت وتبسّمتفأرت مخايل موعد ووعيد!
أو كالتّي زأرت وغنّت ورقهافارتعت، ثمّ أنست بالتّغريد
روض من الآداب أينع قبل أنتفترّ زهرته لطيب العود
بكر أتت تمشي على استحيائهاتزهى بحلية مبسم وعقود
حوراء مقلتها سواد مدادهاوالسّحر في مقل العيون السّود!
سحبت على سحبان فضل ردائهاوعبيد استغشى ثياب عبيد
ولبيد انقلبت عليه حروفهفغدا بليدا! -وهو غير بليد-
نظمت من السّحر الحلال قوافياأغنت مقلّدها عن التّقليد
لكنّها عثرت بضالة طلحهافلعا لعثرة طلحها المخضود
وبهمزة الولهاء مدّت باعهافعجبت من مقصورها الممدود!
لكنّها رقّت وراقت وانتمتللعلم راغبة عن التّقليد
فجعلت يوم قدومها عيدا، ومنيحلى) مسرّته ليوم العيد

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٣٩٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.