من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
أحمد القطرسي النفيس
أبو العباس أحمد بين أبي القاسم عبد الغني بن أحمد بن عبد الرحمن بن خلف بن مسلم اللخمي المالكي القطرسي، المنعوت بالنفيس؛ كان من الأدباء، وله ديوان شعر أجاد فيه، ونقلت منه قصيدة يمدح بها الأمير شجاع الدين جلدك التقوي، المعروف بوالي دمياط، أولها:
قل للحبيب أطلت صدكوجعلت قتلي فيك وكدك
إن شئت أن أسلو فردعلي قلبي فهو عندك
أخلفت حتى في زيارتنا بطيف منك وعدك
وأنا عليك كما عهدت وإن نقضت علي عهدك
أحرقت يا ثغر الحبيب حشاي لما ذقت بردك
وشهدت أني ظالملما طلبت إليك شهدك
أتظن غصن البان يعجبني وقد عاينت قدك
أم يخدع التفاح ألحاظي وقد شاهدت خدك
أم خلت آس عذارك المنشوق يحمي منك وردك
لا والذي جعل الهوىمولاي حتى صرت عبدك
يا قلب من لانت معاطفه علينا ما أشدك
أتظنني جلد الهوىأو أن لي عزمات جلدك
وهي قصيدة جيدة، ونقتصر منها على هذا القدر خوف الإطالة.
وجاب النفيس المذكور البلاد، ومدح الناس، واستجدى بشعره.
وذكره العماد الكاتب في الخريدة، فقال: فقيه مالكي المذهب، له يد في علوم الوائل والدب، ومن شعره قوله:
يسر بالعيد أقوام لهم سعةمن الثراء، وأما المقترن فلا
هل سرني وثيابي فيه قوم سبا ... أو راقني وعلى رأسي به ابن جلا يعني قوم سبأ مزقناهم كل ممزق، وابن جلا ما له عمامة، يشير إلى قول الشاعر سحيم بن وثيل الرباحي:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني وذكره العماد أيضاً في كتاب السيل فقال: كان من الفقهاء بمصر، وقد رأيت القاضي الفاضل يثني عليه، ووجدت له قصيدة كتبها من مصر إليه ونقلت من ديوانه أيضاً:
يا راحلا وجميل الصبر يتبعههل من سبيل إلى لقياك يتفق
ما أنصفتك جفوني وهي دامية ... ولا وفى لك قلبي وهو محترق [ومن شعره أيضاً في الأمير فخر الدين إسماعيل بن ثعلب:
مدحت الجعفري فما أثابتيداه فظن مدحي للثواب
وما كان احتساب الأجر فيهعلى كذب المدائح في الحساب ومن شعره أيضاً:
يأبى العذار المستدير بوجههوكمال بهجة حسنه المنعوت
فكأنما هو صولجان زمردمتلقف كرة من الياقوت] وله في كأس سقطت وهو معنى بديع:
ما سقطت كاسك من علةلكن يد الفضل بتبديدها
هيهات أن تحفظها راحةما حفظت قط سوى جودها وله:
فؤادي إليك شديد الظماوعيني تشكو لك الحاجبا
فرتب لي الأذن سهلاً لديك ... فإني أرضى به راتباً [وكتب إلى القاضي الأسعد بن عثمان يستدعيه من جملة أبيات:
صر إلينا على البراق وإلاجاءك العتب بعد فوت المراد وصار إليه وأنشده ارتجالاً:
قد أجبت لنداء يا داعي المجد ولو كنت موثقاً في صفاد
فودادي يصونني عن عتاب ... وبراقي عزيمتي في الوداد] وله في مغن اسمه حسام ويعرف بالأقرع وهي من الشعر المختار:
وفتيان تملكت الحمياأزمة أمرهم ملك الأمير
أرادوا من حسام أن يغنيليطربهم وذاك من الغرور
فقلت لهم متى بالله غنىحسام قط في زمن السرور [ومن شعره أيضاً:
لا تسأل اليوم عن حالي وعن خبريدهت فؤادي دواهي الحسن والقدر
أصبحت قد ضل قلبي في هوى قمر ... فأعجب لمن ضل بين الشمس والقمر وله أيضا وكتب بهما إلى بعض أصدقائه يعاتبه:
إن مسني من جنابٍ كنت أعهد ليفيه النعيم تكاليف من الشظف
فالشمس والبدر حسبي أسوة بهماوربما كسفا في البيت والشرف ومن شعره يصف دير القصير أولها:
قصرنا على دير القصير ركابناليالي قضاها السرور قصارا]
محل يريك النيل والروض والمهاويدني من النجم البعيد مزارا
وتهدي إلى أبصارنا وقلوبنابغير عناء قوة وقدارا ويقتصر من شعره على هذا القدر
وكان جده يقال له قطرس.
وتوفي في الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستمائة بمدينة قوص، وقد ناهز سبعين سنة من عمره، رحمه الله تعالى.
واللخمي - بفتح اللام وسكون الخاء المعجمة وبعدها ميم - هذه النمسبة إلى لخم بن عدي، واسمه مالك، وهو أخو جذام، واسم جذام عمر بن عدي، وكانا قد تشاجرا فلخم عمرو مالكا - أي لطمه - فضرب مالك عمرا بمدية فجذم يده - أي قطعها - فسمي مالك لخما، وسمي عمرو جذاماً لهذا السبب.
والقطرسي - بضم القاف وسكون الطاء المهملة وضم الراء وبعدها سين مهملة - هذه النسبة كشفت عنها كثيراً ولم اقف لها على حقيقة، غير انه كان من أهل مصر، ثم أخبرني بهاء الدين زهير بن محمد الكاتب الشاعر - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - أن هذه النسبة إلى جده قطرس، وكان صاحبه، وروى عنه شيئا من شعره.
وجلدك: أبو المظفر عتيق تقي الدين عمر، صاحب حماة - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وكان ديناً فاضلاً. ومات في الثامن والعشرين من شعبان سنة ثمان وعشرين وستمائة بالقاهرة، وقد ناهز ثمانين سنة، وله شعر، وروى عن الحافظ السلفي وغيره، ومن جملة ما روى بهاء الدين زهير من شعره في غلام يتعلم على الهندسة والهيئة:
وذي هيئة يزهو بوجه مهندسأموت به كل يوم وأبعث
محيط بأشكال الملاحة وجههكأن به إقليدساً يتحدث
فعارضه خط استواء وخاله ... به نقطة والصدغ شكل مثلث وتنسب هذه اليات إلى أبي جعفر العلوي المصري، والله أعلم.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع