تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

ناصح الدين الأرجاني

أبو بكر أحمد بن محمد بن الحسين الأرجاني الملقب ناصح الدين؛ - كان قاضي تستر وعسكر مكرم -، وله شعر رائق في نهاية الحسن، ذكره العماد الكاتب الأصبهاني في كتاب الخريدة فقال: كان الأرجاني في عنفوان عمره

بالمدرسة النظامية بأصبهان، وشعره من آخر عهد نظام الملك، منذ سنة نيف وثمانين وأربعمائة، إلى آخرعهده، وهو سنة أربع وأربعين وخمسمائة، ولم يزل نائب القاضي بعسكر مكرم، وهو مبجل مكرم، وشعره كثير والذي جمع منه لا يكون عشره، ولما وافيت عسكر مكرم سنة تسع وأربعين وخمسمائة لقيت بها ولده محمداً رئيس الدين أعارني إضبارة كبيرة من شعر والده.

منبت شجرته أرجان، وموطن أسرته تستر وعسكر مكرم من خوزستان، وهو وإن كان في العجم مولده، فمن العرب محتده، سلفه القديم من الأنصار، لم يسمح بنظيره سالف الأعصار، أوسي الأس خزرجيه، قسي النطق إياديه، فارسي القلم وفارس ميدانه، وسلمان برهانه، من أبناء فارس الذين نالوا العلم المتعلق بالثريا، جمع بين العذوبة والطيب في الري والريا. انتهى كلام العماد.

قلت: ونقلت من ديوانه أنه كان ينوب في القضاء ببلاد خوزستان، تارة بتستر وتارة بعسكر مكرم، مرة عن قاضيها ناصر الدين أبي محمد عبد القاهر بن محمد، ومن بعده عن عماد الدين أبي العلاء رجاء، وفي ذلك يقول:

ومن النوائب أننيفي مثل هذا الشغل نائب
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «ومنازعي في أول اسمك»
ومن العجائب أن ليصبراً على هذي العجائب وكان فقيهاً شاعراً، وفي ذلك يقول:
أنا أشعر الفقهاء غير مدافعٍفي العصر، أو أنا أفقه الشعراء
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «صدر الرعاء وما سقيت ظمائي»
شعري إذا ماقلت دونه الورىبالطبع لا بتكلف الإلقاء
كالصوت في قلل الجبال إذا علاللسمع هاج تجاوب الأصداء ومن شعره أيضاً:
شاور سواك إذا نابتك نائبةيوماً وإن كانت من أهل المشورات
للشاعر فتيان الشاغوري، من قصيدة «شاور سواك إذا نابتك نائبة»
فالعين تلقى كفاحاً ما دنا ونأىولا ترى نفسها إلا بمرآة ومن شعره أيضاً:
ما جبت آفاق البلاد مطوفاًإلا وانتم في الورى متطلبي
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «أأحبتي الشاكين طول تغيبي»
سعيي إليكم في الحقيقة، والذيتجدون عنكم فهو سعي الدهر بي
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «أأحبتي الشاكين طول تغيبي»
أنحوكم ويرد وجهي القهقرىعنكم فسيري مثل سير الكوكب

فالقصد نحو المشرق الأقصى لكم ... والسير رأي العين نحو المغرب ومن شعره أيضاً ما كتبه إلى بعض الرؤساء يعتب عليه لعدم سؤاله عنه وقد انقطع عنه مدة:

نفسي فداؤك أيهذا الصاحبيا من هواه علي فرض واجب
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «نفسي فداؤك أيهذا الصاحب»
لم طال تقصيري وما عاتبتنيفأنا الغداة مقصر ومعاتب
ومن الدليل على ملالك أننيقد غبت أياماً وما لي طالب
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «نفسي فداؤك أيهذا الصاحب»
وإذا رأيت العبد يهرب ثم لميطلب فمولى العبد منه هارب وله أيضاً، وهومعنى غريب:
رثى لي وقد ساويته في نحولهخيالي لما لم يكن لي راحم
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «أتلك رياض أم خدود نواعم»
فدلس بي حتى طرقت مكانهوأوهمت إلفي أنه بي حالم
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «أتلك رياض أم خدود نواعم»
وبتنا ولم يشعر بنا الناس ليلةأنا ساهر في جفنه وهو نائم وله من قصيدة وأجاد فيها:
تأمل تحت ذاك الصدغ خالاًلتعلم كم خبايا في الزوايا وله أيضاً:
شبت أنا والتحى حبيبيوبان عني وبنت عنه
وأبيض ذاك السواد منيوأسود ذاك البياض منه وله أيضاً:
سأل الفضا عنه وأصغى للصدىكيما يجيب فقال مثل مقاله
ناداه أين ترى محط رحالهفأجاب أين ترى محط رحاله
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «أصغى مسامعه إلى عذاله»

وله أيضاً:

لو كنت أجهل ما علمت لسرنيجهلي كما قد ساءني ما أعلم
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «لو كنت أجهل ما علمت لسرني»
كالصعو يرتع في الرياض، وإنماحبس الهزار لأنه يترنم ومثله قول بعضهم:
يقصد أهل الفضل دون الورىمصائب الدنيا وآفاتها

كالطير لا يحبس من بينها ... إلا التي تطرب أصواتها وهذا ينظر إلى قول الغزي أبي إسحاق المقدم ذكره من جملة قصيدة طويلة:

لا غرو أن تجني علي فضائلي ... سبب احتراق المندلي دخانه ونقتصر على هذه المقاطيع من شعره، ولا حاجة إلى ذكر شيء من قصائده المطولات خوفاً من الإطالة.

وله أيضاً:

أحب المرء ظاهره جميللصاحبه وباطنه سليم
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «لأي وميض بارقة أشيم»

مودته تدوم لكل هول ... وهل كل مودته تدوم وهذا البيت - أعني الثاني منهما - يقرأ معكوساً، ويوجد في ديوان الغزي المذكور أيضاً، والله أعلم.

وله ديوان شعر فيه كل معنى لطيف.

ومولده سنة ستين وأربعمائة، وتوفي في شهر ربيع الأول سنة أربع وأربعين وخمسمائة بمدينة تستر، رحمه الله تعالى، وقيل بعسكر مكرم.

والأرجاني - بفتح الهمزة وتشديد الراء المهملة وفتح الجيم وبعد الألف نون - هذه النسبة إلى أرجان، وهي من كور الهواز من بلاد خوزستان،

وأكثر الناس يقولون: إنها بالراء المخففة، واستعملها المتنبي في شعره مخففة في قوله:

أرجان أيتهاالجياد، فإنه ... عزمي الذي يذر الوشيج مكسرا وحكاها الجوهري في الصحاح، والحازمي في كتابه الذي سماه ما اتفق لفظه وافترق مسماه يتشديد الراء.

وتستر - بضم التاء المثناة من فوقها وسكون السين المهملة وفتح التاء الثانية وبعدها راء - مدينة مشهورة بخوزستان، والعامة تسميها ششتر.

وعسكر مكرم - قد اختلفوا في مكرم، فأكثر العلماء على أنه مكرم اخو مطرف بن سيدان بن عقيلة بن ذكوان بن حيان بن الخرزق بن عيلان بن حاوة بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار ابن معد بن عدنان، هكذا نسبه استخرجته على هذه الصورة من كتاب الجمهرة لابن الكلبي، وليس في نسبه باهلة، ومكرم المذكور يعرف بمكرم الباهلي الحاوي، والله اعلم. وقيل: هو مكرم أحد بني جعونة العامري.

وقيل: هو مكرم مولى الحجاج بن يوسف الثقفي، نزله لمحاربة خرزاد ابن بارس فسمي بذلك.

وخوزستان - بضم الخاء المعجمة وبعد الواو زاي ثم سين مهملة - وهوإقليم متسع بين البصرة وفارس.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الهمزة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.