من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
ابن دراج القسطلي
ماذا روى «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» عن ابن دراج القسطلي؟
أبو عمر أحمد بن محمد بن العاصي بن أحمد بن سليمان بن عيسى بن دراج الأندلسي القسطلي الشاعر الكاتب؛ كان كاتب المنصور بن أبي عامر وشاعره، وهو معدود في تاريخ الأندلس من جملة الشعراء المجيدين والعلماء المتقدمين، ذكره أبو منصور الثعالبي في يتيمة الدهر، وقال في حقه: كان بصقع الأندلس كالمتنبي بصقع الشام، وهو احد الشعراء الفحول، وكان يجيد ما ينظم ويقول، واورد له أشعاراً حسنةً، وذكره أبو الحسن ابن بسام في كتاب الذخيرة، وساق طرفاً من رسائله ونظمه، ونقلت من ديوانه - وهو جزءان - أن المنصور بن أبي عامر أمره أن يعارض قصيدة أبي نواس الحكمي التي مدح بها الخطيب بن عبد الحميد صاحب الخراج بمصر التي أولها:
أجارة بيتينا أبوك غيوروميسور ما يرجى لديك عسير فعارضها بقصيدة بليغة، من جملتها:
ألم تعلمي أن الثواء هو التوىوأن بيوت العاجزين قبور
تخوفني طول السفار، وإنهلتقبيل كف العامري سفير
دعيني أرد ماء المفاوز آجناًإلى حيث ماء المكرمات نمير
فإن خطيرات المهالك ضمنلراكبها أن الجزاء خطير ومنها في وصف وداعه لزوجته وولده الصغير:
ولما تدانت للوداع وقد هفابصبري منها أنة وزفير
تناشدني عهد المودة والهوىوفي المهد مبغوم النداء صغير
عيي بمرجوع الخطاب ولحظهبموقع أهواء النفوس خبير
تبوأ ممنوع القلوب ومهدتله أذرع محفوفة ونحور
فكل مفداة الترائب مرضعوكل محياة المحاسن ظير
عصيت شفيع النفس فيه وقادنيرواح لتدآب السرى وبكور
وطار جناح البين بي وهفت بهاجوانح من ذعر الفراق تطير
لئن ودعت مني غيوراً فإننيعلى عزمتي من شجوها لغيور
ولو شاهدتني والهواجر تلتظيعلي ورقراق السراب يمور
أسلط حر الهاجرات إذا سطاعلى حر وجهي والأصيل هجير
وأستنشق النكباء وهي لوافحوأستوطىء الرمضاء وهي تفور
وللموت في عين الجبان تلونوللذعر في سمع الجريء صفير
لبان لها أني من البين جازعوأني على مضى الخطوب صبور
أمير على غول التنائف مالهإذا ريع إلا المشرفي وزير
ولو بصرت بي والسرى جل عزمتيوجرسي لجنان الفلاة سمير
وأعتسف الموماة في غسق الدجىوللأسد في غيل الغياض زئير
وقد حومت زهر النجوم كأنهاكواكب في خضر الحدائق حور
ودارت نجوم القطب حتى كأنهاكؤوس مها والى بهن مدير
وقد خيلت طرق المجرة انهاعلى مفرق الليل البهيم قتير
وثاقب عزمي والظلام مروعوقد غضن أجفان النجوم فتور
لقد أيقنت أن المنى طوع همتي ... وأني بعطف العامري جدير وهي طويلة، وفي هذا القدر منها كفاية. وإذا قد ذكرت هذه القصيدة فينبغي أن أذكر شيئاً من قصيدة أبي نواس التي وازنها أبو عمر؛ وكان أبو نواس قد خرج من بغداد قاصداً مصر ليمدح أبا نصر الخطيب بن عبد الحميد صاحب ديوان الخراج بها، فأنشده هذه القصيدة، وذكر المنازل التي مر عليها في طريقه، وقد ذكرت منها بيتاً في ترجمة أبي إسحاق إبراهيم بن عثمان الغزي، ولا حاجة إلى ذكر جميعها فإنها طويلة، ولكن أذكر الذي أختاره منها، فمن ذلك:
تقول التي من بيتها خفف محمليعزيز علينا أن نراك تسير
أما دون مصر للغنى متطلببلى إن أسباب الغنى لكثير
فقلت لها واستعجلتها بوادرجرت فجرى من جريهن غدير
ذريني أكثر حاسديك برحلةٍإلى بلدة فيها الخطيب أمير
إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنافأي فتى بعد الخطيب تزور
فما جازه جود ولا حل دونهولكن يصير الجود حيث يصير
فتى يشتري حسن الثناء بمالهويعلم أن الدائرات تدور ومنها أيضاً:
فمن كان أمسى جاهلاً بمقالتيفإن أمير المؤمنين خبير
وما زلت توليه النصيحة يافعاًإلى أن بدا في العارضين قتير
إذا هاله أمر فإما كفيته ... وإما عليه بالكفي تشير ثم شرع من ههنا في ذكر المنازل، ثم قال في أواخرها:
زها بالخصيب السيف والرمح في الوغىوفي السلم يزهو منبر وسرير
جواد إذا الأيدي قبضن عن الندىومن دون عورات النساء غيور
فإني جدير إن بلغتك للغنىوأنت لما أملت منك جدير
فإن تولني منك الجميل فأهله ... وإلا فإني عاذر وشكور ثم مدحه بعد هذه بعدة قصائد، ويقال إنه لما عاد إلى بغداد مدح الخليفة، فقيل له: وأي شيء تقول فينا بعد أن قلت في بعض نوابنا:
إذا لم تزر أرض الخصيب ركابناالبيتان المذكوران؛ فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وأنشد يقول:
إذا نحن أثنينا عليك بصالحفأنت كما نثني وفوق الذي نثني
وإن جرت الألفاظ منا بمدحةٍ ... لغيرك إنساناً فأنت الذي نعني ومن شعر أبي عمر المذكور من جملة أبيات:
إن كان واديك ممنوعاً فموعدناوادي الكرى فلعلي فيه ألقاك وقد ألم في هذا البيت بقول الآخر:
هل سبيل إلى لقائك بالجز ... ع فإن الحمى كثير الوشاة وكانت ولادته في المحرم سنة سبع وأربعين وثلثمائة، وتوفي ليلة الأحد لأربع عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
ودراج - بفتح الدال المهملة وفتح الراء المشددة وبعد اللف جيم - وهو اسم جده.
والقسطلي - بفتح القاف وسكون السين المهملة وفتح الطاء المهملة وتشديد اللام - هذه النسبة إلى قسطلة، وهي مدينة بالأندلس يقال لها قسطلة دراج، ولا أعلم أهي منسوبة إلى جده دراج المذكور أم إلى غيره، والله سبحانه أعلم.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع