تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

الصاحب ابن عباد

الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن أبي الحسن عباد بن العباس بن عباد بن احمد ابن إدريس الطالقاني؛ كان نادرة الدهر وأعجوبة العصر في فضائله ومكارمه وكرمه، أخذ الأدب عن أبي الحسين أحمد بن فارس اللغوي صاحب كتاب " المجمل " في اللغة، وأخذ عن ابي الفضل ابن العميد، وغيرهما.

وقال أبو منصور الثعالبي في كتابه اليتيمة في حقه: ليست تحضرني عبارة أرضاها للإفصاح عن علو محله في العلم والأدب، وجلالة شأنه في الجود والكرم، وفرده بالغيات في المحاسن، وجمعه أشتات المفاخر، لأن همة قولي تنخفض عن بلوغ أدنى فضائله ومعاليه، وجهد وصفي يقصر عن أيسر فواضله ومساعيه.

ثم شرع في شرح بعض محاسنه وطرف من أحواله.

وقال أبو بكر الخوارزمي في حقه: الصاحب نشأ من الوزراة في حجرها، ودب ودرج من وكرها، ورضع أفاويق درها، وورثها عن آبائه كما قال أبو سعيد الرستمي في حقه:

ورث الوزارة كابراً عن كابرٍموصلة الإسناد بالإسناد
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة

يروي عن العباس عباد وزا ... رته وإسماعيل عن عباد وهو أول من لقب بالصاحب من الوزراء لأنه كان يصحب أبا الفضل ابن العميد، فقيل له: صاحب ابن العميد، ثم أطلق عليه هذا اللقب لما تولى الوزارة وبقي علماً عليه. وذكر الصابىء في كتاب التاجي أنه إنما قيل له الصاحب لأنه صحب مؤيد الدولة بن بويه منذ الصبا وسماه الصاحب، فاستمر عليه هذا اللقب واشتهر به، ثم سمي به كل من ولي الوزارة بعده.

وكان أولاً وزير مؤيد الدولة أبي منصور بويه بن ركن الدولة بن بويه الديلمي تولى وزارته بعد أبي الفتح علي بن أبي الفضل ابن العميد المذكور في ترجمة أبيه محمد، فلما توفي مؤيد الدولة في شعبان سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة بجرجان استولى على مملكته أخوه فخر الدولة أبو الحسن علي، فأقر الصاحب على وزارته، وكان مبجلاً عنده ومعظماً نافذ الأمر. وأنشده أبو القاسم الزعفراني يوما أبياتا نونية من جملتها:

أيا من عطاياه تهدي الغنىإلى راحتي من نأى أو دنا
كسوت المقيمين والزائرينكسا لم نخل مثلها ممكنا

وحاشية الدار يمشون في ... صنوف من الخز إلا أنا فقال الصاحب: قرأت في أخبار معن بن زائدة الشيباني أن رجلاً قال له: احملني أيها الأمير، فأمر له بناقة وفرس وبغل وحمار وجارية، ثم قال: لوعلمت أن الله ﷾ خلق مركوبا غير هذا لحملتك عليه، وقد أمرنا لك من الخزبجية وقميص وعمامة ودراعة وسراويل ومنديل ومطرف ورداء وكساء وجورب وكيس، ولو علمنا لباسا آخر يتخذ من الخز لأعطيناكه.

واجتمع عنده من الشعراء ما لم يجتمع عند غيره، ومدحوه بغرر المدائح

وكان حسن الجوبة [سريعها]، رفع الضرابون من دار الضرب إليه رقعة في مظلمة مترجمة بالضرابين، فوقع تحتها في حديد بارد. وكتب بعضهم إليه ورقة أغار فيها على رسائله وسرق جملة من ألفاظه فوقع فيها هذه بضاعتنا ردت إلينا. وحبس بعض عماله في مكان ضيق بجواره، ثم صعد السطح يوماً فاطلع عليه فرآه فناداه المحبوس بأعلى صوته فاطلع فرآه في سواء الجحيم فقال الصاحب اخسأوا فيها ولا تكلمون ونوادره كثيرة.

وصنف في اللغة كتاباً سماه المحيط وهو في سبع مجلدات، رتبه على حروف المعجم، كثر فيه الألفاظ وقلل الشواهد فاشتمل من اللغة على جزء متوفر، وكتاب الكافي في الرسائل وكتاب الأعياد وفضائل النيروز وكتاب الإمامة يذكر فيه فضائل علي بن أبي طالب ﵁ ويثبت إمامة من تقدمه، وكتاب الوزراء وكتاب الكشف عن مساوئ شعر المتنبي وكتاب أسماء الله تعالى وصفاته وله رسائل بديعة ونظم جيد، فمنه قوله:

وشادن جمالهتقصر عنه صفتي
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «وشادن جماله»
أهوى لتقبيل يديفقلت قبل شفتي وله في رقة الخمر:
رق الزجاج ورقت الخمروتشابها فتشاكل المر
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «رق الزجاج ورقت الخمر»

فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر وله يرثي كثير بن أحمد الوزير وكنيته أبو علي:

يقولون لي أودى كثير بن أحمدٍوذلك مرزوء علي جليل

فقلت دعوني والعلا تبكه معا ... فمثل كثير في الرجال قليل وحكى أبو الحسين محمد بن الحسين الفارسي النحوي أن نوح بن منصور أحد ملوك بني سامان كتب إليه ورقة في السر يستدعيه ليفوض إليه وزارته وتدبير أمر مملكته، فكان من جملة أعذاره إليه أنه يحتاج لنقل كتبه خاصة إلى أربعمائة جمل، فما الظن بما يليق بها من التجمل.

وفي هذت القدر من اخباره كفاية.

وكان مولده لأربع عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة سن ست وعشرين وثلثمائة يإصطخر، وقيل: بالطالقان، وتوفي ليلة الجمعة الرابع والعشرين من صفر سنة خمس وثمانين وثلثمائة بالري، ثم نقل إلى أصبهان، رحمه االه تعالى، ودفن في قبة بمحلة تعرف بباب دزيه، وهي عامرة إلى الآن، وأولاد بنته يتعاهدونها بالتبييض.

قال أبو القاسم بن أبي العلاء الشاعر الأصبهاني: رأيت في المنام قائلا يقول لي: لم لم ترث الصاحب مع فضلك وشعرك فقلت: ألجمتني كثرة محاسنه فلم أدر بم أبدأ منها، وقد خفت أن أقصر وقد ظن بي الاستيفاء لها، فقال: أجز ما أقوله، فقلت: قل، فقال:

ثوى الجود والكافي معاً في حفيرةفقلت:
ليأنس كل منهما بأخيهفقال:
هما اصطحبا حيين ثم تعانقافقلت:
ضجيعين في لحدٍ بباب دزيهفقال:

إذا ارتحل الثاوون عن مستقرهم ...

فقلت:

أقاما إلى يوم القيامة فيهذكر هذا البياسي في حماسته

ورأيت في أخباره أنه لم يسعد أحد بعد وفاته كما كان في حياته غير الصاحب فإنه لما توفي أغلقت له مدينة الري واجتمع الناس على باب قصره ينتظرون خروج جنازته، وحضر مخدومه فخر الدولة المذكور أولا وسائر القواد وقد غيروا لباسهم، فلما خرج نعشه من الباب صاح الناس بأجمعهم صيحة واحدة وقبلوا الأرض، ومشى فخر الدولة أمام الجنازة مع الناس وقعد للعزاء أياماً.

ورثاه أبو سعيد الرستمي بقوله:

أبعد ابن عباد يهش إلى السرىأخو أمل أو يستماح جواد
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة

أبى الله إلا يموتا بموته ... فما لهما حتى المعاد معاد وتوفي والده أبو الحسن عباد بن العباس في سنة أربع - أو خمس - وثلاثين وثلثمائة، رحمه الله تعالى؛ وكان وزير ركن الدولة بن بويه، وهو والد فخر الدولة المذكور، ووالد عضد الدولة فناخسرو ممدوح المتنبي.

وتوفي فخر الدولة في شعبان سنة سبع وثمانين وثلثمائة، رحمه الله تعالى، ومولده في سنة إحدى وأربعين وثلثمائة.

والطالقاني - بفتح الطاء المهملة وبعد الألف لام مفتوحة ثم قاف وبعد الألف الثانية نون - هذه النسبة إلى الطالقان، وهو اسم لمدينتين: إحداهما

بخراسان والأخرى من أعمال قزوين، والصاحب المذكور أصله من طالقان قزوين، لا طالقان خراسان.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الهمزة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.