من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
أبو الصلت الأندلسي
أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت الأندلسي الداني؛ كان فاضلاً في علوم الآداب، صنف كتابه الذي سماه الحديقة على أسلوب يتيمة الدهر للثعالبي، وكان عارفاً بفن الحكمة، فكان يقال له: الأديب الحكيم، وكان ماهراً في علوم الأوائل، وانتقل من الأندلس وسكن ثغر الإسكندرية، وذكره العماد الكاتب في الخريدة وأثنى عليه وذكر شيئاً من نظمه،
ومن جملة ما ذكر له [قوله لمن جاد عليه قبل مدحه:
لا غرو أن سبقي يداك مدائحيفتدفقت جدواك مثل إنائها
يكسى القضيب ولم يحن إثمارهوتطوق الورقاء قبل غنائها ولأبي جعفر الجزار البطرني في ابن عباد:
وما زلت أجني منك والدهر ممحلولا ثمر يجنى ولا زرع يحصد
ثمار أياد دانياتٍ قطوفهالأغصانها ظل علي ممدد
يرى جارياً ماء المكارم تحتهاوأطيار شكري فوقهن تغرد ولأبي الصلت المذكور]:
إذا كان أصلي من تراب فكلهابلادي وكل العالمين أقاربي
ولا بد لي أن أسأل العيس حاجةً ... تشق على شم الذرى والغوارب ولم أر هذين البيتين في ديوانه، وأورد له أيضاً:
وقائلة ما بال مثلك خاملاًأأنت ضعيف الرأي أم أنت عاجز
فقلت لها ذنبي إلى القوم أننيلما لم يحوزوه من المجد حائز
وما فاتني شيء سوى الحظ وحده ... وأما المعالي فهي عندي غرائز ولا وجدت هذا المقطوع أيضاً في ديوانه، والله أعلم، وله أيضا:
جد بقلبي وعبثثم مضى وما اكترث
واحربا من شادنفي عقد الصبر نفث
يقتل من شاء بعينيه ومن شاء بعث
فأي ود لم يخنوأي عهد ما نكث
وله أيضاً:
دب العذار بخده ثم انثنىعن لثم مبسمه البرود الأشنب
لاغرو أن خشي الردى في لثمهفالريق سم قاتل للعقرب ومن شعره أيضاً:
ومهفهفٍ شركت محاسن وجههما مجه في الكأس من إبريقه
ففعالها من مقلتيه ولونها ... من وجنتيه وطعمها من ريقه [أخذ هذا المعنى من ابن حبوس حيث يقول:
وممنطق يغني بلحظ جفونهعن كأسه الملأى وعن إبريقه
فعل المدام ولونها ومذاقها ... في مقلتيه ووجنتيه وريقه] وأورد له أيضاً في كتاب " الخريدة " في ترجمة الحسن بن أبي الشخباء العسقلاني:
عجبت من طرفك في ضعفهكيف يصيد البطل الأصيدا
يفعل فينا وهو في غمده ... ما يفعل السيف إذا جردا وشعره كثير وجيد، وكان قد انتقل في آخر الوقت إلى المهدية وتوفي بها يوم الاثنين مستهل سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وقيل: في عاشر المحرم سنة ثمان وعشرين. وقال العماد في الخريدة: أعطاني القاضي الفاضل كتاب الحديقة وفي آخرها مكتوب: إنه توفي يوم الاثنين ثاني عشر المحرم سنة ست وأربعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى، والصحيح هو الأول، فإن أكثر الناس عليه، وهو الذي ذكره الرشيد بن الزبيرفي الجنان، ومات بالمهدية، ودفن بالمنستير - وسيأتي ذكرها في ترجمة الشيخ هبة الله البوصيري إن
شاء الله تعالى، ونظم أبياتاً، وأوصى أن تكتب على قبره، وهي آخر شيء قاله، وهي:
سكنتك يا دار الفناء مصدقاًبأني إلى دار البقاء أصير
وأعظم ما في الأمر أني صائرإلى عادل في الحكم ليس يجوز
فيا ليت شعري كيف ألقاه عندهاوزادي قليل والذنوب كثير
فإن أك مجزياً بذنبي فإننيبشر عقاب المذنبين جدير
وإن يك عفو منه عني ورحمةفثم نعيم دائم وسرور ولما اشتد مرض موته قال لولده عبد العزيز:
عبد العزيز، خليفتيرب السماء عليك بعدي
أنا قد عهدت إليك ماتدريه فاحفظ فيه عهدي
فلئن عملت به فإنك لا تزال حليف رشد
ولئن نكثت لقد ضلل ... ت وقد نصحتك حسب جهدي ثم وجدت في مجموع لبعض المغاربة ان أبا الصلت المذكور مولده في دانية مدنية من بلاد الأندلس في قران سنة ستين وأربعمائة، وأخذ العلم عن جماعة من أهل الأندلس، كأبي الوليد الوقشي قاضي دانية وغيره، وقدم الإسكندرية مع أمه في يوم عيد الأضحى من سنة تسع وثمانين وأربعمائة، ونفاه الأفضل شاهنشاه من مصر في سنة خمس وخمسمائة، وتردد بالإسكندرية إلى أن سافر في سنة ست وخمسمائة فحل بالمهدية، ونزل من صاحبها علي بن يحيى بن تميم ابن المعز بن باديس منزلة جليلة، وولد له بها ولد سماه عبد العزيز، وكان شاعراً ماهراً، له في الشطرنج يد بيضاء، وتوفي هذا الولد ببجاية في سنة ست وأربعين وخمسمائة.
قلت: وهو الذي غلط فيه العماد الكاتب فيما نقله عن القاضي الفاضل، واعتقد أن أباه مات في هذا التاريخ.
وصنف أمية وهو في اعتقال الأفضل بمصر رسالة العمل بالأصطرلاب، وكتاب " الوجيز " في علم الهيئة، وكتاب " الأدوية المفردة " وكتاباً في المنطق سماه " تقويم الذهن " وكتاباً سماه " الانتصار في الرد على علي بن رضوان " في رده على حنين بن إسحاق في مسائله، ولما صنف " الوجيز " للأفضل عرضه على منجمه أبي عبد الله الحلبي، فلما وقف عليه قال له: هذا الكتاب لا ينتفع به المبتدي ويستغني عنه المنتهي.
وله من أبيات:
كيف لا تبلى غلائله ... وهو بدر وهي كتان وإنما قال هذا لأن الكتان إذا تركوه في ضوء القمر بلي. وكان مرضه الاستسقاء، والله أعلم.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع