تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

الصابئ صاحب الرسائل

(الترجمة رقم:، ص:، س:، بعد قوله: وكان يستعمله في رسائله)

وقيل لأبي إسحاق الصابئ: إن الصاحب بن عباد قال: ما بقي من أوطاري وأغراضي إلا أن أملك العراق وأتصدر ببغداد وأستكتب أبا إسحاق الصابئ ويكتب عني وأغير عليه، فقال الصابئ: ويغير علي وإن أصبت.

وكتب إلى أبي الخير عن رقعة وصلت منه، وكان أهدى إليه جملاً: وصلت رقعتك ففضضتها عن خط مشرق، ولفظ مونق، وعبارة مصيبة، ومعانٍ غريبة، واتساع في البلاغة يعجز عنها عبد الحميد في كتابته، وسحبان لي خطابته، وتصرف بين جد أمضى من القدر، وهزل أرق من نسيم السحر، وتقلب في وجوه الخطاب، الجامع للصواب، إلا أن الفعل قصر عن القول لأنك ذكرت حملاً جعلته بصفتك جملاً، وكان المعيدي الذي تسمع به لا أن تراه؛ فلما أن حضر رأيت كبشاً متقادم الميلاد، من نتاج قوم عاد، قد أفنته الدهور، وتعاقبت عليه العصور، وظننته أحد الزوجين اللذين جعلهما نوح في سفينته، وحفظهما لذريته، صغر عن الكبر وكبر عن القدم فبانت دمامته، وقصرت قامته، وعاد ناحلاً ضئيلاً، بالياً هزيلاً، بادي الأسقام، عاري العظام، جامعاً للمعايب، مشتملاً على المثالب، يعجب العاقل من حلول الحياة به، ومن تأتي الحركة فيه، لأنه عظم مجلد ملبد، لا تجد فوق عظامه سلباً، ولا تلقى يدك منه إلا خشباً، قد طال للكلأ فقده، وبعد بالمرعى عهده، لم ير ألقت إلا نائماً، ولا عرف الشعير إلا حالما. وقد كنت ملت إلى استبقائه لما تعرفه من

محبتي للتوفير، ورغبتي في التثمير، وجمعي للولد، وادخاري لغد، فلم أجد فيه مستبقياً لبقاء، ولا مدفعاً لعناء، لأنه ليس بأنثى فتلد، ولا بفتى فينسل، ولا بصحيح فيرعى، ولا بسليم فيبقى؛ فقلت: أذبحه ليكون وظيفة للعيال، وأقيمه رطباً مقام قديد الغزال، فأنشدني وقد أضرمت النار وحدت الشفار:

أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم ثم قال: وما الفائدة في ذبحي ولست بذي لحم فأصلح للأكل لأن الدهر قد أكل لحمي، ولا ذي جلد يصلح للدباغ لأن الأيام قد مزقت أدمي، ولا ذي صوف يصلح للغزل لأن الحوادث قد حصت وبري؛ فإن أردتني للوقود فكيف يعز أنفي من ناري ولريقي حرارة جمري بريح قتاري فلم يبق إلا أن تطالبني بذحل أو بيني وبينك دم. فوجدته صادقاً في مقالته، ناصحاً في مشورته، ولم أعلم من أي أمريه أعجب: أمن مطالبته للدهر بالبقاء، أم صبره على الضر والبلاء، أم قدرتك عليه مع عدم مثله، أم هديتك إياه للصديق مع خساسة قدره. ويا ليت شعري وأنت فيما أنت فيه، وهديتك هذا الذي كأنه نشر من القبور، أو قام عند النفخ في الصور، ما كنت مهدياً لو أني رجل من عرض الكتاب كأبي علي وأبي الخطاب ما كنت مهدياً إلا كلباً أجرباً أو قرداً أحدباً، والسلام.

(آيا صوفيا: ب ب)

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حَرف الجيم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.