تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

ابن نباتة الشاعر

أبو نصر عبد العزيز بن عمر بن محمد بن أحمد بن نباتة بن حميد بن نباتة بن الحجاج بن مطر بن خالد بن عمرو بن رزاح بن رياح بن سعد بن ثجير بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم بن مر، التميمي السعدي، وبقية النسب معروف؛ كان شاعراً مجيداً، جمع بين حسن السبك وجودة المعنى، طاف البلاد ومدح الملوك والوزراء والرؤساء، وله في سيف الدولة بن حمدان غر القصائد ونخب المدائح، وكان قد أعطاه فرساً أدهم أغر محجلاً فكتب إليه:

يا أيها الملك الذي أخلاقهمن خلقه ورواؤه من رائه
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
قد جاءنا الطرف الذي أهديتههاديه يعقد أرضه بسمائه
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
أولايةً وليتنا فبعثتهرمحاً سبيب العرف عقد لوائه
نحتل منه على أغر محجلماء الدياجي قطرةٌ من مائه
فكأنما لطم الصباح جبينهفاقتص منه فخاض في أحشائه
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
متمهلاً والبرق من أسمائهمتبرقعاً والحسن من أكفائه
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
ما كانت النيران يكمن حرهاولو كان للنيران بعض ذكائه
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
لا تعلق الألحاظ في أعطافهإلا إذا كفكفت من غلوائه
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة

لا يكمل الطرف المحاسن كلها ... حتى يكون الطرف من أسرائه وهذا المعنى الذي وقع له في صفة الغرة والتحجيل في غاية الإبداع، وما أظنه سبق إليه.

وله في سيف الدولة أيضاً قصيدة لامية طويلة ومن جملة أبياتها قوله:

قد جدت لي باللها حتى ضجرت بهاوكدت من ضجري أثني على البخل
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
إن كنت ترغب في أخذ النوال لنافاخلق لنا رغبة أو لا فلا تنل

لم يبقٍ جودك لي شيئاً أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل وهذا المعنى فيه إلمام بقول البحتري، أعني البيت الأول:

إني هجرتك إذ هجرتك وحشةًلا العود يذهبها ولا الإبداء
للشاعر البحتري، من قصيدة «أمواهب هاتيك أم أنواء»
أخجلتني بندى يديك فسودتما بيننا تلك اليد البيضاء
للشاعر البحتري، من قصيدة «أمَوَاهِبٌ هَاتِيكَ أمْ أنْوَاءُ»
وقطعتني بالجود حتى إننيمتخوفٌ أن لا يكون لقاء
للشاعر البحتري، من قصيدة «أمواهب هاتيك أم أنواء»

صلةٌ غدت في الناس وهي قطيعة ... عجب وبر راح وهو جفاء وفي معناه أيضا قول دعبل بن علي الخزاعي المقدم ذكره يمدح المطلب بن عبد الله بن مالك الخزاعي أمير مصر:

زمني بمطلب سقيت زماناما كنت إلا روضةً وجنانا
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «زَمني بِمُطَّلبٍ سُقِيتَ زَمانا»
كل الندى إلا ندا ك تكلفٌلم أرض بعدك كائناً من كانا

أصلحتني بالبر بل أفسدتني ... وتركتني أتسخط الإحسانا وهو معنى مطروق تداولته الشعراء، وأكثرت استعماله، فمنهم من يستوفيه ومنهم من يقصر فيه، وكتب به علي بن جبلة المعروف بالعكوك - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - إلى أبي دلف العجلي في أبيات رائية، ولولا خوف الإطالة لذكرتها، وما ألطف قول أبي العلاء المعري فيه:

لو اختصرتم من الإحسان زرتكموالعذب يهجر للإفراط في الخصر
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر»

رجعنا إلى ذكر أبي نصر المذكور:

ومعظم شعره جيد، وله ديوان كبير، وكان قد وصل إلى مدينة الري، وامتدح أبا الفضل محمد بن العميد وجرى بينهما مفاوضة يأتي شرحها في ترجمته إن شاء الله تعالى.

وكانت ولادته في سنة سبع وعشرين وثلثمائة، وتوفي يوم الأحد بعد طلوع الشمس ثالث شوال سنة خمس وأربعمائة ببغداد، ودفن قبل الظهر في مقبرة الخيزران من الجانب الشرقي، رحمه الله تعالى.

ونباتة: بضم النون كما تقدم في جد الخطيب ابن نباتة.

وثجير: بضم الثاء المثلثة وفتح الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها، وبعدها راء.

وبقيت الأسماء معروفة.

قال أبو غالب محمد بن أحمد بن سهل: دخلت على أبي الحسن محمد بن علي بن نصر البغدادي صاحب الرسائل وصاحب كتاب " المفاوضة " - قلت: وهو أخو القاضي عبد الوهاب المالكي، وسيأتي ذكرهما في ترجمة عبد الوهاب إن شاء الله تعالى - قال: وكان في مرض موته بواسط، فقعدت عنده قليلاً ثم قمت لأنه كان به قيام، فأنشدني بيت أبي نصر عبد العزيز وهو:

متع لحاظك من خلٍ تودعه ... فما إخالك بعد اليوم بالوادي ثم قال لي أبو الحسن المذكور: عدت أبا نصر ابن نباتة في اليوم الذي توفي فيه فأنشدني هذا البيت، وودعته وانصرفت، فأخبرت في طريقي أنه توفي، قال الشيخ أبو غالب: وفي تلك الليلة توفي أبو الحسن المذكور، وقد ذكرت تاريخ ذلك في ترجمة عبد الوهاب [المالكي].

وقال أبو علي محمد بن وشاح بن عبد الله: سمعت أبا نصر ابن نباتة يقول: كنت يوما قائلاً في دهليزي، فدق عليه الباب، فقلت: من فقال: رجلٌ من أهل المشرق، فقلت: ما حاجتك فقال: أنت القائل:

ومن لم يمت بالسيف مات بغيره ... تنوعت الأسباب والداء واحد فقلت: نعم، فقال: أرويه عنك فقلت: نعم، فمضى، فلما كان أخر النهار دق عليه الباب، فقلت: من قال رجل من أهل تاهرت من الغرب، ما حاجتك فقال: أنت القائل:

ومن لم يمت بالسيف ما بغيره ... وتنوعت الأسباب والداء واحد فقلت: نعم، فقال: أرويه عنك فقلت: نعم، وعجبت كيف وصل إلى الشرق والغرب.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف العين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.