تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

فاتك المجنون

أبو شجاع فاتك الكبير المعروف بالمجنون، كان روميا، أخذ صغيرا هو وأخ له وأخت لهما من بلد الروم من موضع قرب حصن يعرف بذي الكلاع، فتعلم الخط بفلسطين، وهو ممن أخذه الإخشيد من سيده بالرملة كرها بلا ثمن، فأعتقه صاحبه، وكان معهم حرا في عدة المماليك، وكان كريم النفس بعيد الهمة شجاعا كثير الإقدام، ولذلك قيل له المجنون، وكان رفيق الأستاذ كافور في خدمة الإخشيد، فلما مات مخدومهما وتقرر كافور في تربية ابن الإخشيد - كما سيأتي في ترجمة كافور إن شاء الله تعالى - أنف فاتك من الإقامة بمصر كيلا يكون كافور أعلى رتبة منه، ويحتاج أن يركب في خدمته، وكانت الفيوم وأعمالها إقطاعا له، فانتقل إليها واتخذها سكنا له، وهي بلاد وبيئة كثيرة الوخم، فلم يصح له بها جسم، وكان كافور يخافه ويكرمه فزعا منه وفي نفسه منه ما فيها، فاستحكمت العلة في جسم فاتك وأحوجته إلى دخول مصر للمعالجة، فدخلها وبها أبو الطيب المتنبي ضيفا للأستاذ كافور، وكان يسمع بكرم فاتك وكثرة سخائه، غير أنه لا يقدر على قصد خدمته خوفا من كافور، وفاتك يسأل عنه ويراسله بالسلام، ثم التقيا في الصحراء مصادفة من غير ميعاد، وجرى بينهما مفاوضات، فلما رجع فاتك إلى داره حمل لأبي الطيب في ساعته هدية قيمتها ألف دينار، ثم أتبعها بهدايا بعدها، فاستأذن المتنبي الأستاذ كافورا في مدحه فأذن له، فمدحه في التاسع من جمادى الآخرة سنة

ثمان وأربعين وثلثمائة بقصيدته المشهورة التي أولها، وهي من غر القصائد:

لاخيل عندك تهديها ولا مالفليسعد النطق إن لم يسعد الحال وما أحسن قوله فيها:

كفاتك ودخول الكاف منقصة ... كالشمس قلت وما للشمس أمثال ثم توفي فاتك المذكور ليلة الأحد عشاء، لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال سنة خمسين وثلثمائة بمصر، فرثاه المتنبي، وكان قد خرج من مصر، بقصيدته التي أولها:

الحزن يقلق والتجمل يردعوالدمع بينهما عصي طيع وما أرق قوله فيها:
إني لأجبن من فراق أحبتيوتحس نفسي بالحمام فأشجع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»
ويزيدني غضب الأعادي قسوةويلم بي عتب الصديق فأجزع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»
تصفو الحياة لجاهل أو غافلعما مضى منها وما يتوقع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»
ولمن يغالط في الحقائق نفسهويسومها طلب المحال فتطمع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»
أين الذي الهرمان من بنيانهما قومه ما يومه ما المصرع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

تتخلف الآثار عن أصحابها ... حينا فيدركها الفناء فتتبع وهي من المراثي الفائقة. ثم عمل بعد خروجه من بغداد يذكر مسيرة من مصر ويرثي فاتكا المذكور، وأنشأها يوم الثلاثاء لتسع خلون من شعبان سنة اثنتين وخمسين وثلثمائة، وأولها:

حتام نحن نساري النجم في الظلموما سراه على خف ولا قدم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حتام نحن نساري النجم في الظلم»

ومنها في ذكر فاتك:

لا فاتك آخر في مصر نقصدهولا له خلف في الناس كلهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حتام نحن نساري النجم في الظلم»
من لا تشابهه الأحياء في شيمأمسى تشابهه الأموات في الرمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حتام نحن نساري النجم في الظلم»
عدمته وكأني سرت أطلبهفما تزيدني الدنيا على العدم وله فيه شيء آخر، رحمه الله تعالى

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الفاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.