تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

عضد الدولة

ديوان عضد الدولة البويهي

ماذا روى «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» عن عضد الدولة البويهي؟

أبو شجاع فناخسرو، الملقب عضد الدولة بن ركن الدولة أبي علي الحسن ابن بويه الديلمي - وقد تقدم تمام نسبه في ترجمة عمه معز الدولة أحمد في حرف الهمزة، فليطلب هناك -، [ولما مرض عمه عماد الدولة بفارس أتاه أخره ركن الدولة واتفقا على تسليم فارس إلى أبي شجاع فناخسرو بن ركن الدولة، ولم يكن قبل ذلك يلقب بعضد الدولة، فتسلمها بعد عمه، ثم تقلب بذلك].

وقد تقدم أيضاً ذكر والده وعمه الأكبر عماد الدولة أبي الحسن علي وابن عمه عز الدولة بختيار بن معز الدولة، وهؤلاء كلهم - مع عظم شأنهم وجلالة أقدارهم - لم يبلغ أحد منهم ما بلغه عضد الدولة من سعة المملكة والاستيلاء على الملوك وممالكهم، فإنه جمع بين مملكة المذكورين كلهم، وقد ذكرت في ترجمة كل واحد منهم ما كان له من المماليك، وضم إلى ذلك الموصل وبلاد الجزيرة وغير ذلك، ودانت له البلاد والعباد ودخل في طاعته كل صعب القياد، وهو أول من خوطب بالملك في الإسلام، وأول من خطب بله على المنابر ببغداد بعد الخليفة، وكان من جملة ألقابه تاج الملة ولما صنف له أبو إسحاق الصابي كتاب التاجي في أخبار بني بويه أضافه إلى هذا اللقب، وقد تقدم خبر هذا الكتاب في ترجمته.

وكان فاضلا محبا للفضلاء مشاركا في عدة فنون، وصنف له الشيخ أبو علي الفارسي كتاب الإيضاح والتكملة في النحو - وقد سبق ذكره في ترجمته - وقصده فحول الشعراء في عصره، ومدحوه بأحسن المدائح، فمنهم أبو الطيب المتنبي، ورد عليه وهو بشيراز في جمادى الأولى سنة أربع وخمسين وثلثمائة، وفيه يقول من جملة قصيدته المشهورة الهائية:

وقد رأيت الملوك قاطبةوسرت حتى رأيت مولاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»
ومن مناياهم براحتهيأمرها فيهم وينهاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»
أبا شجاع بفارس عضد الدولة فناخسرو شهنشاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

أساميا لم تزده معرفة ... وإنما لذة ذكرناها وهذه القصيدة أول شيء أنشده، ثم أنشده في هذا الشهر قصيدته النونية التي ذكر فيها شعب بوان، ومنها قوله:

يقول بشعب بوان حصانيأعن هذا يسار إلى الطعان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
أبوكم آدم سن المعاصيوعلمكم مفارقة الجنان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
فقلت: إذا رأيت أبا شجاعسلوت عن العباد وذا المكان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

فإن الناس والدنيا طريق ... إلى من ماله في الناس ثاني ومدحه بعد ذلك بعدة قصائد، ثم أنشده قصيدته الكافية يودعه فيها ويعده بالعود إلى حضرته، وذلك صدر شعبان من السنة المذكورة، وهي آخر شعر المتنبي فإنه قتل في عوده من عنده كما سبق في ترجمته، ومن جملة هذه القصيدة:

أروح وقد ختمت على فؤاديبحبك أن يحل به سواكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»
وقد حملتني شكرا طويلاثقيلا لا أطيق به حراكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»
أحاذر أن يشق على المطايافلاتمشي بنا إلا سواكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»
لعل الله يجعله رحيلايعين على الإقامة في ذراكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»
فلو أني استطعت خفضت طرفيفلم أبصر به حتى أراكا
وكيف الصبر عنك وقد كفانينداك المستفيض وما كفاكا وما أحسن قوله فيها:
ومن أعتاض عنك إذا افترقناوكل الناس زور ما خلاكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

وما انا غير سهم في هواء ... يعود ولم يجد فيه امتساكا وقصده أيضا أبو الحسن محمد بن عبد الله السلامي - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وكان عين شعراء العراق، وأنشده قصيدته البديعة التي منها:

إليك طوى عرض البسيطة جاعلقصارى المطايا أن يلوح لها القصر
للشاعر أبو الحسن السلامي، اقرأ القصيدة
فكنت وعزمي في الظلام وصارميثلاثة أشباه كما اجتمع النسر
للشاعر أبو الحسن السلامي، اقرأ القصيدة

وبشرت آمالي بملك هو الورى ... ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر وعلى الحقيقة هذا الشعر هو السحر الحلال كما يقال، وقد أخذ هذا المعنى القاضي أبو بكر أحمد الأرجاني - المقدم ذكره - وعمل:

يا سائلي عنه لما جئت أمدحههذا هو الرجل العاري من العار
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «يا سائلي عنه لما جئت أمدحه»
كم من شنوف لطاف من محاسنهعلقن منه على آذان سمار
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «يا سائلي عنه لما جئت أمدحه»

لقيته فرأيت الناس في رجل ... والدهر في ساعة والأرض في دار ولكن أين الثريا من الثرى وهذا المعنى موجود في الشطر الأخير من بيت المتنبي وهو:

هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنى ... ومنزلك الدنيا وانت الخلائق ولكنه ما استوفاه، فإنه ما تعرض إلى ذكر اليوم الذي جعله السلامي هو الدهر، فليس له طلاوة بيت السلامي.

رجعنا إلى ذكر عضد الدولة:

كتب إليه أبو منصور أفتكين التركي متولي دمشق كتابا مضمونه أنه الشام قد صفا وصار في يدي، وزال عنه حكم صاحب مصر، وإن قويتني بالأموال والعدد حاربت القوم في مستقرهم، فكتب عضد الدولة جوابه هذه الكلمات، وهي متشابهة في الخط لا تقرأ إلا بعد الشكل والنقط والضبط، وهي غرك عزك فصار قصار ذلك ذلك، فاخش فاحش فعلك فعلك بهذا تهدا

ولقد أبدع فيها كل الإبداع.

وكان أفتكين المذكور مولى معز الدولة بن بويه فتغلب على دمشق وخرج على العزيز العبيدي صاحب مصر، وقصده بنفسه والتقى جيشاهما، وجرت مقتلة عظيمة بينهما وانكسر أفتكين وهرب، وقطع عليه الطريق دغفل بن الجراح البدوي وحمله إلى العزيز وفي عنقه حبل، فأطلقه وأحسن إليه، وأقام يسيرا، ومات سنة اثنتين وسبعين وثلثمائة، رحمه الله تعالى، يوم الثلاثاء لسبع خلون من رجب.

وكانت لعضد الدولة أشعار، فمن ذلك ما أورده له أبو منصور الثعالبي في كتاب " يتيمة الدهر " وقال: اخترت من قصيدته التي فيها البيت الذي لم يفلح بعده أبياتا، وهي:

ليس شرب الراح إلا في المطروغناء من جوار في السحر
غانيات سالبات للنهىناعمات في تضاعيف الوتر
للشاعر عضد الدولة البويهي، اقرأ القصيدة
مبرزات الكأس من مطلعهاساقيات الراح من فاق البشر
للشاعر عضد الدولة البويهي، اقرأ القصيدة

عضد الدولة وابن ركنها ... ملك الأملاك غلاب القدر فيحكى عنه أنه لما احتضر لم يكن لسانه ينطق إلا بتلاوة: (ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه)، ويقال إنه ما عاش بعد هذه الأبيات إلا قليلا، وتوفي بعلة الصرع في يوم الاثنين ثامن شوال سنة اثنتين وسبعين وثلثمائة ببغداد، ودفن بدار الملك بها، ثم نقل إلى الكوفة ودفن بمشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وعمره سبع وأربعون سنة وأحد عشر شهرا وثلاثة أيام، رحمه الله تعالى.

والبيمارستان العضدي ببغداد منسوب إليه، وهو في الجاني الغربي، وغرم عليه مالا عظيما، وليس في الدنيا مثل ترتيبه، وفرغ من بنائه سنة ثمان وستين

وثلثمائة، وأعد له من الآلات ما يقصر الشرح عن وصفه.

وهو الذي أظهر قبر علي بن أبي طالب ﵁ بالكوفة، وبنى عليه المشهد الذي هناك، وغرم عليه شيئا كثيرا، وأوصى بدفنه فيه، وللناس في هذا القبر اختلاف كثير، حتى قيل إنه قبر المغيرة بن شعبة الثقفي، فإن عليا ﵁ لا يعرف قبره، وأصح ما قيل فيه: إنه مدفون بقصر الإمارة بالكوفة، والله أعلم.

وفناخسرو: بفتح الفاء وتشديد النون وبعد الألف خاء معجمة مضمومة وسين ساكنة وبعدها راء مضمومة ثم واو.

وشعب بوان: بكسر الشين المعجمة وسكون العين المهملة وبعدها باء موحدة، ثم باء ثانية مفتوحة بعدها واو مشددة وبعد الألف نون، وهو موضع عند شيراز كثير الأشجار والمياه [وهو منسوب إلى بوان بن إيران بن الأسود ابن سام بن نوح ﵇] قال أبو بكر الخوارزمي: مستنزهات الدنيا أربعة مواضع: غوطة دمشق ونهر الابلة وشعب بوان وصغد سمرقند، وأحسنها غوطة دمشق، والله أعلم.

فراغ

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الفاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.