تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

كثير عزة

ديوان كثير عزة

ماذا روى «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» عن كثير عزة؟

أبو صخر كثير بن عبد الرحمن بن أبي جمعة الأسود بن عامر بن عويمر الخزاعي، أحد عشاق العرب المشهورين به وقال ابن الكلبي في جمهرة النسب: هو كثير بن عبد الرحمن بن الأسود بن عويمر بن مخلد بن سعيد بن سبيع بن خثعمة بن سعد بن مليح بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، وبقية

النسب معروفة، وربيعة بن حارثة هو لحي، وابنه عمرو بن لحي هو الذي رآه النبي ﷺ يجر قصبه في النار، وهو أول من سيب السوائب وبحر البحيرة وغير دين إبراهيم ﵇، ودعا العرب إلى عبادة الأصنام، وهذا لحي وأخوه أفصى ابنا حارثة هما خزاعة، ومنهما تفرقت، وإنما قيل لهم خزاعة لأنهم انقطعوا عن الأزد لما تفرقت الأزد من اليمن أيام سيل العرم وأقاموا بمكة، وسار الآخرون إلى المدينة والشام وعمان.

وقال ابن الكلبي أيضا قبل هذا بقليل: والأشيم وهو أبو جمعة بن خالد بن عبيد بن مبشر بن رباح، وهو جد كثير بن عبد الرحمن صاحب عزة أبو أمه إليه ينسب].

وهو صاحب عزة بنت جميل بن حفص بن إياس بن عبد العزى بن حاجب ابن غفار بن مليل بن ضمرة [بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة ابن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. وقال السمعاني: جميل ابن وقاص بن حفص بن إياس، والله أعلم]. وله معها حكايات ونوادر وأمور مشهورة، وأكثر شعره فيها.

وكان يدخل على عبد الملك بن مروان وينشده، وكان رافضيا شديد التعصب لآل أبي طالب، حكى ابن قتيبة في " طبقات الشعراء " أن كثيرا دخل يوما على عبد الملك فقال له عبد الملك: بحق علي بن أبي طالب هل رأيت أحدا أعشق منك قال: يا أمير المؤمنين، لو نشدتني بحقك أخبرتك، قال: نشدتك بحقي إلا ما أخبرتني، قال: نعم، بينا أنا أسير في بعض الفلوات إذا أنا برجل قد نصب حبالة، فقلت له: ما أجلسك ها هنا قال: أهلكني وأهلي الجوع، فنصبت حبالتي هذه لأصيد لهم شيئا ولنفسي ما يكفينا ويعصمنا يومنا هذا،

قلت: أرأيت إن أقمت معك فأصبت صيدا تجعل لي منه جزءا قال: نعم، فبينا نحن كذلك إذ وقعت ظبية في الحبالة، فخرجنا نبتدر، فبدرني إليها فحلها وأطلقها، فقلت له: ما حملك على هذا قال: دخلتني لها رقة لشبهها بليلى، وأنشأ يقول:

أيا شبه ليلى لا تراعي فإننيلك اليوم من وحشية لصديق

أقول وقد أطلقتها من وثاقها ... فأنت لليلى ما حييت طليق ولما عزم عبد الملك على الخروج إلى محاربة مصعب بن الزبير ناشدته زوجته عاتكة بنت يزيد بن معاوية أن لا يخرج بنفسه، وأن يستنيب غيره في حربه ولم تزل تلح عليه في المسألة وهو يمتنع من الإجابة، فلما يئست أخذت في البكاء حتى بكى من كان حولها من جواريها وحشمها، فقال عبد الملك: قاتل الله ابن أبي جمعة - يعني كثيرا - كأنه رأى موقفنا هذا حين قال:

إذا ما أراد الغزو لم يثن عزمهحصان عليها نظم در يزينها
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «سيأتي أمير المؤمنين ودونه»

نهته فلما لم تر النهي عاقه ... بكت فبكى مما شجاها قطينها ثم عزم عليها أن تقصر فأقصرت وخرج لقصده.

ويقال إن عزة دخلت على أم البنين ابنة العزيز، وهي أخت عمر ابن عبد العزيز وزوجة الوليد بن عبد الملك: فقالت لها: أرأيت قول كثير:

قضى كل ذي دين فوفى غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها ما كان ذلك الدين قالت: وعدته قبلة فحرجت منها، فقالت أم البنين: أنجزيها وعلي إثمها. [ثم ندمت أم البنين فاستغفرت الله تعالى وأعتقت عن هذه الكلمة أربعين رقبة].

وكان لكثير غلام عطار بالمدينة، وربما باع نساء العرب بالنسيئة، فأعطى عزة وهو لا يعرفها شيئا من العطر، فمطلته أياما، وحضرت إلى حانوته في نسوة فطالبها: فقالت له: حبا وكرامة، ما أقرب الوفاء وأسرعه، فأنشد متمثلا:

قضى كل ذي دين فوفى غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها فقالت النسوة: اتدري من غريمتك قال: لا والله، فقلن: هي والله عزة فقال: أشهدكن الله أنها في حل مما لي قبلها، ثم مضى إلى سيده فأخبره بذلك، فقال كثير: وأنا أشهد الله أنك حر لوجهه، ووهبه جميع ما في حانوت العطر، فكان ذلك من عجائب الاتفاق.

ولكثير في مطالها بالوعد شعر كثير، فمن ذلك قوله:

أقول لها عزيز مطلت دينيوشر الغانيات ذوو المطال
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «عرفت الدار كالخلل البوالي»
فقالت ويح غيرك كيف أقضيغريما ما ذهبت له بمال وله:
وقد زعمت أني تغيرت بعدهاومن ذا الذي يا عز لا يتغير
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أيادي سبا يا عز ما كنت بعدكم»

تغير جسمي والخليقة كالذي ... عهدت ولم يخبر بسرك مخبر ولما قتل يزيد بن المهلب بن أبي صفرة وجماعة من أهل بيته بعقر بابل - وسيأتي خبر ذلك في ترجمته إن شاء الله تعالى - وكانوا يكثرون الإحسان إلى كثير، فلما بلغه ذلك قال: ما أجل الخطب! ضحى بنو حرب بالدين يوم الطف وضحى بنو مروان بالكرم يوم العقر، وأسبلت عيناه بالدموع.

وحدث أبو الفرج الأصبهاني صاحب كتاب " الأغاني " أن كثيرا خرج من عند عبد الملك بن مروان وعليه مطرف، فاعترضته عجوز في الطريق اقتبست نارا في روثة، فتأفف كثير في وجهها، فقالت: من أنت قال: كثير عزة، فقالت: ألست القائل:

فما روضة زهراء طيبة الثرىيمج الندى جثجاثها وعرارها

بأطيب من أردان عزة موهنا ... إذا أوقدت بالمندل الرطب نارها فقال لها كثير: نعم، فقالت: لو وضع المندل الرطب على هذه الروثة لطيب رائحتها، هلا قلت كما قال امرؤ القيس:

ألم ترياني كلما جئت طارقاوجدت بها طيبا وإن لم تطيب فناولها المطرف وقال: استري علي هذا

[وسمعت بعض مشايخ الأدب في زمن اشتغالي بالأدب يقول: إن النصف الثاني من البيت الثاني من تتمة أوصاف الروضة أيضا، فكأنه قال: إن هذه الروضة الطيبة الثرى التي يمج الندى جثجاثها وعرارها إذا أوقدت بالمندل الرطب نارها ما هي بأطيب من أردان عزة وعلى هذا لا يبقى عليه اعتراض، لكنه يبعد أن يكون هذا مقصوده].

وكان كثير ينسب إلى الحمق، ويروى أنه دخل يوما على يزيد بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، ما يعني الشماخ بقوله:

إذا الأرطى توسد أبرديهخدود جوازئ بالرمل عين
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «كلا يومي طوالة وصل أروى»

فقال يزيد: وما يضرني أن لا أعرف ما عنى هذا الأعرابي الجلف واسحمقه وأمر بإخراجه.

ودخل كثير على عبد العزيز بن مروان والد عمر يعوده في مرضه، وأهله يتمنون أن يضحك، وكان يومئذ أمير مصر، فلما وقف عليه قال: لولا أن سرورك لا يتم بأن تسلم وأسقم لدعوت الله ربي أن يصرف ما بك إلى، ولكني أسأل الله تعالى لك العافية ولي في كنفك النعمة، فضحك عبد العزيز، وأنشد كثير:

ونعود سيدنا وسيد غيرناليت التشكي كان بالعواد
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «ونعود سيدنا وسيد غيرنا»

لو كان يقبل فدية لفديته ... بالمصطفى من طارفي وتلادي ومما يستجاد من شعر كثير قصيدته التائية التي يقول من جملتها:

وإني وتهيامي بعزة بعد ماتسليت من وجد بها وتسلت

لكالمرتجي ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت [وقال أبو علي القالي: أنشدنا أبو عبد الله إبراهيم بن عرفة المعروف بنفطويه لكثير:

ألا تلك عزة قد أقبلتتقلب للهجر طرفا غضيضا
تقول مرضت فما عدتنيوكيف يعود مريض مريضا ومن شعره أيضا:
رهبان مدين والذين عهدتهميبكون من حذر العذاب قعودا
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «ولقد لقيت على الدريجة ليلة»

لو يسمعون كما سمعت كلامها ... خروا لعزة ركعا وسجودا] [وبلغ كثيرا أن عزة مريضة وانها تشتاقه فخرج يريدها، فلما صار ببعض الطريق لقيه أعرابي من نهد فقال: يا أبا صخر، أين تريد قال: أريد عزة، قال: فهل رأيت في وجهك شيئا قال: لا، إلا اني رأيت غرابا ساقطا فوق بانة ينتف ريشه، قال: توافي مصر وقد ماتت عزة، فانتهره كثير ثم مضى وعاد كثير إلى مصر فوافاها والناس منصرفون من جنازة عزة فقال:

رأيت غرابا ساقطا فوق بانةينتف أعلى ريشه ويطايره
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «رأيت غرابا ساقطا فوق بانة»
فقلت ولو أني أشاء زجرتهبنفسي للنهدي هل أنت زاجره
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «رأيت غرابا ساقطا فوق بانة»
فقال غراب لاغتراب وفرقةوبان فبين من حبيب تعاشره

فما أعيف النهدي لا در دره ... وازجره للطير لا عز ناصره] وكان كثير بمصر وعزة بالمدينة، فاشتاق إليها فسافر نحوها، فلقيها في الطريق وهي متوجهة إلى مصر، وجرى بينهما كلام يطول شرحه، ثم إنها انفصلت عنه وقدمت إلى مصر، وعاد كثير إلى مصر فوافاها والناس ينصرفون من جنازتها فأتى قبرها وأناخ راحلته عنده، ومكث ساعة، ثم رحل وهو ينشد أبياتا منها:

أقول ونضوي واقف عند قبرهاعليك سلام الله والعين تسفح
وقد كنت أبكي من فراقك حيةفأنت لعمري اليوم أنأى وأنزح
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «سراج الدجى صفر الحشا منتهى المنى»

وأخبارهما كثيرة.

وتوفي كثير عزة في سنة خمس ومائة، رحمه الله تعالى، وروى محمد بن سعد عن الواقدي عن خالد بن القاسم البياضي قال: مات عكرمة مولى ابن عباس وكثير عزة في يوم واحد في سنة خمس ومائة، فرأيتهما جميعا صلي عليهما في موضع واحد بعد الظهر، فقال الناس: مات أفقه الناس وأشعر الناس، وكان موتهما بالمدينة، وقد تقدم ذكر عكرمة والخلاف في تاريخ موته، فلينظر هناك في ترجمته.

وقد تقدم الكلام على الخزاعي.

وكثير: تصغير كثير وإنما صغر لأنه كان حقيرا شديد القصر. وكان إذا دخل على عبد العزيز بن مروان يقول: طأطئ رأسك لئلا يؤذيك السقف، يمازحه بذلك، وكان يلقب زب الذباب لقصره، وقال بعضهم: رأيت كثيرا يطوف بالبيت، فمن أخبرني أن طوله كان أكثر من ثلاثة أشبار فقد كذب.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الكاف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.