تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

كافور الإخشيدي

أبو المسك كافور بن عبد الله الإخشيدي - وقد سبق شيء من خبره في ترجمة فاتك -، وكان كافور عبدا لبعض أهل مصر، ثم اشتراه أبو بكر محمد ابن طغج الإخشيد - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - في سنة اثنتي عشرة وثلثمائة بمصر من محمود بن وهب بن عباس وترقى عنده إلى أن جعله أتابك ولديه. وقال محمد وكيل الأستاذ كافور: خدمت الأستاذ والجراية التي يطلقها ثلاث عشرة جراية في كل يوم، ومات وقد بلغت علي يدي ثلاثة عشر ألفا في كل يوم.

ولما توفي الإخشيد في التاريخ المذكور في ترجمته تولى مملكة مصر والشام ولده الأكبر وهو أبو القاسم أنوجور، ومعناه بالعربي محمود، بعقد الراضي له، وقام كافور بتدبير دولته أحسن قيام إلى أن توفي أنوجور يوم السبت لثمان [وقيل لسبع] خلون من ذي العقدة سنة تسع وأربعين وثلثمائة، وحمل إلى القدس ودفن عند أبيه. وكانت ولادته بدمشق يوم الخميس لتسع خلون من ذي الحجة سنة تسع عشرة وثلثمائة، رحمه الله تعالى. وتولى بعدة أخوه أبو الحسن علي، وملك الروم في أيامه حلب والمصيصة وطرسوس وذلك الصقع أجمع، فاستمر كافور على نيابته وحسن إيالته، إلى أن توفي علي المذكور في سنة خمس وخمسين وثلثمائة، وقيل بل توفي لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة أربع وخمسين،

وكانت ولادته يوم الثلاثاء لأربع بقين من صفر سنة ست وعشرين وثلثمائة بمصر، رحمه الله تعالى.

ثم استقل كافور بالمملكة من هذا التاريخ وأشير عليه بإقامة الدعوة لولد أبي الحسن علي بن الإخشيد، فاحتج بصغر سنة، وركب بالمطارد، وأظهر خلعا جاءته من العراق وكتابا بتكنيته، وركب بالخلع [يوم الثلاثاء لعشر خلون من صفر سنة خمس وخمسين وثلثمائة] وكان وزيره أبا الفضل جعفر بن الفرات - المقدم ذكره -.

وكان كافور يرغب في أهل الخير ويعظمهم، وكان أسود اللون شديد السواد بصاصا، واشتراه الإخشيد بثمانية عشر دينارا على ما نقل، وقد سبق في ترجمة الشريف ابن طباطبا شيء من خبره معه. وكان أبو الطيب المتنبي قد فارق سيف الدولة بن حمدان - المقدم ذكره - مغاضبا له، وقصد مصر وامتدح كافورا بأحسن المدائح، فمن ذلك قوله في أول قصيدة أنشأها له في جمادى الآخرة سنة ست وأربعين وثلثمائة، وقد وصف فيها الخيل ثم قال:

قواصد كافور توارك غيرهومن قصد البحر استقل السواقيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

فجاءت بنا إنسان عين زمانه ... وخلت بياضا خلفها ومآقيا ولقد أحسن في هذا غاية الإحسان. وأنشده أيضا في شوال سنة سبع وأربعين قصيدته البائية التي يقول فيها:

وأخلاق كافور إذا شئت مدحهوإن لم أشأ تملي علي فأكتب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
إذا ترك الإنسان أهلا وراءهويمم كافورا فما يتغرب ومن جملتها:
يضاحك في ذا العيد كل حبيبهحذائي وأبكي من أحب وأندب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
أحن إلى أهلي وأهوى لقاءهموأين من المشتاق عنقاء مغرب
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «حمائم وادي السفحِ إن بلابلا»
فإن لم يكن إلا أبو المسك أو همفإنك أحلى في فؤادي وأعذب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

وكل امرئ يولي الجميل محبب ... وكل مكان ينبت العز طيب [وحكي عن المتنبي أنه قال: كنت إذا دخلت على كافور أنشده يضحك إلي ويبش في وجهي، إلى أن أنشدته:

ولما صار ود الناس خباجزيت على ابتسام بابتسام
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وصرت أشك فيمن أصطفيه ... لعلمي أنه بعض الأنام قال: فما ضحك بعدها في وجهي إلى أن تفرقنا، فعجبت من فطنته وذكائه].

وآخر شيء أنشده في شوال سنة تسع وأربعين ولم يلقه بعدها قصيدته البائية وشابها بطرف من العتب، ومنها:

أرى لي بقربي منك عينا قريرةوإن كان قربا بالبعاد يشاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وهل نافعي أن ترفع الحجب بينناودون الذي أملت منك حجاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
أقل سلامي حب ما خف عنكموأسكت كيما لا يكون جواب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وفي النفس حاجات وفيك فطانةسكوتي بيان عندها وخطاب
للشاعر صالح مجدي، اقرأ القصيدة
وما أنا بالباغي على الحب رشوةضعيف هوى يبغي عليه ثواب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وما شئت إلا أن أدل عواذليعلى أن رأيي في هواك صواب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وأعلم قوما خالفوني فشرقواوغربت أنى قد ظفرت وخابوا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
جرى الخلف إلا فيك أنك واحدوأنك ليث والملوك ذئاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وأنك إن قويست صحف قارئذئابا ولم يخطئ فقال ذباب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وإن مديح الناس حق وباطلومدحك حق ليس فيه كذاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
إذا نلت منك الود فالمال هينوكل الذي فوق التراب تراب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وما كنت لولا أنت إلا مهاجراله كل يوم بلدة وصحاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ولكنك الدنيا إلي حبيبة ... فما عنك لي إلا إليك ذهاب وأقام المتنبي بعد إنشاده هذه القصيدة بمصر سنة لا يلقى كافورا غضبا عليه لكنه يركب في خدمته خوفا منه ولا يجتمع به، واستعد للرحيل في الباطن، وجهز جميع ما يحتاج إليه، وقال في يوم عرفة سنة خمسين وثلثمائة قبل مفارقته مصر بيوم واحد قصيدته الدالية التي هجا كافورا فيها، وفي آخر هذه القصيدة:

من علم الأسود المخصي مكرمةأقومه البيض أم آباؤه الصيد
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
[أم أذنه في يد النحاس داميةأم قدره وهو بالفلسين مردود]

وذاك أن الفحول البيض عاجزة ... عن الجميل فكيف الخصية السود وله فيه أهاج كثيرة تضمنها ديوانه، ثم فارقه بعد ذلك، ورحل إلى عضد الدولة بن بويه بشيراز - حسبما تضمنه ترجمته.

ورأيت في بعض المجاميع قال بعضهم: حضرت مجلس كافور الإخشيدي، فدخل رجل ودعا له وقال في دعائه: أدام الله أيام مولانا، بكسر الميم من أيام، فتحدث جماعة من الحاضرين في ذلك وعابوه عليه، فقام رجل من أوساط الناس وأنشد مرتجلا وهو أبو اسحاق إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن حشيش النجيرمي اللغوي الاخباري كاتب كافور، والذي دعا لكافور ولحن هو أبو الفضل ابن عياش:

لا غرو أن لحن الداعي لسيدناأو غض من دهش بالريق أو بهر
فتلك هيبته حالت جلالتهابين الأديب وبين القول بالحصر
فإن يكن خفض الأيام من غلطفي موضع النصب لا عن قلة النظر
فقد تفاءلت في هذا لسيدناوالفأل مأثورة عن سيد البشر
للشاعر أبو إسحاق النجيرمي، اقرأ القصيدة
بأن أيامه خفض بلا نصبوأن أوقاته صفر بلا كدر وأخبار كافور كثيرة

[ولما كثرت الزلازل بمصر في أيام كافور أنشده محمد بن عاصم قصيدة يقول فيها:

ما زلزلت مصر من سوء يراد بها ... لكنها رقصت من عدله فرحا فأمر له بألف دينار، وقيل إن عطاءه ذلك حث المتنبي على المسير إلى مصر.

ودخل على كافور غلام فقال: ما اسمك قال: كافور، فقال: نعم ما كل من اسمه محمد نبي.

وله مع الشيخ عبد الله بن جابار الصوفي الزاهد شيخ البقاعي، رحمهما الله تعالى، وكان من كبار المشايخ، قصة عجيبة هي من غرر مناقبه، ذكر المسبحي في تاريخه قال: حدثني أبو الدابة كاتب أبي بكر القمي عن أبي الحسن البغدادي قال: وردت إلى مصر مع والدي وأنا صبي دون البلوغ في أيام كافور، وكان أبو بكر المحلي يتولى نفقات مصالحه وخواص خدمه، وقد نتجت بينه وبين أبي مودة، وكان يزوره ويصله، قال: فجاءه ذات يوم فتذاكرا أخبار كافور وطريقته وما هو عليه من الخشوع، فقال أبو بكر لأبي وأنا أسمع: هذا الأستاذ كافور له في كل عيد أضحى عادة، وهي أن يسلم إلي بغلا محملا ذهبا وورقا وجريدة تتضمن أسماء قوم من حد القرافة إلى المنامة وما بينهما، ويمضي معي صاحب الشرطة ونقيب يعرف المنازل، وأطوف من بعد العشاء الآخرة إلى آخر الليل حتى أسلم ذلك إلى من جعل له وتتضمن اسمه الجريدة، وأطوف منزل كل إنسان ما بين رجل وامرأة وأقول: الأستاذ أبو المسك كافور يهنيك بعيدك ويقول لك: اصرف هذا في منفعتك، فادفع إليه ما جعل له، فلما كان في هذا العيد جريت على العادة ورأيته زادني في الجريدة الشيخ أبو عبد الله ابن جابار مائة دينار فأنفقت المال في أربابه ولم يبق إلا الصرة، فجعلتها في كمي

وسرت مع النقيب حتى أتينا منزله بظاهر القرافة، فطرقت الباب فنزل إلينا شيخ عليه أثر السهر فسلمت عليه فلم يرد علي وقال: ما حاجتك قلت: الأستاذ أبو المسك كافور يخص الشيخ بالسلام، فقال: والي بلدنا قلت: نعم، قال: حفظه الله، الله يعلم أنني أدعو له في الخلوات وأدبار الصلوات وللمسلمين بما الله سامعه ومجيبه، قلت: وقد أنفذ معي هذه الصرة وهو يسألك قبولها لتصرفها في مؤونة هذا العيد المبارك فقال: نحن رعيته ونحن نحبه في الله تعالى وما نفسد هذا بعلة، فراجعته القول فتبين لي الضجر في وجهه والقلق والتلهف واستحييت من الله تعالى أن أقطعه عما هو عليه فتركته وانصرفت، قال: فجئت فوجدت الأمير قد تهيأ للركوب وهو ينتظرني فلما رآني قال: هيه يا أبا بكر، فقلت له: أرجو أن يستجيب الله تعالى فيك كل دعوة صالحة دعيت لك في هذه الليلة وفي هذا اليوم الشريف، فقال: الحمد لله الذي جعلني سببا لإيصال الراحة إلى عياله، ثم أخبرته بامتناع ابن جابار فقال: نعم هو بذلك جدير، لم يجر بيننا وبينه معاملة قبل هذا اليوم، ثم قال لي: عد إليه واركب دابة من دواب النوبة فلست أشك فيما لقيت دابتك في هذه الليلة من التعب، ثم امض إليه واطرق بابه فإذا نزل إليك فإنه سيقول: ألم تكن عندنا فلا ترد عليه جوابا ثم استفتح واقرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. إلا تذكرة لمن يخشى. تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى. الرحمن على العرش استوى، له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى). يا ابن جابار، يقول لك كافور: ومن كافور العبد الأسود ومن مولاه ومن الخلق أبقي لأحد مع الله تعالى ملكة أو شركة تلاشى الناس كلهم، ها هنا تدري من معطيك وعلى من رددت أنت ما سألت، هو أرسل إليك يا ابن جابار، ما تفرق بين السبب والمسبب! قال: فركبت وسرت فطرقت منزله فنزل إلى وقال لي مثل لفظ كافور، فأضربت عن الجواب وقرأت طه ثم قلت له ما قال كافور، فبكى ابن جابار وقال: أين ما حملت فأخرجت له الصرة فأخذها وقال: علمنا الأستاذ كيف التصوف، قل له: أحسن الله جزاءك، قال: فعدت إليه فأخبرته فسر بذلك ثم سجد لله تعالى شكرا وقال:

الحمد لله الذي جعلني سببا لإيصال الراحة إلى عبادة، ثم ركب حينئذ].

ولم يزل مستقلا بالأمر بعد أمور يطول شرحها إلى أن توفي يوم الثلاثاء لعشر بقين من جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وثلثمائة بمصر، وقيل إنه توفي يوم الأربعاء، وقيل توفي سنة خمس وخمسين وثلثمائة، وقيل سنة سبع وخمسين [وهو قول القضاعي في كتاب الخطط، والله أعلم، وكذا قال الفرغاني في تاريخه أيضا، رحمه الله تعالى] والأول أصح، ودفن بالقرافة الصغرى، وقبته مشهورة هناك، ولم تطل مدته في الاستقلال على ما ظهر من تاريخ موت علي بن الإخشيد إلى هذا التاريخ.

وكانت بلاد الشام في مملكته أيضا مع مصر وكان يدعى له على المنابر بمكة والحجاز جميعه والديار المصرية وبلاد الشام من دمشق وحلب وأنطاكية وطرسوس والمصيصة وغير ذلك، وكان تقدير عمره خمسا وستين سنة على ما حكاه القرغاني في تاريخه، والله أعلم.

[وكانت أيامه سديدة جميلة، ووقع الخلف فيمن ينصب للأمر بعده، إلى أن تقرر الأمر وتراضت الجماعة بولد أبي الحسن علي بن الإخشيد، وكانت ولاية كافور سنتين وثلاثة أشهر إلا سبعة أيام، وخطب لأبي الفوارس أحمد بن علي بن الإخشيد يوم الجمعة لسبع بقين من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين، وبقية خبرهم مذكورة في ترجمة جده محمد الإخشيد].

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الكاف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.