تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

ابن هانئ الأندلسي

ديوان ابن هانئ الأندلسي

ماذا روى «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» عن ابن هانئ الأندلسي؟

أبو القاسم وأبو الحسن، محمد بن هانىء الأزدي الأندلسي الشاعر المشهور؛ قيل إنه من ولد يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي، وقيل بل هو من ولد أخيه روح بن حاتم - وقد تقدم ذكر يزيد وأخيه روح في ترجمة روح في حرف الراء -؛ وكان أبوه هانئ من قرية من قرى المهدية بأفريقية، وكان شاعرا أديبا، فانتقل إلى الأندلس، فولد له بها محمد المذكور بمدينة إشبيلية ونشأ بها واشتغل، وحصل له حظ وافر من الأدب وعمل الشعر فمهر فيه، وكان حافظا لأشعار العرب وأخبارهم، واتصل بصاحب إشبيلية وحظي عنده، وكان كثير الانهماك في الملاذ متهما بمذهب الفلاسفة، ولما اشتهر عنه ذلك نقم عليه أهل إشبيلية وساءت المقالة في حق الملك بسببه، واتهم بمذهبه أيضا، فأشار الملك عليه بالغيبة عن البلد مدة ينسى فيها خبره، فانفصل عنها وعمره يومئذ سبعة وعشرون عاما.

وحديثه طويل، وخلاصته أنه خرج إلى عدرة المغرب ولقي جوهرا للقائد مولى المنصور - وقد تقدم ذكره وما جرى له عند توجهه إلى مصر وفتحها للمعز - فامتدحه ثم ارتحل إلى يحيى ابني علي - وقد تقدم ذكر جعفر - وكانا بالمسيلة وهي مدينة الزاب، وكانا والييها، فبالغا في إكرامه والإحسان إليه، فنمي خبره إلى المعز أبي تميم معد بن المنصور العبيدي

- وسيأتي ذكره في هذا الحرف إن شاء الله تعالى - فطلبه منهما، فلما انتهى إليه بالغ في الإنعام عليه.

ثم توجه المعز إلى الديار المصرية - كما سيأتي في خبره - فشيعه ابن هانئ المذكور ورجع إلى المغرب لأخذ عياله والالتحاق به، فتجهز وتبعه، فلما وصل إلى برقة أضافه شخص من أهلها، فأقام عنده أياما في مجلس الأنس، فيقال إنهم عربدوا عليه فقتلوه، وقيل خرج من تلك الدار وهو سكران فنام في الطريق وأصبح ميتا ولم يعرف سبب موته، وقيل إنه وجد في سانيه من سواني برقة مخنوقا بتكة سراريله، وكان ذلك في بكرة يوم الأربعاء لسبع ليال بقين من رجب سنة اثنتين وستين وثلثمائة، وعمره ست وثلاثون سنة، وقيل اثنتان وأربعون، رحمه الله تعالى، هكذا قيده صاحب كتابأخبار القيروان وأشار إلى انه في صحبة المعز، وهو مخالف لماذكرته أولا من تشييعه للمعز ورجوعه لأخذ عياله. ولما بلغ المعز وفاته وهو بمصر تأسف عليه كثيرا وقال: هذا الرجل كنا نرجو أن نفاخر به شعراء المشرق فلم يقدر لنا ذلك.

وله في المعز المذكور غرر المدائح ونخب الشعر، فمن ذلك قصيدته النونية التي أولها:

هل من أعقه عالج يبرينأم منهما بقر الحدوج العين
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هل من أعقة عالج يبرين»
ولمن ليال ما ذككنا عهدهامذ كن إلا أنهن شجون
المشرقات كأنهن كواكبوالناعمات كأنهن غصون
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هل من أعقة عالج يبرين»
بيض وما ضحك الصباح، وإنهابالمسك من طرر الحسان لجون
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هل من أعقة عالج يبرين»
أدمى لها المرجان صفحة خدهوبكى عليها اللؤلؤ المكنون
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هل من أعقة عالج يبرين»
أعدى الحمام تأوهي من بعدهافكأنه فيما سجعن رنين
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هل من أعقة عالج يبرين»
بانوا سراعا للهوادج زفرةمما رأين وللمطي حنين
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هل من أعقة عالج يبرين»
فكأنما صبغوا الضحى بقبابهمأو عصفرت فيه الخدود جفون
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هل من أعقة عالج يبرين»
ماذا على حلل الشقيق لو أنهاعن لابسيها في الخدود تبين
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هل من أعقة عالج يبرين»
فلأعطشن الروض بعدهم ولايرويه لي دمع عليه هتون
أأعير لحظ العين بهجة منظروأخونهم إني إذن لخؤون
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هل من أعقة عالج يبرين»
لا الجو جو مشرق ولو اكتسىزهرا، ولا الماء المعين معين
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هل من أعقة عالج يبرين»
لا يبعدن إذ العبير له ثرىوالبان دوح والشموس قطين
أيام فيه العبقري مفوفوالسابري مضاعف موضون
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هل من أعقة عالج يبرين»
والزاغبية شرع والمشرفية لمع والمقربات صفون
والعهد من ظمياء إذ لا قومهاخزر ولا الحرب الزبون زبون
حزني لذاك الجو وهو أسنةوكناس ذاك الخشف وهو عرين
هل يدنيني منه أجرد سابحمرح وجائله النسوع أمون
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هل من أعقة عالج يبرين»
ومهند فيه الفرند كأنهردء له خلف الغرار كمين
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هل من أعقة عالج يبرين»
عضب المضارب مقفر من أعينلكنه من أنفس مسكون
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هل من أعقة عالج يبرين»
قد كلن رشح حديده أجلا، وماصاغت مضاربه الرقاق قيون
وكأنما يلقى الضريبة دونهبأس المعز أو اسمه المخزون ومنها في صفة الخيل:
وصواهل لا الهضب يوم مغارهاهضب ولا البيد الحزون حزون
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هل من أعقة عالج يبرين»
عرفت بساعة سبقها، لا أنهاعلقت بها يوم الرهان عيون
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هل من أعقة عالج يبرين»
وأجل علم البرق فيها أنهامرت بجانحتيه وهي ظنون
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هل من أعقة عالج يبرين»
في الغيث شبه من نداك كأنمامسحت على الأنواء منك يمين
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هل من أعقة عالج يبرين»

وهذه القصيدة من قصائده الطنانة، ولولا طولها لأوردتها كلها.

[وله أيضا:

والله لولا أن يسفهني الهوىويقول بعض القائلين تصابى
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «أحبب بتياك القباب قبابا»

لكسرت دملجها بضيق عناقه ... ورشفت من فيها البرود رضابا] وفي هذا الأنموذج دلالة على علو درجته وحسن طريقته. وديوانه كبير، ولولا ما فيه من الغلو في المدح والإفراط المفضي إلى الكفر لكان من احسن الدواوين، وليس في المغاربة من هو في طبقته: لا من متقدميهم ولا من متأخريهم، بل هو أشعرهم على الإطلاق، وهو عندهم كالمتنبي عند المشارقة، وكانا متعاصرين، وإن كان في المتنبي مع أبي تمام من الاختلاف مافيه.

وما زلت أتطلب تاريخ وفاة ابن هانيء المذكور من التواريخ والمظان التي يطلب منها فلا أجده، وسألت عنه خلقا كثيرا من مشايخ هذا الشأن فلم أجده، حتى ظفرت به في كتاب لطيف لأبي علي الحسن بن رشيق القيرواني سماه قراضة الذهب فألفيته كما هو مذكور هاهنا، ونقلت مدة عمره من موضع آخر رأيت بعض الأفاضل قد اعتنى بأحواله فجمعها وكتبها في أول ديوانه، وذكر مدة العمر، ولم يذكر تاريخ الوفاة لأنه ماعثر عليه.

ويقال إن أبا العلاء المعري كان إذا سمع شعر ابن هانئ يقول: ما أشبهه إلا برحى تطحن قرونا، لأجل القعقعة التي في ألفاظه، ويزعم أنه لاطائل تحت تلك الألفاظ، ولعمري ما أنصفه في هذا المقال، وما حمله على هذا فرط تعصبه للمتنبي، وبالجملة فما كان إلا من المحسنين في النظم، والله أعلم.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.