من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
أبو بكر ابن زهر
أبو بكر محمد بن أبي مروان عبد الملك بن أبي العلاء زهر بن أبي مروان عبد الملك بن أبي بكر محمد بن مروان بن زهر الإيادي الأندلسي الإشبيلي؛ كان من أهل بيت كلهم علماء رؤساء حكماء وزراء، نالوا المراتب العلية وتقدموا عند الملوك ونفذت أوامرهم.
قال الحافظ أبو الخطاب ابن دحية في كتابه المسمى " المطرب من أشعار أهل المغرب ": وكان شيخنا أبو بكر - يعني ابن زهر المذكور - بمكان من اللغة مكين، ومورد من الطب عذب معين، كان يحفظ شعر ذي الرمة، وهو ثلث لغة العرب مع الإشراف على جميع أقوال أهل الطب والمنزلة العليا عند أصحاب المغرب، مع سمو النسب، وكثرة الأموال والنشب، صحبته زمانا طويلا، واستفدت منه أدبا جليلا.
وأنشد من شعره:
وموسدين على الأكف خدودهمقد غالهم نوم الصباح وغالني
ما زلت أسقيهم وأشرب فضلهمحتى سكرت ونالهم ما نالني
والخمر تعلم حين تأخذ ثارها ... أني أملت إناءها فأمالني ثم قال: سألته عن مولده فقال: ولدت سنة سبع وخمسمائة، وبلغني وفاته
في آخر سنة خمس وتسعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى؛ انتهى كلام ابن دحية.
قلت أنا: وقد ألم ابن زهر المذكور في هذه الأبيات بقول الرئيس أبي غالب عبيد الله بن هبة الله بن الاصباغي وهو:
عقرتهم مشمولة لو سالمتشرابها ما سميت بعقار
ذكرت حقائدهم القديمة إذ غدتصرعى تداس بأرجل العصار
لانت لهم حتى انتشوا وتمكنت ... منهم، وصاحت فيهم بالثار ومن المنسوب إليه أيضا في كتاب جالينوس الحكيم المسمىحيلة البرء - وهو من أجل كتبهم وأكبرها - قوله:
حيلة البرء صنفت لعليليترجى الحياة أو لعليله
فإذا جاءت المنية قالت: ... حيلة البرء ليس في البرء حيله ومن شعر ابن زهر أيضا يتشوق ولدا له صغيرا:
ولي واحد مثل فرخ القطاصغير تخلف قلبي لديه
نأت عنه داري فيا وحشتالذاك الشخيص وذاك الوجيه
تشوقني وتشوقتهفيبكي علي وأبكي عليه
لقد تعب الشوق ما بيننافمنه إلي ومني إليه وله وقد شاخ وغلب الشيب:
إني نظرت إلى المرآة إذ جليتفانكرت مقلتاي كل ما رأتا
رأيت فيها شييخا لست أعرفهوكنت أعهده من قبل ذاك فتى
فقلت: أين الذي بالأمس كان هنامتى ترحل عن هذا المكان متى
فاستضحكت ثم قالت وهي معجبة:إن الذي أنكرته مقلتاك أتى
كانت سليمى تنادي يا أخي وقدصارت سليمى تنادي اليوم يا أبتا
والبيت الأخير من هذه الأبيات ينظر إلى قول الأخطل الشاعر المشهور:
وإذا دعونك عمهن فإنهنسب يزيدك عندهن خبالا
وإذا دعونك يا أخي فإنه ... أدنى وأقرب خلة ووصالا وأوصى أنه إذا مات يكتب على قبره هذه الأبيات، وفيها إشارة إلى طبه ومعالجته للناس، وهي:
تأمل بحقك يا واقفاولاحظ مكانا دفعنا إليه
تراب الضريح على وجنتيكأني لم أمش يوما عليه
أداوي الأنام حذار المنون ... وها أنا قد صرت رهنا لديه وهذه المقاطيع إنما أخذتها من أفواه العلماء منسوبة إلى ابن زهر المذكور، والله أعلم بصحتها، والعهدة عليهم في نقلها.
وقال ابن دحية أيضا في حقه: والذي انفرد به شيخنا وانقادت لتخيله طباعه وصارت النبهاء فيه خوله وأتباعه، الموشحات، وهي زبدة الشعر ونخبته وخلاصة جوهره وصفوته، وهي من الفنون التي أغربت بها أهل المغرب على أهل المشرق، وظهروا فيها كالشمس الطالعة والضياء المشرق؛ وأورد له موشحا حسنا.
وقال في حق جده أبي العلاء زهر: إنه كان وزير ذلك الدهر وعظيمه، وفيلسوف ذلك العصر وحكيمه، وتوفي ممتحنا من نغلة بين كتفيه سنة خمس وعشرين وخمسمائة بمدينة قرطبة.
ثم قال في حق جد أبيه عبد الملك: إنه رحل إلى المشرق، وبه تطبب زمانا طويلا، وتولى رياسة الطب ببغداد ثم بمصر ثم بالقيروان، ثم استوطن
مدينة دانية وطار ذكره منها إلى أقطار الأندلس والمغرب، واشتهر بالتقدم في علم الطب حتى بذ أهل زمانه، ومات بمدينة دانية.
ثم قال في حق جد جده محمد بن مروان: إنه كان عالما بالرأي حافظا للأدب، ففيها حاذقا بالفتوى مقدما في الشورى، متفننا في الفنون، وسيما فاضلا، جمع الرواية والدراية، توفي بطلبيرة سنة اثنتين وعشرين وأبعمائة، وهو ابن ست وثمانين سنة، حدث عنه جماعة من العلماء الأندلسيين ووصفوه بالدين والفضل والجود والبذل، رحمه الله تعالى.
وقد تقدم الكلام على الإيادي وعلى طلبيرة فلا حاجة إلى الإعادة.
وزهر: بضم الزاي وسكون الهاء وبعدها راء.
وذكر عماد الدين الكاتب في كتاب الخريدة لأبي الطيب ابن البزاز في بعض بني زهر وكنيته أبو زيد، ولم يذكر اسمه، قوله:
قل للوبا انت وابن زهرجاوزتما الحد في النكاية
ترفقا بالورى قليلا ... فواحد منكما كفايه ثم وجدت هذين البيتين لأبي بكر أحمد بن محمد الأبيض، وأنه توفي سنة أربع وأربعين وخمسمائة رحمه الله تعالى، والله أعلم.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع