تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

ابن حيوس الشاعر

أبو الفتيان محمد بن سلطان بن محمد بن حيوس بن محمد المرتضى بن محمد بن الهيثم بن عدي بن عثمان الغنوي الملقب مصطفى الدولة، الشاعر المشهور؛ كان يدعى بالأميرلأن أباه كان من أمراء العرب، وهو أحد الشعراء الشاميين المحسنين ومن فحولهم المجيدين، له ديوان شعر كبير. لقي جماعة من الملوك والأكابر ومدحهم وأخذ جوائزهم، وكان منقطعا إلى بني مرداس أصحاب حلب - ذكر الجوهري في الصحاح في فصل ردس المرداس: حجر يرمى به في البئر ليعلم أفيها ماء أم لا، وبه سمي الرجل - وله فيهم القصائد الأنيقة.

وقضيته مشهورة مع الأمير جلال الدولة وصمامها أبي المظفر نصر بن محمود بن سبل الدولة نصر صالح بن مرداس الكلابي صاحب حلب، فإنه كان قد مدح أباه محمود بن نصر فأجازه ألف دينار، فلما مات وقام مقامه ولده نصر المذكور قصده ابن حيوس المذكور بقصيدته الرائية يمدحه بها ويعزيه عن أبيه، وهي:

كفى الدين عزا ماقضاه لك الدهرفمن كان ذا نذر فقد وجب النذر ومنها:
ثمانية لم تفترق مذ جمعتهافلا افترقت ماذب عن ناظر شفر
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «كفى الدين عزا ما قضاه لك الدهر»

يقينك والتقوى، وجودك والغنى، ... ولفظك والمعنى وعزمك والنصر يذكر فيها وفاة أبيه وتوليته الأمر من بعده بقوله:

صبرنا على حكم الزمان الذي سطاعلى أنه لولاك لم يكن الصبر
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «كفى الدين عزا ما قضاه لك الدهر»
غزانا ببؤس لا يماثلها الأسىتقارن نعمى لا يقوم بها الشكر ومنها:
تباعدت عنكم حرفة لا زهادةوسرت إليكم حين مسني الضر
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «كفى الدين عزا ما قضاه لك الدهر»
فلاقيت ظل الأمن ماعنه حاجزيصد، وباب العز ما دونه ستر
وطال مقامي في غسار جميلكمفدامت معاليكم ودام لي الأسر
وأنجز لي رب السموات وعدة الكريم بأن العسر يتبعه اليسر
فجاد ابن نصر لي بألف تصرمتوإني عليم أن سيحلفه نصر
لقد كنت مأمورا ترجى لمثلهافكيف وطوعا أمرك النهي والأمر
وما بي إلى الإلحاح والحرص حاجةوقد عرف المبتاع وانفصل السعر
واني بآمالي لديك مخيموكم في الورى ثاو وآماله سفر
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «كفى الدين عزا ما قضاه لك الدهر»

وعندك ما أبغي بقولي تصنعا ... بأيسر ما توليه يستبعد الحر فلما فرغ من إنشادها قال الأمير نصر: والله لوقال عوض قولهسيحلفها نصر: سيضعفها نصر، لأضعفتها له، وأعطاه ألف دينار في طبق فضة.

وكان قد اجتمع على باب الأمير نصر المذكور جماعة من الشعراء، وامتدحوه وتأخرت صلته عنهم، ونزل بعد ذلك الأمير نصر إلى دار بولص النصراني، وكانت له عادة بغشيان منزله، وعقد مجلس الأنس عنده، فجاءت الشعراء الذين

تأخرت جوائزهم إلى باب بولص، وفيهم أبو الحسن أحمد بن محمد بن الدويدة المعري الشاعر المعروف، فكتبوا ورقة فيها أبيات اتفقوا على نظمها، وقيل بل نظمها ابن الدويدة المذكور، وسيروا الورقة إليه، والأبيات المذكورة هي:

على بابك المحروس منا عصابةمفاليس فانظر في أمور المفاليس
وقد قنعت منك الجماعة كلهابعشر الذي أعطيته لابن حيوس

وما بيننا هذا التفاوت كله ... ولكن سعيد لايقاس بمنحوس فلما وقف عليه الأمير نصر اطلق لهم مائة دينار، فقال: والله لو قالوا بمثل الذي أعطيته لابن حيوس لأعطيتهم مثله.

وذكر العماد في الخريدة أن هذه الأبيات لأبي سالم عبد الله بن أبي الحسن أحمد بن محمد بن الدويدة وأنه كان يعرف بالقاق، والله أعلم.

وكان الأمير نصر سخيا واسع العطاء، ملك حلب بعد وفاة أبيه محمود في سنة سبع وستين وأربعمائة، ولم تطل مدته حتى ثار عليه جماعة من جنده فقتلوه في ثاني شوال سنة ثمان وستين وأربعمائة - وقد ذكر جد أبيه صالح بن مرداس في حرف الصاد -.

وقدم ابن حيوس حلب في شوال سنة اربع وستين وأربعمائة، وداره بها هي الدار المعروفة الآن بالأمير علم الدين سليمان بن حيدر.

ومن محاسن شعر ابن حيوس القصيدة اللامية التي مدح بها أبا الفضائل سابق

ابن محمود وهو أخو الأمير نصر المذكور، ومن مديحها قوله:

طالما قلت للمسائل عنكمواعتمادي هداية الضلال
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «ضل من يستزير طيف الخيال»

إن ترد علم حالهم عن يقين ... فالقهم في مكارم أو نزال تلق بيض الأعراض سود مثار النقع خضر الأكناف حمر النصال ... وما أحسن هذا التقسيم الذي اتفق له، وقد ألم فيه بقول أبي سعيد محمد بن محمد بن الحسين الرستمي الشاعر المشهور من جملة قصيدة يمدح بها الصاحب بن عباد - المقدم ذكره في حرف الهمزة - وهي من فاخر الشعر، وذلك قوله:

من النفر العالين في السلم والوغىوأهل المعالي والعوالي وآلها

إذا نزلوا اخضر الثرى من نزولهم ... وإن نازلوا احمر القنا من نزالها هذا والله الشعر الخالص الذي لايشوبه شيء من الحشو.

وكان ابن حيوس المذكور قد أثرى وحصلت له نعمة ضخمة من بني مرداس، فبنى دارا بمدينة حلب وكتب على بابها من شعره:

دار بنيناها وعشنا بهافي نعمة من آل مرداس
للشاعر ابن أبي حصينة، اقرأ القصيدة
قوم نفوا بؤسي ولم يتركواعلى للأيام من باس

قل لبني الدنيا ألا هكذا ... فليصنع الناس مع الناس وقيل: إن هذه الأبيات للأمير الجليل أبي الفتح الحسن بن عبد الله بن عبد الجبار، المعروف بابن أبي حصينة الحلبي، وهو الصحيح.

ومن غرر قصائده السائرة قوله:

هو ذلك ربع المالكية فاربعواسأل مصيفا عافيا عن مربع
واستق للدمن الخوالي بالحمىغر السحائب واعتذر عن أدمعي
فلقد فنين أمام دان هاجرفي قربه، ووراء ناء مزمع
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «هو ذاك ربع المالكية فاربع»
لو يخبر الركبان عني حدثواعن مقلة عبرى وقلب موجع
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «هو ذاك ربع المالكية فاربع»
ردي لنا زمن الكثيب فإنهزمن متى يرجع وصالك يرجع
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «هو ذاك ربع المالكية فاربع»
لو كنت عالمة بأدنى لوعتيلرددت أقصى نيلك المسترجع
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «هو ذاك ربع المالكية فاربع»

بل لو قنعت من الغرام بمظهر ... عن مضمر بين الحشى والأضلع أعتبت إثر تعتب، ووصلت غب تجنب، وبذلت بعد تمنع ...

ولو أنني أنصفت نفسي صنتهاعن أن اكون كطالب لم ينجح ومنها:
إني دعوت ندى الكرام فلم يجبفلأشكرن ندى أجاب وما دعي
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «هو ذاك ربع المالكية فاربع»
ومن العجائب، والعجائب جمة،شكر بطيء عن ندى متسرع ومن شعره أيضا:
قفوا في القلى حيث انتهيتم تذمماولا تقتفوا من جار لما تحكما
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «قفوا في القلى حيث انتهيتم تذمما»
أرى كل معوج المودة يصطفىلديكم ويلقى حتفه من تقوما
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «قفوا في القلى حيث انتهيتم تذمما»
فإن كنتم لم تعدلوا إذ حكمتمفلا تعدلوا عن مذهب قد تقدما
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «قفوا في القلى حيث انتهيتم تذمما»
حنى الناس من قبل القسي لتقنىوثقف منآد القنا ليقوما
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «قفوا في القلى حيث انتهيتم تذمما»
وما ظلم الشيب الملم بلمتيوإن بزني حظي من الظلم واللمى
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «قفوا في القلى حيث انتهيتم تذمما»
ومحجوبة عزت وعز نظيرهاوإن أشبهت في الحسن والعفة والدمى
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «قفوا في القلى حيث انتهيتم تذمما»
أعنف فيها صبوة قط ما ارعوتوأسأل عنها معلما ما تكلما
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «قفوا في القلى حيث انتهيتم تذمما»
سلي عنه تخبر عن يقين دموعهولا تسألي عن قلبه أين يمما
فقد كان لي عونا على الصبر برهةوفارقني أيام فارقتم الحمى
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «قفوا في القلى حيث انتهيتم تذمما»
فراق قضى أن لا تأسي بعد أنمضى منجدا صبري وأوغلت متهما
وفجعة بين مثل صرعة مالكويقبح بي أن لا أكون منكما
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «قفوا في القلى حيث انتهيتم تذمما»
خليلي إن لم تسعداني على الأسىفلا أنتما مني ولا انا منكما
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «قفوا في القلى حيث انتهيتم تذمما»
وحسنتما لي سلوة وتناسياولم تذكرا كيف السبيل إليهما
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «قفوا في القلى حيث انتهيتم تذمما»
سقى الله أيام الصبا كل هاطلملث إذا ماالغيث أثجم أنجما
وعيشا سرقناه برغم رقيبناوقد مل من طول السهاد فهو ما وهي طويلة

وحكى الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق قال: أنشدنا أبو القاسم علي بن إبراهيم العلوي من حفظه سنة سبع وخمسمائة قال: أخذ الأمير أبو الفتيان بن حيوس بيدي ونحن بحلب وقال: اروعني هذا البيت وهو في شرف الدولة مسلم بن قريش:

أنت الذي نفق الثناء بسوقه ... وجرى الندى بعروقه قبل الدم وهذا البيت في غاية المدح؛ وقد تقدم في ترجمة أبي بكر بن الصائغ الأندلسي ذكر الأبيات النونية، وكونها منسوبة إليه، وهي موجودة في ديوان ابن حيوس المذكور، والله اعلم بجلية الحال فيها.

وكان أبو عبد الله أحمد بن محمد بن الخياط الشاعر - المقدم ذكره - قد وصل إلى حلب في بعض شهور سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة، وبها يؤمئذ أبو الفتيان المذكور فكتب إليه ابن الخياط المذكور قوله:

لم يبق عندي ما يباع بدرهموكفاك مني منظري عن مخبري

إلا بقية ماء وجه صنتها ... عن أن تباع وأين أين المشتري فقال: لو قال " وأنت نعم المشتري " لكان أحسن.

وكانت ولادة ابن حيوس يوم السبت سلخ صفر سنة أربع وتسعين وثلثمائة بدمشق، وتوفي في شعبان سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة بحلب. وهو شيخ أبي عبد الله أحمد بن محمد المعروف بابن الخياط الشاعر المشهور وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمته.

وحيوسك بالحاء المهملة المفتوحة والياء المشددة المثناة من تحتها المضمومة والواو الساكنة وبعدها سين مهملة.

وفي شعراء المغاربة ابن حبوس مثل الأول، ولكن بالباء الموحدة المخففة، وإنما ذكرته لئلا يتصحف على كثير من الناس بابن حيوس. ورأيت خلقا كثيرا يتوهمون أن المغربي يقال له ابن حيوس ايضا، وهو غلط، والصواب ما ذكرته، والله تعالى أعلم.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.