من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
الوزير ابن الزيات (٢)
كان شاعراً مجيداً وفاضلاً نبيلاً، وزر لثلاثة خلفاء من بني العباس وهم: المعتصم والواثق والمتوكل، وكان سبب وزارته ما حكى الصولي عن سعيد بن سلم قال: ورد كتاب من الجبل عن المعتصم بوصف خصب السنة وكثرة الكلأ فقال لأحمد بن عمار: ما الكلأ فلم يعرفه، فدعا ابن عبد الملك وسأله عنه فقال: ما رطب من النبات فهو كلأ، وإذا جف فهو حشيش، ويسمى أول ما ينبت الرطب والبقل، فقال لأحمد: أنت انظر في الأمور والدواوين والأعمال، وهذا يعرض علي، فعرض عليه أياماً ثم استوزره؛ وكان محمد
المذكور قبل ذلك يلي أمور المطبخ والفرش.
وكان الواثق لما ولي أمر أن يقوم جميع الناس لابن الزيات، ولم يجعل في ذلك رخصة لأحد، فكان ابن أبي داود يستعجل صلاة الضحى إذا أحس بقدومه أنفة من القيام له في دار السلطان، وامتثالاُ للأمر، فصنع ابن الزيات:
صلى الضحى لما استقاد عداوتيوأراه ينسك بعدها ويصوم
لا تأمنن عداوة مسمومةتركتك تقعد تارة وتقوم وقد سبق شيء من خبره معه في ترجمته
ومن شعر محمد المذكور في جارته أم ابنه عمر، وقد ماتت:
يقول لي الخلان لو زرت قبرهافقلت وهل غير الفؤاد لها قبر
على حين لم أحدث فاجهل فقدها ... ولم أبلغ السن التي معها الصبر وشعره كله نخب، ونقتصر منه على هذا القدر ففيه كفاية.
وكان أبوه زياتاً إلا انه كان كثير المال؛ وكان محمد المذكور شديد القسوة صعب العريكة لا يرق لأحد ولا يرحمه، وكان يقول: الرحمة خور في الطبيعة، ووقع يوماً على رقعة رجل توسل إليه بقرب الجوار منه: الجوار للحيطان، والتعطف للنسوان.
فلما أراد المتوكل قتله أحضره وأحضر تنور خشب فيه مسامير من حديد أطرافها إلى داخل التنور تمنع من يكون فيه من الحركة، كان محمد اتخذه ليعذب فيه من يطالبه - وهو أول من عمل ذلك وعذب فيه ابن أسباط المصري - وقال: أجرينا فيك حكمك في الناس، فاجلس فيه، فمات بعد ثلاث وذلك في سنة ثلاثة وثلاثين ومائتين؛ وقيل إنه كتب في التنور بفحمه:
من له عهد بنوميرشد الصب إليه
رحم الله رحيماً ... دل عيني عليه ودفن لم يعمق قبره فنبشته الكلاب وأكلته، رحمه الله تعالى.
وكان الجاحظ منقطعاً إليه فخاف أن يؤخذ مع أسبابه، فغاب وكان يقول: كدت أكون. وحكى ابن أبي العيناء قال: كنت عند ابن أبي داود بعد قتل ابن الزيات فجيء بالجاحظ مقيداً وكان في أسبابه وناحيته، وعند ابن أبي محمد بن منصور، وهو إذ ذاك يلي قضاء فارس وخورستان، فقال ابن أبي داواد للجاحظ، ما تأويل هذه الآية " وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة، إن أخذه أليم شديد ". هود: - فقال: تلاوتها تأويلها أعز الله القاضي، فقال: جيئوا بحداد، فقال اعز الله القاضي، ليفك عني أو ليزيدني فقال: بل ليفك عنك، فجيء بالحداد وغمره بعض أهل المجلس أن يعنف بساق الجاحظ ويطيل أسره قليلاً، ففعل، فلطمه الجاحظ وقال: اعمل عمل شهر في يوم وعمل يوم في ساعة وعمل ساعة في لحظة، فإن الغرر على ساقي وليس يجذع ولا ساجة، فضحك ابن أبي داود وأهل المجلس منه، وقال ابن أبي داود لمحمد بن منصور: أنا أثق بظرفه ولا أثق بدينه.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع