من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
عميد الملك الكندري
ماذا روى «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» عن عميد الملك الكندري؟
أبونصر محمد بن منصور بن محمد، الملقب عميد الملك الكندري؛ كان من رجال الدهر جوداً وسخاء وكتابة وشهامة، واستوزره السلطان طغرلبك السلجوقي - المقدم ذكره - ونال عنده الرتبة العالية والمنزلة الجليلة، ولم يكن أحد من أصحابه معه كلام، وهو أول وزير كان لهذه الدولة، ولم تكن له منقبة إلا صحبة إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك ابن الشيخ أبي محمد الجويني الفقيه الشافعي صاحب " نهاية المطلب " على ما ذكره المسعاني في ترجمة أبي المعالي في كتاب " الذيل " فإنه قال - بعد الإطناب في وصف إمام الحرمين وذكر تنقله في البلاد - ثم قال: وخرج إلى بغداد وصحب العميد الكندري أبا نصر مدة يطوف معه ويلتقي في حضرته بالأكابر من العلماء ويناظرهم، وتحنك بهم حتى تهذب في النظر، وشاع ذكره.
وذكره شيخنا ابن الأثير في تاريخه في سنة ست وخمسين وأربعمائة وقال: إن الوزير المذكور كان شديد التعصب على الشافعية كثير الوقيعة في الشافعي، ﵁، حتى بلغ من تعصبه أنه خاطب السلطان ألب أرسلان السلجوقي في لعن الرافضة على منابر خراسان، فأذن في ذلك، فلعنهم وأضاف إليهم الأشعرية، فانف من ذلك أئمة خراسان، منهم أبو القاسم القشيري وإمام الحرمين الجويني وغيرهما، ففارقوا خراسان، وأقام إمام الحرمين بمكة شرفها الله تعالى أربع سنين يدرس ويفتي، فلهذا قيل له إمام الحرمين فلما جاءت الدولة
النظامية أحضر من انتزح منهم وأكرمهم وأحسن إليهم؛ وقيل إنه تاب عن الوقيعة في الشافعي، فإن صح فقد أفلح.
وكان عميد الملك ممدحاً مقصداً للشعراء، مدحه جماعة من أكابر شعراء عصره، منهم أبو الحسن الباخرزي - المقدم ذكره - والرئيس أبو منصور علي بن الحسين بن علي بن الفضل، الكاتب المعروف بصردر - المقدم ذكره أيضاً - وفيه يقول قصيدته النونية، وهي:
أكذا يجازى ود كل قرينأم هذه شيم الظباء العين
قصوا علي حديث من قتل الهوىإن التأسي روح كل حزين
ولئن كتمتم مشفقين لقد درىبمصارع العذري والمجنون
فوق الركاب ولا أطيل مشبهابل ثم شهوة أنفس وعيون
هزت قدوهدهم وقالت للصباهزؤاً عند البان مثل غصوني
ووراء ذياك المقبل موردحصباؤه من لؤلؤ مكنون
إما بيوت النحل بين شفاههممنظومة أو حانة الزرجون
ترمي بعينيك الفجاج مقلباًذات الشمال بها وذات يمين
لو كنت زرقاء اليمامة ما رأتمن بارق حياً على جيرون
شكواك من ليل التمام وإنماأرقي بليل ذوائب وقرون
ومعنف في الوجد قلت له اتئدفالدمع دمعي والحنين حنيني
ما نافعي إذ كان ليس بنافعيجاه الصبا وشفاعة العشرين
لا تطرقن خجلاً للومة لائمما أنت أول حازم مفتون
أأسومهم، وهم الأجانب، طاعةوهواي بين جوانحي يعصيني
ديني على ظبياته ما يقتضىفبأي حكم يقتضون رهوني
وخشيت من قلبي الفرار إليهمحتى لقد طالبته بضمين
كل النكال أطيق إلا ذلةإن العزيز عذابه بالهون
يا عين مثل قذاك رؤية معشرعار على دنياهم والدين
لم يشبهوا الإنسان إلا أنهممتكونون من الحما المسنون
نجس العيون فإن رأيتهم مقلتيطهرتها فنزحت ماء جفوني
أنا إن هم حسبوا الذخائر دونهموهم إذا عدوا الفضائل دوني
لا يشمت الحساد أن مطامعيعادت إلي بصفقة المغبون
ما يستدير البدر إلا بعدماأبصرته في الضمر كالعرجون
هذا الطريق اللحب زاجر ناقتيواليم قاذف فلكي المشحون
فإذا عميد الملك حلى ربعهظفراً بفأل الطائر الميمون
ملك إذا ما العزم حث جيادهمرحت بأزهر شامخ العرنين
بأغر ما أبصرت نور جبينهإلا اقتضاني بالسجود جبيني
تجلو النواظر في نواحي دستهوالسرج بدر دجى وليث عرين
عمت فضائله البرية فالتقىشكر الغني ودعوة المسكين
قالوا وقد شنوا عليه غارةأصلات جود أم قضاء ديون
لو كان في الزمن القديم تظلمتمنه الكنوز إلى يدي قارون
أما خزائن ماله فمباحةفاستوهبوا من علمه المخزون
ما الرزق محتاجاً بعرصته إلىطلب وليس الأجر بالمنون
أقسمت أن ألقى المكارم عالماًأني برؤيته أبر يميني
ساس الأمور فليس يخلي رغبةمن رهبة، وبسالة من لين
كالسيف رونق أثره في متنهومضاؤه في حده المسنون
شهدت علاه أن عنصر ذاتهمسك وعنصر غيره من طين
وكان إنشاده إياه هذه القصيدة عند وصول عميد الملك إلى العراق، وهو في دست وزارته وعلو منصبه، وهذه القصيدة من الشعر الفائق المختار وقد أثبتها بكمالها ما خلا ثلاثة أبيات فإنها لم تعجبني فأهملتها، وقد وازن هذه القصيدة جماعة من الشعراء منهم ابن التعاويذي - المقدم ذكره - وازنه بقصيدته التي أولها:
إن كان دينك في الصبابة ديني ... فقف المطي برملتي يبرين وهي القصيدة النادرة، وأرسلها من العراق إلى الشام ممتدحاً بها السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى، ولولا خوف الإطالة لأثبتها، ثم ذكرتها في ترجمة صلاح الدين يوسف بن أيوب فتطلب هناك؛ ووازنه أيضاً ابن المعلم - المقدم ذكره - بقصيدته التي أولها:
ما وقفة الحادي على يبرين ... وهو الخلي من الظباء العين وهي أيضاً قصيدة جيدة، وقد ذكرت بعضها في ترجمته، وقد وازنها الأبله أيضاً، وبالجملة فما قاربها إلا ابن التعاويذي، وقد خرجنا عن المقصود، ولكن انتشر الكلام فلم يكن بد من استيفائه.
ولم يزل عميد الملك في دولة طغرلبك عظيم الجاه والحرمة، إلى أن توفي طغرلبك - في التاريخ المذكور في ترجمته - وقام في المملكة ابن أخيه ألب أرسلان - المقدم ذكره - فأقره على حاله وزاد في إكرامه ورتبته، ثم إنه سيره إلى خوارزم شاه ليخطب له ابنته، فأرجف أعداؤه أنه خطبها لنفسه، وشاع ذلك بين الناس فبلغ عميد الملك الخبر، فخاف تغير قلب مخدومه عليه، فعمد إلى لحيته فحلقها وإلى مذاكيره فجبها، فكان ذلك سبب سلامته من ألب أرسلان، وقيل إن السلطان خصاه، فلما فعل ذلك عمل أبو الحسن علي بن الحسن الباخرزي المذكور في ترجمته قوله:
قالوا محا السلطان عنه بعدكمسمة الفحول وكان قرماً صائلاً
قلت اسكتوا فالآن زاد فحولةلما اغتدى من أنثييه عاطلاً
فالفحل يأنف أن يسمى بعضهأنثى، لذلك جذه مستاصلا وهذا من المعاني الغريبة البديعة
ثم إن ألب أرسلان عزله من الوزارة في المحرم من سنة ست وخمسين وأربعمائة لسبب يطول شرحه، وفوض الوزارة إلى نظام الملك أبي علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي المقدم ذكره. وحبس عميد الملك بنيسابور في دار عميد خراسان، ثم نقله إلى مرو الروذ وحبسه في داره، فكان في حجرة تلك الدار عياله، وكانت له بنت واحدة لا غير، فلما أحس بالقتل دخل الحجرة وأخرج كفنه وودع عياله وأغلق باب الحجرة واغتسل وصلى ركعتين، وأعطى الذي هم بقتله مائة دينار نيسابورية وقال: حقي عليك أن تكفنني في هذا الثوب الذي غسلته بماء زمزم، وقال لجلاده: قل للوزير نظام الملك: بئس ما فعلت، علمت الأتراك قتل الوزراء، وأصحاب الديوان، ومن حفر مهواة وقع فيها، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة؛ ورضي بقضاء الله المحتوم.
وقتل يوم الأحد سادس عشر ذي الحجة سنة خمس وخمسين وأربعمائة وعمره يومئذ نيف وأربعون سنة، فعمل في ذلك الباخرزي الشاعر المذكور مخاطباً للسلطان ألب أرسلان.
وعمك أدناه وأعلى محلهوبوأه من ملكه كنفاً رحبا
قضى كل مولى منكما حق عبده ... فخوله الدنيا وخولته العقبى ومن العجائب أنه دفنت مذاكيره بخوارزم، واريق دمه بمرو الروذ، ودفن جسده بقريته كندر، وجمجمته ودماغه بنيسابور، وحشيت سوأته بالتين ونقلت إلى كرمان، وكان نظام الملك هناك، ودفنت ثم، وفي ذلك عبرة لمن اعتبر، بعد أن كان رئيس عصره، رحمه الله تعالى.
والكندري: بضم الكاف وسكون النون وضم الدال المهملة وبعدها راء، هذه النسبة إلى كندر، وهي قرية من قرى طريثيت - بضم الطاء المهملة وفتح
الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر الثاء المثلثة وسكون الياء المثناة من تحتها أيضاً وبعدها ثاء مثلثة - وهي كورة من نواحي نيسابور، خرج منها جماعة من العلماء وغيرهم، والله تعالى أعلم بالصواب.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع