من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
أبو نصر ابن جهير
أبو نصر محمد بن محمد بن جهير، المقلب فخر الملك مؤيد الدين الموصلي الثعلبي؛ كان ذا رأي وعقل وحزم وتدبير، خرج من الموصل لأمر يطول شرحه، وصار ناظر الديوان بحلب، ثم صرف عنه وانتقل إلى آمد، وأقام بها مدة طويلة بطالاً، ثم توصل إلى أن وزر للأمير نصر الدولة أحمد بن مروان الكردي صاحب ميافارقين وديار بكر - وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمة نصر الدولة - وكان نافذ الكلم مطاع الأمر، ولم يزل على ذلك إلى أن توفي نصر الدولة في التاريخ المذكور في ترجمته، وقام بالأمر ولده نظام الدين، فأقبل عليه وزاد في إكرامه فرتب أمور دولته وأجراها على الأوضاع التي كانت في أيام أبيه.
ثم خطر له التوجه إلى بغداد، فعمل على ذلك، وكان يكاتب الإمام القائم بأمر الله، ولم يزل يتوصل ويبذل الأموال حتى خرج إليه نقيب النقباء ابن طراد الزينبي، فقرر معه ما أراد تقريره ثم خرج لوداعه، ويمم إلى بغداد، وأرسل
ابن مروان خلفه من يرده فلم يقدر عليه، فلما بلغها تولى وزارة القائم بدلاً من أبي الغنائم ابن دراست في سنة أربع وخمسين وأربعمائة، ودام فيها إلى أن توفي القائم، وتولى ولده المقتدي بأمر الله فأقره على الوزارة مدة سنين، ثم عزله عنها يوم عرفة الأمير أبو الغنائم ابن دراست، بإشارة الوزير نظام الملك، وكان ولده عميد الدولة شرف الدين أبو منصور محمد ينوب عنه فيها، فلما عزل والده خرج هو نظام الملك أبي الحسن وزير ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي - المقدم ذكره واسترضاه وأصلح حاله معه وعاد إلى بغداد، وتولى الوزارة مكان أبيه.
وخرج أبوه فخر الدولة في سنة ست وسبعين إلى جهة السلطان ملكشاه المذكور باستدعائه إياه، فعقد له على ديار بكر، وسار معه الأمير أرتق بن أكسب صاحب حلوان - المقدم ذكره - في جماعة من التركمان والأكراد والأمراء، فلما وصلوا إلى ديار بكر فتح ولده أبو القاسم زعيم الرؤساء مدينة آمد بعد حصار شديد، ثم فت أبوه فخر الدولة ميافارقين بعد ثلاثة أشهر من فتح آمد وكان أخذها من ناصر الدولة أبي المظفر منصور بن نظام الدين، واستولى على أموال بني مروان وذلك في سنة تسع وسبعين وأربعمائة. ومن عجيب الاتفاق أن منجماً حضر إلى ابن مروان نصر الدولة، وحكم له بأشياء، ثم قال له: ويخرج على دولتك رجل قد أحسنت إليه، فيأخذ الملك من أولادك، فأفكر ساعة ثم رفع رأسه إلى فخر الدولة وقال: إن كان هذا القول صحيحاً فهو الشيخ هذا، ثم أقبل عليه وأوصاه على أولاده، فكان الأمر كما قال، فإنه وصل إلى البلاد وكان فتحها على يديه كما ذكرنا، والشرح في ذلك يطول.
وكان رئيساً جليلاً، خرج من بيتهم جماعة من الوزراء والرؤساء، ومدحهم أعيان الشعراء، فمنهم أبو منصور علي بن الحسن المعروف بصردر، أنفذ إلى فخر الملك المذكور من واسط عند تقلده الوزارة قصيدة، وهي من مشاهير القصائد، وأولها:
لجاجة قلب ما يفيق غرورهاوحاجة نفس ليس يقضى يسيرها
وقفنا صفوفاً في الديار كأنهاصحائف ملقاة ونحن سطورها
يقول خليلي والظباء سوانح:أهذا الذي تهوى فقلت: نظيرها
لئن شابهت أجيادها وعيونهالقد خالفت أعجازها وصدورها
فيا عجباً منها يصد أنيسهاويدنو على ذعر إلينا نفورها
وما ذاك إلا أن غزلان عامرتيقن أن الزائرين صقورها
ألم يكفها ما قد جنته شموسهاعلى القلب حتى ساعدتها بدورها
نكصنا على الأعقاب خوف إناثهافما بالها تدعو نزال ذكورها
ووالله ما أدري غداة نظرنناأتلك سهام أم كؤوس تديرها
فإن كن من نبل فأين حفيفهاوإن كن من مر فأين سرورها
أيا صاحبي استأذنا لي خمرهافقد أذنت لي في الوصول خدورها
هباها تجافت عن خليل يروعهافهل أنا إلا كالخيال يزورها
وقد قلتما لي ليس في الأرض جنةأما هذه فوق الركائب حورها
فلا تحسبا قلبي طليقاً فإنمالها الصدر سجن وهو فيه أسيرها
يعز على الهيم الخوامس وردهاإذا كان ما بين الشفاه غديرها
أراك الحمى قل لي بأي وسيلةتوسلت حتى قبلتك ثغورها ومن مديحها:
أعدت إلى جسم الوزارة روحهوما كان يرجى بعثها ونشورها
أقامت زماناً عند غيرك طامثاًوهذا الزمان قرؤها طهورها
من الحق أن يحبى بها مستحقهاوينوعها مردوة مستعيرها
إذا ملك الحسناء من ليس كفؤها ... أشار عليها بالطلاق مشيرها وأنشده أيضاً لما عاد إلى الوزارة في صفر سنة إحدى وستين وأربعمائة بعد العزل، وكان المقتدري بالله قد أعاده إلى الوزارة بعد العزل وقبل الخروج إلى
السلطان ملكشاه، فعمل فيه صردر هذه القصيدة:
قد رجع الحق إلى نصابهوأنت من كل الورى أولى به
ما كنت إلا السيف سلته يدثم أعادته إلى قرابه
هزته حتى أبصرته صارماًرونقه يغنيه عن ضرابه
أكرم بها وزارة ما سلمتما استودعت إلا إلى أربابه
مشوقة إليك مذ فارقتهاشوق أخي الشيب إلى شبابه
مثلك محسود ولكن معجزأن يدرك البارق في سحابه
حاولها قوم ومن هذا الذييخرج ليثاً خادراً من غابه
يدمى أبو الأشبال من زاحمهفي خيسه بظفره ونابه
وهل سمعت او رأيت لابساًما خلع الأرقم من إهابه ومنها:
تيقنوا لما رأوها صعبةأن ليس للجو سوى عقابه
إن الهلال يرتجي طلوعهبعد السرار ليلة احتجابه
والشمس لا يؤيس من طلوعهاوإن طواها الليل في جنابه
ما أطيب الأوطان إلا انهاللمرء أحلى أثر اغترابه
كم عودة دلت على دوامهاوالخلد للإنسان في مآبه
لو قرب الدر على جالبهما لجج الغائض في طلابه
ولو أقام لازماً أصدافهلم تكن التيجان في حسابه
ما لؤلؤ البحر ولا مرجانه ... إلا وراء الهول من عبابه وهي قصيدة طويلة اقتصرنا منها على هذا القدر.
وقد سبق في ترجمة سابور بن أردشير ثلاثة أبيات كتبها إليه أبو إسحاق
الصابي لما عاد إلى الوزارة بعد العزل، ولم يعمل في هذا الباب مثلها.
وممن مدحه أيضاً القائد أبو الرضا الفضل بن منصور الشريف الفارقي، وفيه عمل الأبيات الحائية المشهورة، وهي:
يا قالة الشعر قد نصحت لكمولست أدهى إلا من النصح
قد ذهب الدهر بالكرام وفيذاك أمور طويلة الشرح
وأنتم تمدحون بالحسن والظرف وجوهاً في غاية القبح
وتطلبون السماح من رجلقد طبعت نفسه على الشح
من أجل ذا تحرمون كدكملأنكم تكذبون في المدح
صونوا القوافي فما أرى أحداًيعثر فيه الرجاء سمح
فإن شككتم فيما أقول لكمفكذبوني بواحد سمح
سوى الوزير الذي رياسته ... تعرك أذن الزمان بالملح وكانت ولادة فخر الدولة المذكور في سنة ثمان وتسعين وثلثمائة بالموصل؛ وتوفي بها في شهر رجب، وقيل في المحرم، سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة ودفن في تل توبة، وهو تل في قبالة الموصل يفصل بينهما عرض الشط، رحمه الله تعالى. وكان قد عاد إلى ديار ربيعة متولياً من جهة ملكشاه أيضاً في سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، فأول ما ملك نصيبين في شهر رمضان من هذه السنة، ثم ملك الموصل وسنجار والرحبة والخابور وديار ربيعة أجمع، وخطب به على منابرها نيابة عن الموصل إلى أن توفي.
وأما ولده عميد الدولة المذكور فقد ذكره محمد بن عبد الملك الهمداني في تاريخه فقال: انتشر عنه الوقار والهيبة والعفة وجودة الرأي، وخدم ثلاثة من الخلفاء ووزر لاثنين منهم، وكان عليه رسوم كثيرة وصلات جمة، وكان نظام الملك يصفه دائماً بأوصاف عظيمة، ويشاهدها بعين الكافي الشهم، ويأخذ رأيه في أهم الأمور ويقدمه على الكفاة والصدور، ولم يكن يعاب بأشد من الكبر
الزائد، فإن كلماته كانت محفوظة مع ضنه بها، ومن كلمة بكلمة قامت عنده مقام بلوغ الأمل، فمن جملة ذلك ما قاله لولد الشيخ الإمام أبي نصر ابن الصباغ: اشتغل وتأدب، وإلا كنت صباغاً بغير أب، انتهى كلامه ابن الهمداني.
وكان نظام الملم الوزير قد زوجه زبيدة ابنته، وكان قد عزل عن الوزارة ثم أعيد إليها بسبب المصاهرة، وفي ذلك يقول الشريف أبو يعلى ابن الهبارية - المقدم ذكره -:
قل للوزير ولا تفزعك هيبتهوإن تعاظم واستولى لمنصبه
لولا ابنة الشيخ ما استوزرت ثانية ... فاشكر حراً صرت مولانا الوزير به ووجدت بخط أسامة بن منقذ - المقدم ذكره أن السابق بن أبي مهزول الشاعر المعري قال: دخلت العراق واجتمعت بابن الهبارية، فقال لي في بعض الأ يام: امض بنا لنخدم الوزير ابن جهير، وكان قد عزل ثم استوزر، قال السابق: فدهلت معه حتى وقفنا بين يدية الوزير، فدفع إليه رقعة صغيرة، فلما قرأها تغير وجهه ورأيت فيه الشر، وخرجنا من مجلسه فقلت: ما كان في الرقعة فقال: خير، الساعة تضرب رقبتي ورقبتك، فأشفقت وقلقت، وقلت: أنا رجل غريب صحبتك هذه الأيام، وسعيت في هلاكي، فقال: كان ما كان. فقصدنا باب الدار لنخرج فردنا البواب، فقال: أمرت بمنعكما، فقال السابق: أنا رجل غريب من أهل الشام ما يعرفني الوزير، إنما القصد هذا، فقال البواب: لا تطول فما إلى خروجك من سبيل، فأيقنت بالهلاك، فلما خف الناس من الدار خرج إليه غلام معه قرطاس فيه خمسون ديناراً وقال: قد شكرنا فاشكر، فانصرفنا، ودفع لي عشرة دنانير منها، فقلت: ما كان في الرقعة فأنشدني البيتين المذكورين، فآليت أن لا أصحبه بعدها.
ولعميد الدولة شعر ذكره في " الخريدة " لكنه غير مرضي، وذكره ابن السمعاني في كتاب " الذيل "؛ ومدحه خلق كثير من شعراء عصره، وفيه يقول صردر المذكور قصيدته العينية المشهورة التي أولها:
قد بان عذرك والخليط مودعوهوى النفوس مع الهوادج يرفع
لك حيثما سمت الركائب لفتةأترى البدور بكل واد تطلع
في الظاعنين من الحمى ظبي له الأحشاء مرعى والمآقي مكرع
ممنوع أطراف الجمال رقيبهحذراً عليه من العيون البرقع
عهد الحبائل صائدات شبههفارتاع فهو لكل حبل يقطع
لم يدر حامي سربه أني إذاحرم الكلام له لساني الأصبع
وإذا الطيوف إلى المضاجع أرسلت ... بتحية منه فعيني تسمع وهذه القصيدة طويلة، وهي من غرر الشعر، وقوله فيها:
عهد الحبائل صائدات شبههفارتاع فهو لكل حبل يقطع نظير قول ابن الحمارة الأندلسي:
عن النوم سل عيناً به طال عهدهاوكان قليلاً في ليال قلائل
إذا ظن وكراً مقلتي طائر الكرى ... رأى هدبها فارتاع خوف الحبائل ولا أدري أيهما أخذ من الآخر، لأني لم أقف على تاريخ وفاة ابن الحمارة حتى أعرف عصره. ويجوز أن يكون ذلك بطريق التوارد على هذا المعنى من غير أن يأخذ أحدهما من الآخر.
وعزل عميد الدولة المذكور عز الدولن الوزارة وحبس وقيد في شهر رمضان المعظم سنة اثنتين وأربعمائة، وتوفي في شوال من السنة، وإليه كتب أبو الكرم ابن العلاف الشاعر قوله:
ولولا مدائحنا لم تبنفعال المسيء من المحسن
فهبك احتجبت عن الناظرينفهلا احتجبت عن الألسن
وتوفيت زوجته بنت نظام الملك المذكور في شعبان سنة سبعين وأربعمائة وكان تزوجها في سنة اثنتين وستين وأربعمائة. وتوفي سنة ثلاث وتسعين في حصن مقابل لتل بها.
ولصردر أيضاً في زعيم الرؤساء أبي القاسم ابن فخر الدولة قصيدته القافية التي أولها:
صبحها الدمع ومساها الأرق ... هل بين هذين بقاء للحدق وهي بديعة مختارة مشهورة فلا حاجة إلى التطويل في الاتيان بها، وتولى زعيم الرؤساء أبو القاسم ابن فخر الدولة وزارة الإمام المستظهر بالله، في شعبان من سنة ست وتسعين وأربعمائة، ولقبه نظام وقيل قوام، الدين.
وجهير: بفتح الجيم وكسر الهاء وسكون الياء الثمناة من تحتها وبعدها راء، وقال السمعاني: بضم الجيم، وهو غلط، يقال رجل جهير بين الجهارة، أي ذو منظر، ويقال أيضاً جهير الصوت بمعنى جهوري الصوت، والله تعالى أعلم بالصواب.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع