من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
أبو بكر ابن بقي الشاعر
أبو بكر يحيى بن محمد بن عبد الرحمن بن بقي الأندلسي القرطبي الشاعر المشهور صاحب الموشحات البديعة؛ قال الفتح بن محمد بن عبيد الله القيسي في كتاب " مطمح الأنفس " في حق أبي بكر المذكور: أنه كان نبيل النثر والنظام، كثير الارتباط في سلكه والانتظام، وأحرز خصالاً، وطرز محاسنه بكراً وآصالاً، وجرى في ميدان الإحسان إلى أبعد أمد، وبنى من المعارف على أثبت عمد، إلا أن الأيام حرمته، وقطعت حبل رعايته وصرمته، ولم تتم له وطراً، ولم تسجم عليه من الحظوة مطراً، ولا نولته من الحرمة نصيباً، ولا أنزلته مرعى خصيباً، فصار راكب صهوات، وقاطع فلوات، لا يستقر يوماً ولا يستحسن قوماً، مع توهم لا يظفره بأمان، وتقلب ذهن كواهي الجمان، إلا أن يحيى بن علي بن القاسم نزعه عن ذلك الطيش، وأقطعه جانباً من العيش، وأرقاه إلى سمائه، وسقاه صوب نعمائه، وفيأه ظلاله، وبوأه أثر النعمة يجوس خلاله، فصرف فيه أقواله، وشرف بقوافيه نواله، وأفرده منها بأنفس در، وقلد لبته منها بقصائد غر.
وذكر الفتح بن مدح بن عبيد الله القيسي المذكور في حقه أيضاً في كتاب
" قلائد العقيان ": هو رافع راية القريض، وصاحب آية التصريح فيه والتعريض، أقام شرائعه، وأظهر روائعه، وصار عصيه طائعاً، إذا نظم أزرى بنظم العقود، وأتى بأحسن من رقم البرود، ضفا عليه حرمانه، وما صفا له زمانه، انتهى كلام الفتح.
وقد أثبت لأبي بكر المذكور هذا المقطوع من الشعر، ولم أر الفتح ذكره في واحد من كتابيه المذكورين مع أنه من أحسن شعره وأشهره، وهو:
بأبي غزال غازلته مقلتيبين العذيب وبين شطي بارق
وسألت منه زيارة تشفي الجوىفأجابني منها بوعد صادق
بتنا ونحن من الدجى في خيمةٍومن النجوم الزهر تحت سرادق
عاطيته والليل يسحب ذيلهصهباء كالمسك الفتيق لناشق
وضممته ضم الكمي لسيفهوذؤابتاه حمائل في عاتقي
حتى إذا مالت به سنة الكرىزحزحته عني وكان معانقي
أبعدته عن أضلع تشتاقهكي لا ينام على وساد خافق
لما رأيت الليل آخر عمرهقد شاب في لمم له ومفارق
ودعت من أهوى وقلت تأسفاً ... أعزز علي بأن أراك مفارقي وقد ذكر بعض هذه الأبيات الحافظ أبو الخطاب ابن دحية في كتابه الذي سماه " المطرب من أشعار أهل المغرب ".
ومن شعره قصيدة يمدح بها يحيى بن علي بن القاسم المذكور في هذه الترجمة، وهي طويلة، ومن مديحها قوله:
نوران ليسا يحجبان عن الورىكرم الطباع ولا جمال المنظر
وكلاهما جمعا ليحيى فليدعكتمان نور علائه المتشهر
في كل أفق من جميل ثنائهعرف يزيد على دخان المجمر
رد في شمائله ورد في جودهبين الحديقة والغمام الممطر
ندب عليه من الوقار سكينةفيها حفيظة كل ليثٍ مخدر
مثل الحسام إذا انطوى في غمدهألقى المهابة في نفوس الحضر
أربى على الغيث الملث لأنهأعطى كما أعطى ولم يستعبر
أزرى على البحر الخضم لأنهفي كل كف منه خمسة أبحر
أقبلت مرتاداً لجودك إنهصوب الغمامة بل زلال الكوثر
ورأيت وجه النجح عندك أبيضاًفركبت نحوك كل لج أخضر
يجري إليك بنا سفين أتلعمثل البعير مخزم في المنخر
وبنات أعوج قد برمن بصحبتي ... مما قطعن من اليباب المقفر وأورد له صاحب " قلائد العقيان " مقطوعاً وهو:
يا أقتل الناس ألحاظاً وأطيبهمريقاً متى كان فيك الصاب والعسل
في صحن خدك وهو الشمس طالعةورد يزيدك فيه الراح والخجل
إيمان حبك في قلبي يجددهمن خدك الكتب أو من لحظك الرسل
إن كنت تجهل أني عبد مملكةٍمرني بما شئت آتيه وامتثل
لو اطلعت على قلبي وجدت فيه ... من فعل عينيك جرحاً ليس يندمل وذكره العماد الكاتب في " الخريدة " وأورد له عدة مقاطيع، ثم أعاد ذكره في آخر الكتاب وأورد له:
ومشمولةٍ في الكأس تحسب أنهاسماء عقيقٍ رصعت بالكواكب
بنت كعبة اللذات في حرم الصبا ... فحج إليها اللهو من كل جانب محاسنه في الشعر كثيرة. وتوفي سنة أربعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
وبقي: بفتح الباء الموحدة وكسر القاف وتشديد الياء.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع