من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
الخطيب الحصكفي
ماذا روى «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» عن الخطيب الحصكفي؟
أبو الفضل يحيى بن سلامة بن الحسين بن محمد، الملقب معين الدين، المعروف بالخطيب الحصكفي؛ صاحب الديوان الشعر والخطب والرسائل، ولد بطنزة ونشأ بحصن كيفا، وقدم بغداد فاشتغل بالأدب على الخطيب أبي زكريا التبريزي - المقدم ذكره - وأتقنه حتى مهر فيه، وقرأ الفقه على مذهب الإمام الشافعي، ﵁، وأجاد فيه، ثم رحل عن بغداد راجعاً إلى بلاده ونزل ميافارقين واستوطنها، وتولى بها الخطابة، وكان إليه أمر الفتوى بها، واشتغل عليه الناس وانتفعوا بصحبته.
وذكره العماد الأصبهاني في كتاب " الخريدة " فقال في حقه: " كان علامة الزمان في علمه، ومعري العصر في نثره ونظمه، له الترصيع البديع والتجنيس النفيس، والتطبيق والتحقيق، واللفظ الجزل الرقيق، والمعنى السهل
العميق، والتقسيم المستقيم، والفضل السائر المقيم ". ثم قال العماد بعد كثرة الثناء عليه وتعداد محاسنه: " وكنت أحب لقاءه، وأحدث نفسي عند وصولي إلى الموصل به، وأنا شغف بالاستفادة، كلف بمجالسة الفضلاء للاستزادة، فعاق دون لقائه بعد الشقة، وضعفي عن تحمل المشقة " ثم ذكر له عدة مقاطيع، فمن ذلك قوله:
وخليعٍ بت أعذلهويرى عذلي من العبث
قلت: إن الخمر مخبئةقال: حاشاها من الخبث
قلت: فالأرفاث تتبعهاقال: طيب العيش في الرفث
قلت: منها القيء، قال: أجلشرفت عن مخرج الحدث
وسأجفوها، فقلت: متىقال: عند الكون في الجدث قلت أنا: ولقد أخذ الخطيب المذكور قوله:
شرفت عن مخرج الحدثمن قول بعضهم ولا أعرفه، لكنها أبيات سائرة، وهي:
ولائم لامني في الخمر، قلت لهإني سأشربها حياً وفي جدثي
فأسقني قهوةً حمراء صافيةًصرفاً حراماً فإنني غير مكترث
فإن يكن حللوها بالطبيخ ففيحشاي نار تبقيها على الثلث
قالوا: فلم تتقاياها فقلت لهم ... إني أنزهها عن مخرج الحدث ثم قال العماد الأصبهاني: وأنشدني له بعض الفضلاء ببغداد خمسة أبيات كالخمسة السيارات مستحسنات مطبوعات مصنوعات، وهي:
أشكو الله من نارين: واحدةفي وجنتيه وأخرى منه في كبدي
ومن سقامين: سقم قد أحل دميمن الجفون وسقم حل في جسدي
ومن نمومين: دمعي حين أذكرهيذيع سرى، وواشٍ منه بالرصد
ومن ضعيفين: صبري حين أذكرهووده ويراه الناس طوع يدي
مهفهف رق حتى قلت من عجبٍ ... أخصره خنصري أم جلده جلدي ومن مليح شعره أبيات في هجو مغن وهي:
ومسمع غناؤهيبدل بالفقر الغنى
شهدته في عصبةٍرضيتهم لي قرنا
أبصرته فلم تخبفراستي لما دنا
وقلت من ذا وجههكيف يكون محسنا
ورمت أن أروح للظن به ممتحنا
فقلت من بينهمهات أخي غن لنا
ويوم سلعٍ لم يكنيومي بسلعٍ هينا
فانشال منه حاجبوحلجب منه انحنى
وامتلأ المجلس منفيه نسيماً منتنا
أوقع إذ وقع في الأنفس أسباب العنا
وقال لما قال منيسمع في ظل الفنا
وما اكتفى باللحن والتخليط حتى لحنا
هذا وكم تكشخن الوغد وكم تقرنننا
يوهم زمراً أنهقطعه ودندنا
وصاح صوتاً نافراًيخرج عن حد البنا
وما درى محضرهماذا على القوم جنى
فذا يسد أنفهوذا يسد الأذنا
ومنهم جماعةتستر عنه الأعينا
فاغتظت حتى كدت منغيظٍ أبث الشجنا
وقلت يا قوم اسمعواإما المغني أو أنا
أقسمت لا أجلس أويخرج هذا من هنا جروا برجل الكلب إن السقم هذا والضنا
قالوا لقد رحمتناوذدت عنا المحنا
فحزت في إخراجهراحة نفسي والثنا
وحين ولى شخصهقرأت فيهم معلنا
الحمد لله الذي ... أذهب عنا الحزنا ولم أسمع، مع كثرة ما قيل في هذا الباب مثل هذا المقطوع في هذا المعنى.
وللخطيب المذكور أيضاً في هذا المعنى:
ومسمعٍ قوله بالكره مسموعمحجب عن بيوت الناس ممنوع
غنى فبرق عينيه وحرك لحييه فقلنا الفتى لا شك مصروع
وقطع الشعر حتى ود أكثرناأن اللسان الذي في فيه مقطوع
لم يأت دعوة أقوامٍ بأمرهم ... ولا مضى قط إلا وهو مصفوع وقد سبق له في ترجمة الشيخ الشاطبي في حرف القاف مقطوع لغز في نعش وهو معنى مليح، وأكثر شعره على هذا الأسلوب في اللطافة وجودة المقاصد،
وكان يتشيع وهو في شعره ظاهر.
وكان بمدينة آمد شابان بينهما مودة أكيدة ومعاشر كثيرة، فركب أحدهما ظاهر البلد وطرد فرسه فتقنطر فمات، وقعد الآخر يستعمل الشراب، فشرق فمات في ذلك النهار، فعمل فيهما بعض الأدباء:
تقاسما العيش صفواً والردى كدراًوما عهدنا المنايا قط تقتسم
وحافظا الود حتى في حمامهما ... وقلما في المنايا تحفظ الذمم فلما وقف الخطيب المذكور على البيتين قال: هذا الشاعر قصر إذ لم يذكر سبب موتهما، وقد قلت فيهما:
بنفسي أخيان من أمدٍأصيبا بيوم مشوم عبوس
دهى ذا كميت من الصافناتوهذا كميت من الخندريس قلت: ولو قال:
دهى ذا كميت من الصافناتوهذا كميت من الصافيات لكان أحسن لأجل المجانسة، وكان يجعل البيت الأول:
بنفسي أخيان من آمدٍ ... أصيبا بيوم شديد الأذاة أو ما يناسب هذا، ثم وجدت البيتين الأولين في كتاب " الجنان " تأليف القاضي الرشيد ابن الزبير - المقدم ذكره في حرف الهمزة - وقد نسبهما إلى الفقيه أبي علي الحسن بن أحمد المعلم المعري، لكن هذا وجدت الحكاية بخط
بعض المتأدبين، والله أعلم.
وللخطيب المذكور الخطب المليحة والرسائل المنتقاة. ولم يزل على رياسته وجلالته وإفادته إلى أن توفي سنة إحدى، وقيل ثلاث، وخمسين وخمسمائة.
وكانت ولادته في حدود سنة ستين وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
والحصكفي: بفتح الحاء وسكون الصاد المهملة وفتح الكاف وفي آخرها فاء، هذه النسبة إلى حصن كيفا، وهي قلعة حصينة شاهقة بين جزيرة ابني عمر وميافارقين، وكان القياس أن ينسبوا إليه الحصني، وقد نسبوا إليه أيضاً كذلك، لكن إذا نسبوا إلى اسمين أضيف أحدهما إلى الآخر ركبوا من مجموع الاسمين اسماً واحداً ونسبوا إليه كما فعلوا هاهنا، وكذلك نسبوا إلى رأس عين " رسعني " وإلى عبد الله وعبد شمس وعبد الدار: عبدلي وعبشمي وعبدري، وكذلك كل ما هو نظيره.
وأما طنزة: بفتح الطاء المهملة وسكون النون وفتح الزاي في آخرها هاء ساكنة، فهي بليدة صغيرة بديار بكر فوق الجزيرة العمرية، خرج منها جماعة من المحدثين وغيرهم، ونسبوا إليها.
قال عماد الدين الأصبهاني الكاتب في كتاب " الخريدة ": منها إبراهيم بن عبد الله إبراهيم الطنزي، وهو القائل:
وإني لمشتاق إلى أرض طنزةوإن خانني بعد التفرق إخواني
سقى الله أرضاً لو ظفرت بتربتها ... كحلت به من شدة الشوق أجفاني ثم قال عماد الدين المذكور بعد هذا: كان الشاعر حياً في شهر رمضان سنة ثمان وستين وخمسمائة.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع