تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

السلطان صلاح الدين (٤)

قال: وأخرج بعد صلاة الظهر، ﵀، في تابوت مسجى بثوب فوط، فارتفعت الأصوات عند مشاهدته وعظم الضجيج وأخذ الناس في البكاء والعويل، وصلوا عليه أرسالاً، ثم أعيد إلى الدار التي في البستان، وهي التي كان متمرضاً بها، ودفن في الضفة الغربيةمنها، وكان نزوله في حفرته قريباً من صلاة العصر.

ثم أطال ابن شداد القول في ذلك فحذفته خوفاً من الملالة، وأنشد في آخر " السيرة " بيت أبي تمام الطائي، وهو:

ثم انقضت تلك السنون وأهلهافكأنها وكأنهم أحلام
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «دمن ألم بها فقال سلام»

رحمه الله تعالى وقدس روحه، فلقد كان من محاسن الدنيا وغرائبها.

وذكر سبط ابن الجوزي في تاريخه في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة ما مثاله: وفي خامس المحرم خرج صلاح الدين من مصر، فنزل البركة قاصداً الشام، وخرج أعيان الدولة لوداعه، وانشده الشعراء أبياتاً في الوداع، فسمع قائلاً يقول في ظاهر الخيمة:

تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار فطلب القائل فلم يوجد، فوجم السلطان وتطير الحاضرون، فكان كما قال، فإنه اشتغل ببلاد الشرق والفرنج، ولم يعد بعدها إلى مصر.

قلت: وهذا البيت من جملة أبيات في " الحماسة " في باب النسيب.

وذكر شيخنا عز الدين ابن الأثير في تاريخه الكبير هذه القضية على صورة أخرى، فقال: ومن عجيب ما يحكى من التطير أنه لما برز عن القاهرة أقام بخيمته حتى تجتمع العساكر، وعنده أعيان دولته والعلماء وأرباب الآداب، فمن بين مودع له وسائر معه، وكل واحد منهم يقول شيئاً في الوداع والفراق، وفي الحاضرين معلم لبعض أولاده، فأخرج رأسه من بين الحاضرين، وأنشد هذا البيت، فانقبض صلاح الدين وتطير بعد انبساطه وتنكد المجلس على الحاضرين، فلم يعد إليها إلى أن مات مع طول المدة.

وذكر ابن شداد أيضاً في أوائل " السيرة " أنه مات ولم يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهماً ناصرية، وجرماً واحداً ذهباً صورياً، ولم يخلف ملكا: لا داراً ولا عقاراً ولا بستاناً ولا قرية ولامزرعة.

وفي ساعة موته كتب القاضي الفاضل إلى ولده الملك الظاهر صاحب حلب بطاقة مضمونها (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) (الأحزاب:

(إن زلزلة الساعة شيء عظيم) (الحج:) كتبت إلى مولانا السلطان الملك الظاهر أحسن الله عزاءه وجبر مصابه، وجعل فيه الخلف في الساعة المذكورة، وقد زلزل المسلمون زلزالاً شديداً، وقد حفرت الدموع المحاجر، وبلغت القلوب الحناجر، وقد ودعت أباك ومخدومي وداعاً لا تلاقي بعده، وقد قبلت وجهه عني وعنك، وأسلمته إلى الله تعالى مغلوب الحيلة ضعيف القوة، راضياً عن الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وبالباب من الجنود المجندة والأسلحة المعدة ما لم يدفع البلاء، ولا ملك يرد القضاء، وتدمع العين ويخشع القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب وإنا عليك لمحزونون يا يوسف. وأما الوصايا فما تحتاج إليها، والآراء فقد شغلني المصاب عنها، وأما لائح الأمر فإنه إن وقع اتفاق فما عدمتم إلا شخصه الكريم، وإن كان غيره فالمصائب المستقبلة أهونها موته وهو الهول العظيم، والسلام ".

قلت: لله دره، فلقد أبدع في هذه الرسالة الوجيزة، مع ما تضمنته من المقاصد السديدة، في مثل تلك الحالة التي يذهل فيها الإنسان عن نفسه.

قلت: وقد ذكرت كل واحد من أولاده المذكورين، وهم الأفضل والظاهر والعزيز في ترجمة مستقلة، وعينت تاريخ مولده وموته، سوى الملك الظافر المشهور بالمشمر، فإني لم أذكر له ترجمة مستقلة، وقد ذكرته ها هنا فيحتاج إلى ذكر شيء من أحواله، فأقول:

لقبه مظفر الدين وكنيته أبو الدوام، وأبو العباس الخضر، وإنما قيل له المشمر لأن أباه، رحمه الله تعالى، لما قسم البلاد بين أولاده الكبار قال: وأنا مشمر، فغلب عليه هذا اللقب. وكان مولده بالقاهرة في سنة ثمان وستين وخمسمائة، في خامس شعبان، وهو شقيق الملك الأفضل، وتوفي في جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وستمائة بحران، عند ابن عمه الملك الأشرف ابن الملك العادل، ولم يكن الأشرف يومئذ ملكاً وإنما كان مجتازاً بها عند دخوله بلاد الروم لأجل الخوارزمية.

قال غير ابن شداد: ثم إن السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى، بقي مدفوناً بقلعة دمشق إلى أن بنيت له قبة في شمالي الكلاسة التي هي شمالي جامع دمشق، ولها بابان أحدهما إلى الكلاسة والآخر في زقاق غير نافذ، وهو مجاور المدرسة العزيزية - قلت: ولقد دخلت إلى هذه القبة من الباب الذي في الكلاسة، وقرأت عنده وترحمت عليه، وأحضر لي القيم ومتولي القبة بقجة فيها ملبوس بدنه وكان في جملته قباء أصفر قصير ورأس كميه بأسود فتبركت به - قال: ثم نقل من مدفنه بالقلعة إلى هذه القبة في يوم عاشوراء، وكان الخميس من سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، ورتب عنده القراء ومن يخدم المكان. ثم إن ولده الملك العزيز عماد الدين عثمان - المقدم ذكره - لما أخذ دمشق من أخيه الملك الأفضل بنى إلى جانب هذه القبة المدرسة العزيزية، ووقف عليها وقفاً جيداً. وللقبة المذكورة شباك إلى هذه المدرسة، وهي من أعيان مدارس دمشق.

وزرت قبره في أول جمعة من شهر رمضان سنة ثمانين وستمائة فقرأت على صندوق قبره بعد تاريخ وفاته ما مثاله: اللهم فارض عن تلك الروح، وافتح له أبوب الجنة فهي آخر ما كان يرجوه من الفتوح، وذكر قيم المكان أن هذا من كلام القاضي الفاضل.

قلت: ولما ملك السلطان صلاح الدين الديار المصرية لم يكن بها شيء من المدارس، فإن الدولة المصرية كان مذهبها مذهب الإمامية، فلم يكونوا يقولون بهذه الأشياء، فعمر في القرافة الصغرى المدرسة المجاورة لضريح الإمام الشافعي ﵁ وقد تقدم ذكرها في ترجمة نجم الدين الخبوشاني - وبنى مدرسة بالقاهرة في جوار المشهد المنسوب إلى الحسين بن علي ﵄، وجعل عليها وقفاً كبيراً، وجعل دار سعيد السعداء خادم المصريين خانقاه، ووقف عليها وقفاً طائلاً، وجعل دار عباس المذكور في ترجمة الظافر العبيدي والعادل ابن السلار مدرسة للحنفية، وعليها وقف جيد أيضاً،

والمدرسة التي بمصر المعروفة بزين التجار وقفاً على الشافعية ووقفها جيد أيضاً، وبنى بالقاهرة داخل القصر مارستانا، وله وقف جيد، وله بالقدس مدرسة أيضاً، وقفها كثير، وخانقاه بها أيضاً، وله بمصر مدرسة للمالكية.

ولقد فكرت في نفسي في أمور هذا الرجل وقلت: إنه سعيد في الدنيا والآخرة، فإنه فعل في الدنيا هذه الأفعال المشهورة من الفتوحات الكبيرة وغيرها، ورتب هذه الأوقاف العظيمة، وليس فيها شيء منسوباً إليه في الظاهر، فإن المدرسة التي في القرافة ما يسميها الناس إلا بالشافعي، والمجاورة للمشهد لا يقولون إلا المشهد، والخانقاه لا يقولون إلا خانقاه سعيد السعداء، والمدرسة الحنفية لا يقولون أيضاً إلا مدرسة السيوفية، والتي بمصر لا يقولون إلا مدرسة زين التجار، والتي بمصر مدرسة المالكية، وهذه صدقة السر على الحقيقة. والعجب أن له بدمشق في جوار البيمارستان النوري مدرسة يقال لها الصلاحية فهي منسوبة إليه وليس لها وقف، وله بها مدرسة للمالكية أيضاً ولا تعرف به، وهذه النعم من ألطاف الله تعالى به.

وكان، مع هذه المملكة المتسعة والسلطنة العظيمة، كثير التواضع واللطف قريباً من الناس رحيم القلب كثير الاحتمال والمداراة، وكان يحب العلماء وأهل الخير ويقربهم ويحسن إليهم، وكان يميل إلى الفضائل، ويستحسن الأشعار الجيدة، ويرددها في مجالسه، حتى قيل إنه كان كثيراً ما ينشد قول أبي منصور محمد بن الحسين بن أحمد بن الحسين بن إسحاق الحميري، وقيل إنها لأبي محمد أحمد بن علي بن خيران العامري، وكان أميراً بالمرية من بلاد الأندلس، وكان جده خيران من سبي المنصور بن أبي عامر فنسب إليه، والله أعلم، وهي هذه:

وزارني طيف من أهوى على حذرمن الوشاة وداعي الصبح قد هتفا
فكدت أوقظ من حولي به فرحاًوكاد يهتك ستر الحب بي شغفا

ثم انتبهت وآمالي تخيل لي ... نيل المنى فاستحالت غبطتي أسفا وقيل إنه كان أيضاً يعجبه قول نشؤ الملك أبي الحسن علي بن مفرج

المعروف بابن المنجم المعري الأصل المصري الدار والوفاة، وهو في خضاب الشيب، ولقد أحسن فيه:

وما خضب الناس البياض لقبحهوأقبح منه حين يظهر ناصله
للشاعر علي بن هارون المنجم، اقرأ القصيدة

ولكنه مات الشباب فسودت ... على الرسم من حزن عليه منازله قالوا: فكان إذا قال ولكنه مات الشباب يمسك كريمته وينظر إليها ويقول: أي والله مات الشباب.

وذكر العماد الكاتب الأصبهاني في كتاب " الخريدة " أن السلطان صلاح الدين في أول ملكه كتب إلى بعض أصحابه بدمشق هذين البيتين:

أيها الغائبون عنا وإن كنتم لقلبي بذكركم جيرانا

إنني مذ فقدتكم لأراكم ... بعيون الضمير عندي عيانا وأما القصيدتان اللتان ذكرت أن سبط ابن التعاويذي أنفذهما إليه من بغداد، فإن إحداهما وازن بها قصيدة صردر - المقدم ذكره - وقد ذكرت منا أبياتاً في ترجمة الوزير الكندري، وأولها:

أكذا يجازى ود كل قرينوقصيدة سبط ابن التعاويذي أولها:
إن كان دينك في الصبابة دينيفقف المطي برملتي يبرين
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «إن كان دينك في الصبابة ديني»
والثم ثرى لو شارفت بي هضبهأيدي المطي لثمته بجفوني
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «إن كان دينك في الصبابة ديني»
وانشد فؤادي في الظباء معرضاًفبغير غزلان الصريم جنوني
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «إن كان دينك في الصبابة ديني»
ونشيدتي بين الخيام، وإنماغالطت عنها بالظباء العين
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «إن كان دينك في الصبابة ديني»
لولا العدا لم أكن عن ألحاظهاوقدودها بجوازىءٍ وغصون
لله ما اشتملت عليه قبابهميوم النوى من لؤلؤ مكنون
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «إن كان دينك في الصبابة ديني»
من كل تائهة على أترابهافي الحسن غانية عن التحسين
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «إن كان دينك في الصبابة ديني»
خود ترى قمر السماء إذا بدتما بين سالفة لها وجبين
غادين ما لمعت بروق ثغورهمإلا استهلت بالدموع شؤوني
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «إن كان دينك في الصبابة ديني»
إن تنكروا نفس الصبا فلأنهامرت بزفرة قلبي المحزون
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «إن كان دينك في الصبابة ديني»
وإذا الركائب في الحبال تلفتتفحنينها لتلفتي وحنيني
يا سلم إن ضاعت عهودي عندكمفأنا الذي استودعت غير أمين
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «إن كان دينك في الصبابة ديني»

أو عدت مغبوناً فما أنا في الهوى ... لكم بأول عاشق مغبون رفقاً فقد عسف الفراق بمطلق العبرات في أسر الغرام رهين ...

ما لي ووصل الغانيات أرومهولقد بخلن علي بالماعون
وعلام أشكو والدماء مطاحةبلحاظهن إذا لوين ديوني
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «إن كان دينك في الصبابة ديني»
هيهات ما للبيض في ود امرىءأرب وقد أربى على الخمسين
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «إن كان دينك في الصبابة ديني»
ومن البلية أن تكون مطالبيجدوى بخيل أو وفاء خؤون
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «إن كان دينك في الصبابة ديني»
ليت الضنين على المحب بوصلهلقن السماحة من صلاح الدين وأما القصيدة الثانية فهي:
حتام أرضى في هواك وتغضبوإلى متى تجني علي وتعتب
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «حتام أرضى في هواك وتغضب»
ما كان لي لولا ملالك زلةلما مللت زعمت أني مذنب
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «حتام أرضى في هواك وتغضب»
خذ في أفانين الصدود فإن ليقلباً على العلات لا يتقلب
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «حتام أرضى في هواك وتغضب»
أتظنني أضمرت بعدك سلوةهيهات عطفك من سلوي أقرب
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «حتام أرضى في هواك وتغضب»
لي فيك نار جوانح ما تنطفيحرقاً وماء مدامع ما تنضب
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «حتام أرضى في هواك وتغضب»
أنسيت أياماً لنا وليالياًللهو فيها والبطالة ملعب
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «حتام أرضى في هواك وتغضب»
أيام لا الواشي يعد ضلالةولهي عليك ولا العذول يؤنب
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «حتام أرضى في هواك وتغضب»
قد كنت تنصفني المودة راكباًفي الحب من اخطاره ما أركب
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «حتام أرضى في هواك وتغضب»
واليوم أقنع أن يمر بمضجعيفي النوم طيف خيالك المتأوب
ما خلت أن جديد أيام الصبايبلى ولا ثوب الشبيبة يسلب
حتى انجلى ليل الغواية واهتدىساري الدجى وانجاب ذاك الغيهب
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «حتام أرضى في هواك وتغضب»
وتنافر البيض الحسان فأعرضتعني سعاد وأنكرتني زينب
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «حتام أرضى في هواك وتغضب»
قالت وريعت من بياض مفارقيونحول جسمي: بان منك الأطيب
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «حتام أرضى في هواك وتغضب»

إن تنقمي سقمي فخصرك ناحل ... أو تنكري شيبي فثغرك أشنب قلت: لله دره، فلقد أجاد في هذا المعنى كل الإجادة، غير أنه قد ظن أن الشنب بياض الثغر، وعليه بنى هذا المعنى حتى تم له مقصوده، فإنها لما عيرته بالسقم قابلها بنحول الخصر، فقال لها: إن كنت نحيلاً فخصرك أيضاً نحيل، فلما أنكرت شيبه قابلها بأن ثغرها أشنب، فكأنه قال لها: بياض شيبي في مقابلة ثغرك الأشنب، وليس الأمر كما ظن، فإن الشنب في اللغة ليس البياض، وإنما هو حدة الأسنان، ويقال: بردها وعذوبتها، والصحيح أنه حدتها، وهو دليل على الحداثة، لأن الأسنان في أول طلوعها تكون حادة، فإذا مرت عليها السنون احتكت وذهبت حدتها. وهذا المعنى ينظر إلى قول النابغة الذبياني في جملة قصيدته المشهورة وهو:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب وقد تقدم ذكر هذا البيت في ترجمة عروة بن الزبير فيكشف هناك. ومثله أيضاً ما أنشدني بهاء الدين زهير بن محمد الكاتب - المقدم ذكره - لنفسه من جملة أبيات، وهو قوله:

ما فيه من عيب سوىفتور عينيه فقط

رجع:

يا طالباً بعد المشيب غضارةمن عيشه ذهب الزمان المذهب
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «حتام أرضى في هواك وتغضب»
أتروم بعد الأربعين تعدهاوصل الدمى هيهات عز المطلب
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «حتام أرضى في هواك وتغضب»
ومن السفاه وقد شآك طلابهيفعاً تطلبه وفودك أشيب
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «حتام أرضى في هواك وتغضب»
لولا الهوى العذري يا دار الهوىما هاج لي طرياً وميض خلب
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «حتام أرضى في هواك وتغضب»

كلا ولا استجديت أخلاف الحيا ... وندى صلاح الدين هام صيب وقد مدحه جميع شعراء عصره وانتجعوه من البلاد؛ فمنهم العلم الشاتاني، واسمه الحسن - وقد تقدم ذكره - مدحه بقصيدته الرائية التي أولها:

أرى النصر مقروناً برايتك الصفرا ... فسر واملك الدنيا فأنت بها أحرى ومدحه المهذب أبو حفص عمر بن محمد بن علي بن أبي نصر المعروف بابن الشحنة الموصلي الشاعر المشهور بقصيدته التي أولها:

سلام مشوق قد براه التشوق ... على جيرة الحي الذين تفرقوا وعدة أبياتها مائة وثلاثة عشر بيتاً، وفيها البيتان السائران، أحدهما:

وإني امرؤ أحببتكم لمكارم ... سمعت بها، والأذن كالعين تعشق وقد أخذه من قول بشار بن برد - المقدم ذكره - وهو:

يا قوم أذني لبعض الحي عاشقةوالأذن تعشق قبل العين أحيانا والبيت الثاني من قصيدة ابن الشحنة قوله:
وقالت لي الآمال إن كنت لاحقاًبأبناء أيوب فأنت الموفق [ومما قيل فيه لبعض أهل المشرق:
الله اكبر، جاء القوس باريهاورام أسهم دين الله راميها
فكم لمصر على الأمصار من شرفباليوسفين فهل أرض تدانيها
فبإبن يعقوب هزت جيدها طرباوبابن أيوب هزت عطفها تيها
قل للملوك تخلى عن ممالكهافقد أتي آخذ الدنيا ومعطيها فلما أنشدها إياه أعطاه ألف دينار]

ومدحه ابن قلاقس وابن الذروي وابن المنجم وابن سناء الملك وابن الساعاتي والبحراني الإربلي، وابن دهن الحصى الموصلي، ومحمد بن إسماعيل بن حمدان الحيزاني وغير هؤلاء، وقد ذكرت أكثر هذه الجماعة في هذا التاريخ. وعذري في تطويل هذه الترجمة قول المتنبي:

وقد أطال ثنائي طول لابسه ... إن الثناء على التنبال تنبال التنبال: الرجل القصير، وهو بكسر التاء المثناة من فوقها وبعدها نون ساكنة وباء موحدة وبعد الألف لام.

قلت: قد تقدم في هذه الترجمة عند ذكر إرسال العاضد إلى صلاح الدين وطلبه إياه ليخلع عليه ويوليه الوزارة ذكر المثل المشهور، وهو " أردت عمراً وأراد الله خارجة " وقد يقف عليه من لا يعرف سبب هذا المثل، ولا المراد منه، فأحببت أن أشرحه كيلا يحتاج من يقف عليه إلى كشفه من مكان آخر، فأقول:

عمرو المذكور هو عمرو بن العاصي بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي القرشي السهمي،

كنيته أبو عبد الله، وقيل أبو محمد، أحد الصحابة ﵃، أسلم سنة ثمان من الهجرة قبل فتح مكة، ومكة فتحها رسول الله ﷺ في شهر رمضان من هذه السنة، وقيل بل أسلم بين الحديبية وخيبر، والأول أصح، وقدم هو وخالد بن الوليد المخزومي وعثمان بن طلحة بن أبي طلحة القرشي العبدري على رسول الله ﷺ بالمدينة مسلمين، فلما دخلوا عليه ونظر إليهم قال لهم: قد رمتكم مكة بأفلاذ كبدها. وقال الواقدي: قدم عمرو بن العاصي مسلماً على رسول الله صلى اله عليه وسلم، قد أسلم عند النجاشي ملك الحبشة، وقدم معه عثمان بن طلحة وخالد بن الوليد، فقدموا المدينة في صفر سنة ثمان من الهجرة، وقيل إنه لم يأت من أرض الحبشة إلا معتقداً الإسلام، وذلك أن النجاشي قال له: يا عمرو، كيف يعزب عنك أمر ابن عمك فوالله إنه لرسول الله حقاً، قال: أتحقق ذلك قال: أي والله، فأطعني، فخرج من عنده مهاجراً إلى النبي ﷺ.

وبعثه رسول الله ﷺ على سرية إلى الشام يدعو أخوال أبيه إلى الإسلام، فبلغ السلاسل من بلاد قضاعة، وهو ماء بأرض جذام، وبذلك سميت تلك الغزوة " ذات السلاسل " وكان معه ثلثمائة رجل، فخاف عمرو، فكتب إلى رسول الله ﷺ يستمده، فأمده بجيش مائتي فارس من المهاجرين والأنصار أهل الشرف، فيهم أبو بكر وعمر ﵄، وأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح ﵁، فلما قدموا على عمرو بن العاصي قال: أنا أميركم وإنما أنتم مددي، فقال أبو عبيدة: بل أنت أمير من معك وأنا أمير من معي، فأبى عمرو، فقال أبو عبيدة، إن رسول الله ﷺ عهد إلي إذا قدمت على عمرو فتطاوعا ولا تختلفا، فإن خالفتني أطعتك، قال عمرو: فإني أخالفك، فسلم إليه أبو عبيدة، وصلى خلفه في الجيش كله، وكانوا خمسمائة. وولى رسول الله ﷺ عمرو بن العاصي على عمان، فلم يزل عليها حتى قبض رسول الله ﷺ.

وفي سنة اثنتي عشرة بعث أبو بكر ﵁ عمرو بن العاصي ويزيد

بن أبي سفيان الأموي، وأبا عبيدة بن الجراح، وشرحبيل بن حسنة، إلى الشام، وسار إليهم خالد بن الوليد ﵁ من العراق، وأول شيء فتحوا من الشام بصرى صلحاً. وتوفي أبو بكر ﵁، واستخلف عمر ﵁ فولى أبو عبيدة على الجيش، وفتح الله تعالى عليه الشام، فولى يزيد بن أبي سفيان على فلسطين، وهي كورة قصبتها الرملة. ولما مات أبو عبيدة استخلف معاذ بن جبل، ومات معاذ فاستخلف يزيد بن أبي سفيان، ومات يزيد فاستخلف أخاه معاوية بن أبي سفيان، وكتب إليه عمر ﵁ بعهده على ما كان عليه أخوه يزيد، وكان موت هؤلاء كلهم في طاعون عمواس، في سنة ثماني عشرة للهجرة.

وعمواس: بفتح العين المهملة والميم وفي آخرها سين مهملة، وهي قرية بالشام بين نابلس والرملة، وكان الطاعون بها في العام المذكور. وقيل بل مات يزيد بن أبي سفيان في ذي الحجة من سنة تسع عشرة بدمشق، والله أعلم، وذلك بعد فتح قيسارية.

وكان عمر ﵁ قد ولى عمرو بن العاصي بعد موت يزيد بن أبي سفيان فلسطين والأردن، وولى معاوية دمشق وبعلبك والبلقاء، وولى سعيد بن عامر بن حذيم حمص، ثم جمع الشام كلها لمعاوية، وكتب إلى عمرو فسار إلى مصر فافتتحها في سنة عشرين للهجرة، فلم يزل عليها والياً حتى مات عمر ﵁، فأقره عثمان ﵁ عليها أربع سنين أو نحوها، ثم عزله وولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري، وكان أخا عثمان ﵁ من الرضاعة، فاعتزل عمرو بن العاصي في ناحية فلسطين وكان يأتي المدينة أحياناً.

فلما قتل عثمان ﵁ سار إلى معاوية باستجلاب معاوية إياه، وشهد صفين مع معاوية وكان منه في صفين وقضية التحكيم ما هو مشهور عند أهل العلم بهذا الفن، وكان قد طلب من معاوية أنه إذا تم له الأمر يوليه مصر، وكتب إليه في بعض أيام طلبه:

معاوي لا أعطيك ديني ولم أنلبه منك دنيا فانظرن كيف تصنع
للشاعر عمرو بن العاص، اقرأ القصيدة

فإن تعطني مصراً فأربح بصفقة ... أخذت بها شيخاً يضر وينفع ثم ولاه معاوية مصر، فلم يزل بها أميراً إلى أن مات يوم عيد الفطر من سنة ثلاث وأربعين للهجرة، وقيل سنة اثنتين وأربعين، وقيل سنة ثمان وأربعين، وقيل سنة إحدى وخمسين، والأول أصح، وعمره تسعون سنة، ودفن بسفح المقطم، وصلى عليه ابنه عبد الله. ولما رجع صلى بالناس العيد، ثم عزل معاوية عبد الله بن عمرو بن العاصي، وولى أخاه عتبة بن أبي سفيان، فمات عتبة بعد سنة أو نحوها فولى معاوية مسلمة بن مخلد.

وكان عمرو بن العاصي من فرسان قريش وأبطالهم في الجاهلية، وكان من الدهاة في أمور الدنيا المقدمين في الرأي، وكان عمر ﵁ إذا استضعف رجلاً في رأيه قال: أشهد أن خالقك وخالق عمرو واحد، يريد خالق الأضداد.

وذكر أبو العباس المبرد في كتاب " الكامل " أن عمرو بن العاصي لما حضرته الوفاة دخل عليه ابن عباس ﵄، فقال له: يا أبا عبد الله، كنت أسمعك كثيراً ما تقول: وددت لو رأيت رجلاً عاقلاً حضرته الوفاة حتى أسأله عما يجد، فكيف تجد فقال: أجد كأن السماء مطبقة على الأرض وكأني بينهما، وكأنما أتنفس من خرت إبرة، ثم قال: اللهم خذ مني حتى ترضى. فدخل عليه ولده عبد الله فقال له: يا ولدي، خذ ذلك الصندوق قال: لا حاجة لي به، فقال: إنه مملوء مالاً، فقال: لا حاجة لي به، فقال: ليته مملوء بعراً، ثم رفع يديه وقال: اللهم إنك أمرت فعصينا، ونهيت فارتكبنا، فلا بريء فأعتذر، ولا قوي فأنتصر، ولكن لا إله إلا أنت، ثم فاظ.

قلت: يقال فاظ وفاض، بالظاء والضاد، أي مات، قال الشاعر:

لا يدفنون منهم من فاظا ... وأما خارجة المذكور في هذا المثل فإنه خارجة بن حذافة بن غانم بن عبد الله بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب القرشي العدوي، شهد فتح مصر واختط بمصر، وكان أمير ربع المدد الذين أمد بهم عمر بن الخطاب ﵁ عمرو بن العاصي في فتح مصر، وكان على شرط مصر في إمرة عمرو بن العاصي لمعاوية بن أبي سفيان الأموي. قتله خارجي بمصر سنة أربعين للهجرة، وهو يحسب انه عمرو بن العاصي، هكذا قاله ابن يونس في " تاريخ مصر ".

وذكره في كتاب " الاستيعاب " لابن عبد البر، وساق نسبه على هذه الصورة. ثم قال: يقال إنه كان يعد بألف فارس؛ ذكر بعض أهل النسب والأخبار أن عمرو بن العاصي كتب إلى عمر ﵁ يستمده بثلاثة آلاف فارس، فأمده بخارجة بن حذافة والزبير بن العوام والمقداد بن الأسود الكندي، وشهد خارجة فتح مصر، وقيل إنه كان قاضياً لعمرو بن العاصي بها، وقيل إنه كان على شرطة عمرو، ولم يزل بها إلى أن قتل، قتله أحد الخوارج الثلاثة الذين كانوا انتدبوا لقتل علي بن أبي طالب، ﵁، ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاصي، فأراد الخارجي قتل عمرو فقتل خارجة هذا وهو يظنه عمراً، وذلك أنه كان استخلفه عمرو بن العاصي على صلاة الصبح ذلك اليوم، فلما قتله أخذ وأدخل على عمرو، فقال: من هذا الذي أدخلتموني عليه، فقالوا عمرو بن العاص، فقال: ومن قتلت فقالوا: خارجة، فقال: أردت عمراً وأراد الله خارجة. وقد قيل إن الخارجي الذي قتله لما أدخل على عمرو، قال له عمرو: أردت عمراً وأراد الله خارجة، والله أعلم من قال ذلك منهما. والذي قتل خارجة هذا رجل من بني العنبر بن عمرو بن تميم، يقال له داذويه. وقيل إنه مولى لبني العنبر. وقد قيل إن خارجة الذي قتله الخارجي بمصر،

على أنه عمرو بن العاصي، رجل يسمى خارجة من بني سهم رهط عمرو بن العاصي، وليس بشيء؛ انتهى ما قاله صاحب " الاستيعاب ".

وقال غيره: إن عمرو بن العاصي أصابه شيء في بطنه فتخلف في منزله تلك الليلة. وكان خارجة يعشي الناس، فضربه الخارجي، وكان عمرو يقول: ما نفعني بطني قط إلا تلك الليلة.

قلت: فهذا أصل المثل في قولهم " أردت عمراً وأراد الله خارجة ". وإلى هذا أشار أبو محمد عبد المجيد بن عبدون الأندلسي في قصيدته التي رثى بها بني الأفطس ملوك بطليوس وأولها:

الدهر يفجع بعد العين بالأثربقوله:

وليتها إذا فدت عمراً بخارجة ... فدت علياً بمن شاءت من البشر وهي من غرر القصائد جمعت تاريخاً كثيراً، وشرحها الأديب أبو مروان عبد الملك بن عبد الله بن بدرون الحضرمي الشلبي، شرحاً مستوفى.

وهذا البيت يحتاج إلى شرح أيضاً وهو من تتمة الكلام على المثل المذكور لكني أذكره مختصراً فإنه طويل:

ذكر أهل علم التاريخ أن علي بن أبي طالب ﵁ لما بويع بالخلافة في اليوم الذي قتل فيه عثمان بن عفان ﵁ خرج عليه من قاتله في وقعة الجمل - وقد ذكرت طرفاً من هذه الوقعة في ترجمة يموت بن المزرع، ساقها الكلام هناك فذكرت المقصود منه - ثم كانت وقعة صفين عند خروج معاوية بن أبي سفيان الأموي، وعمرو بن العاصي، على علي بن أبي طالب، ﵁ فتوجه إليهم من العراق، وجاءوه من الشام، والتقوا على صفين، وهو موضع على شاطئ الفرات بالقرب من الرحبة، وهي واقعة مشهورة، وكانت في سنة سبع وثلاثين من الهجرة. ولما غلب

أهل الشام طلبوا من علي بن أبي طالب ﵁ التحكيم، فأجابهم إليه بعد معاودات كثيرة، فخرج على علي جماعة من أصحابه، وقالوا حكمت في دين الله، ولا حكم إلا لله، ورحلوا إلى النهروان، فمضى إليهم وقاتلهم واستأصلهم إلا اليسير منهم، وهي أيضاً واقعة مشهورة بقتال الخوارج. ولما طال الأمر في ذلك اجتمعوا وقالوا: إن علياً ومعاوية وعمرو بن العاصي قد أفسدوا أمر هذه الأمة، فلو قتلناهم لعاد الأمر إلى حقه، فقال عبد الرحمن بن ملجم المرادي: أنا أقتل علياً قالوا فكيف لك بذلك قال: أغتاله، وقال الحجاج بن عبد الله الصريمي: أنا أقتل معاوية ويعرف هذا الصريمي بالبرك، وقال داذويه، وقيل زاذويه - وقد تقدم الكلام عليه في الكلام على خارجة بن حذافة -: أنا أقتل عمراً، وأجمعوا آرائهم على أن يكون ذلك في ليلة واحدة، فدخل ابن ملجم الكوفة، وعلي ﵁ بها، فاشترى سيفاً بألف درهم وسقاه السم حتى لفظه. فلما خرج علي لصلاة الصبح كان ابن ملجم قد كمن له فضربه على رأسه وقال: الحكم لله يا علي، لا لك، وقيل إنه ضربه وهو في صلاة الصبح، وذلك في صبيحة الجمعة لسبع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان من سنة أربعين للهجرة، وقيل غير هذا التاريخ.

وقدم البرك الصريمي على معاوية بدمشق فضربه فجرح أليته، وهو في الصلاة، ويقال إنه قطع عرق النسل، فما أحبل بعدها.

وأما عمرو فقد سبق الكلام عليه عند قتل خارجة وهذا تفسير المثل والبيت الشعر على سبيل الاختصار، والله أعلم.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حَرفُ اليَاء (٢)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.