تجاوز إلى المحتوى

من «الكتيبة الكامنة فيمن لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

الكتيبة الكامنة (٥)

ولازلت تحيي للمكارم رسمها ... وقدرك في أعلى العلا والنهى راق ومن غريب ما خاطبني به وأنا صبي بين يديه:

أقسم بالقيسين والنابغتينوشاعري طيء المولدين
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة
وبابن حجر وزهير بعدهوالاعشبين بعده والأعميين
ثم بعشاق الثريا والرقياتوعزة ومي وبثين
وبابي الشيص ودعبل ومنكشاعري خزاعة المخضرمين
وولد المعتز والرضي والسريثم حسن وابن الحسين
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة
واختم بقس وبسبحان وانأوجبت أن يكونا أولين
وليتي نظمهم ونثرهمفي مشرقي أقطارهم والمغربين
إن الخطيب ابن الخطيب سابقبنثره ونظمه للحلبتين
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة
وافتني الصحيفة الحسنا التيشاهدت فيها المكرمات رأي عين
تجمع من براعة المعنى إلىبراعة الألفاظ كلتا الحسنيين
اشهد انك الذي سبقت فيطريقة الآداب أقصى الأمدين
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة
شعر حوى جزالة ورقةتصاغ منه حلية للشعريين
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة
رسائل أزهارها منثورةسرور قلب ومتاع ناظرين
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة
يا احوذيا يا نسيج وحدهشهادة تنزهت عن قول مين
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة

بقيت في مواهب الله التي ... تقر عينيك وتملا اليدين وكان ﵀ مولعا بالألغاز يفاكنها بطرفها اكثر الأوقات، ويرى إن طريقها في اللغو اسلم الطرقات، فيشغلها بحلوائها، عن أغراض الألسنة وأهوائها، فمن ذلك قوله ملغزا في حجلة؟ الطائر المعروف:

خاطبت كل فطن لبيبما اسم لأنثى من بني يعقوب
ذات كرامات فزرها قربةفزورها أحق بالتقريب
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة
وقد جرى في خاتم الوحي الرضىلها حديث ليس بالمكذوب
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة
وهو إذا ما الحاء منه صحفتصبغ الحياء لا الحيا المسكوب
فهاكها واضحة أسرارهافأمرها اقرب من قريب وقال في آب الشهر بالقبطية:
حاجيتكم ما اسم علمذو نسبة إلى العجم
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة
يخبر بالرجعة وهوراجع كما زعم
وهو الحميم معرباتصحيف أو بدء قسم
دونكه أوضح مننار على راس علم وقال في كانون:
وما اسم لسميينولم يجمعها جنس
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة
فهذا كلما يأتيفبالآخر لي انس
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة
وهذا اصله الأرضوهذا اصله الشمس
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة
وهذا ما له سوموهذا سومه فلس وهذا واحد من سبعة تحيا به النفس

فمن محموله الجن ... ومن موضوعه الأنس فقد بان الذي ألغزت ما في أمره لبس ... ومن ذلك قوله في نمر:

ما حيوان ما له من حومةإذا اسمه صحف فابن العمه
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة
وقلبه من بعد تصحيف لهيريك في الذكر الحكيم أمه ومن ذلك قوله في سلم:
ما اسم مركب مفيد الوضعمستعمل في الوصل لا في القطع
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة
ينصب لكن اكثر استعمالهيعنى به في الخفض أو في الرفع
وهو إذا صغرته مخففاتراه شملا لم يزل ذا صدع
فالاسم ان طلبته تجده فيخامسة من الطوال السبع
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة
وهو إذا صحفته يعرب عنمكسر في غير باب الجمع
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة
له أخ افضل منه لم تزلآثاره محمودة في الشرع
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة
هما جميعا من بني النجاروالأفضل اصل في حنين الجذع
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة
فهاكه قد سطعت أنوارهلا سيما لكل زاكي الطبع ومن ذلك في فنار:
ما اسم إذا حذفتمنه فاءه المنوعة
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة
فانه بنت الزنامضافة لأربعه ومن ذلك قوله في الحوت:
ما حيوان في اسمهإذا اعتبرته فنون
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة
حروفه ثلاثةوالكل منها هو نون
تصحيفه قطع الفلاأو ما جناه المذنبون
أو ابيض أو اسودأو صفة الخئون
وقلبه مصحفاعليه دارت السنون
كانت به فيما مضىعبرة قوم يعقلون
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة
أودع فيه عندهسر من السر المصون
هاكه كالنار في الزندلها فيه كمون ومن ذلك في مائدة:
حاجيت كل فطن نظارما اسم لأنثى من بني النجار
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة
وفي كتاب الله جاء ذكرهافقلما يغفل عنها القاري
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة
في خبر المهدي فاطلبها تجدإن كنت من مطالعي الأخبار
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة
ما هي إلا العيد عيد رحمةونعمة ساطعة الأنوار
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة
يشركها في الاسم وصف حسنمن وصف قضب الروضة المعطار
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة
فهاكه كالشمس في وقت الضحىقد شق عنه حجب الأستار ومن ذلك في زبيب:
ما نقي العرض طاهر الجسدكلما خالطه الماء فسد
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة
خالط الماء القراح فغوىبعدما قد كان من أهل الرشد
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة
عجمي الأصل تم حسنهعندما صاد الغزالة الاسد
واسمه اسم امرأة مصحفاولقد يكون وصفا لولد
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة

هاكه قد بهرت أنواره ... فارم بالفكر تصب قصد السدد الكاتب أبو علي حسن بن علي بن عمر بن إبراهيم القيجاطي

رحمه الله تعالى:

فكه غزل، وعن أشعرية الخدود معتزل، ركض طرف الشبيبة فأنضاه، وطلب دينها فاقتضاه، وكانت له عن بلده رحلة ساعده فيها الجد، وطلق القبول الممتد، فكتب بافريقية عن ملوكها، وانتظم في سلوكها، إلى أن أمضى لسبيله، شان قدوم الوجود وقبيله، وله شعر رقيق الغزل، غير ملتبس بالجزل، فمن ذلك في غرض النسيب، إذ الشباب قشيب، والفود لم يرعه مشيب:

يا منية والهجران منيتهاهجر فإني على ما شئت مصطبر
وته واعرض وعذب واستطل واهنفكل ذلك محمول ومغتفر
الله يعلم إن النفس فانيةوان جفني قد أودى به السهر
كيف الخلاص وسحب الدمع واكفةوجذوة الشوق في الأحشاء تستعر
يا لين القد حتى انه غصنوقاسي القلب حتى انه حجر
اسحر بابل من عينيك يمنعنيدين السلو أم الصمصامة الذكر
لولاك ما أرقت عيني ولا علقتبمهجتي للهوى ناب ولا ظفر ومن ذلك قوله:
على مثل عبد الله يستعبد الحرويستعذب التعذيب والتيه والهجر
وإلا فمن هذا الذي هو مثلهوقد قصرت عن مثله الشمس والبدر
له وجنة وردية ومنصفبه اللؤلؤ الرطب المنضد والدر
ولحظ علمت السحر منه حقيقةوما كنت ادري قبل ذلك ما السحر
أمولاي رفقا بالعبيد فانهمشوق كما شاءت جفونك والدهر
يرجي انقضاء الهجر منك وربماتسلسل حتى ينقضي دونه العمر

قضى الله إن أفنى عليك صبابة ... له الحمد فيما قد قضى وله الشكر ومن أبياته في اللف والنشر المرتب:

جبين وشعر ووجه وقدوخد وطرف وريق وثغر
صباح وليل وبدر وغصنوورد وسحر وخمر ودر

الشيخ الوزير والقائد الكاتب أبو بكر بن ذي الوزارتين

أبي عبد الله بن الحكيم رحمه الله تعالى بمنه

ماجد أقام ربع المجد بعد عفائه، وأيقظ طرف الفضل بعد إغفائه، وكتب على عقده باكتفائه، ما شئت منكرم بحت، ويرى في المجد ونحت، برز في حمل الحديث وروايته، واجتنى ثمرة رحلة إليه وهو في حجر دايته، ودون الفهارس، وأحيا الأثر الدارس، وكان من مفاخر الدهر، ورياض الفضل المونقة المزهرة، وله شعر دون مقداره، وما يليق بهالة ابداره، وان كان له فضل حكم اقتداره، فمن ذلك، ونقلته من خطه:

تصبر إذا ما أدركتك ملمةفصنع إله العالمين عجيب
وما يدرك الإنسان عارة بنكبةفينكب فيها صاحب وحبيب
ففي من مضى للمرء ذي العقل أسوةوعيش كرام الناس ليس يطيب
ويوشك أن تهمي سحائب نعمةفيخضب ربع للسرور جديب
إلهك يا هذا مجيب لمن دعاوكل الذي عند القريب قريب وقال رحمه الله تعالى:
أيا من له الحكم في خلقهويا من بكربي له أشتكي
تول أموري ولا تسلمنيوان أنت أسلمتني أهلك

تعاليت من منعم مفضل ... ونزهت من طالب مدرك الكاتب بالدار السلطانية أبو القاسم محمد بن محمد بن محمد

بن الحكيم، ولد من الإكليل:

فرع محمد وجلالة، ورث الفضل لا عن كلالة، واقتفى من سنن سلفه اثر هاد يدله، فيما يعقده أو يحله، واتسم بميسم الحياء والحياء خير كله، وله أدب حسن الشارة، ومعان لطيفة الإشارة، فمن ذلك قوله:

وساق يدير السكر من كأس لحظهويفتن ألباب البرايا بسحره
يدير عقارا مثل ورد حيائهبهاء، وطيبا مثل نفحة نشره
يريك إذا قبلت فاه بكأسهسهيلا وقد أوفى إلى لثم بدره
عجبت لها قد نعمت ورد خدهولم تسق إلا أقحوانة ثغره

ومن مقطوعات التورية:

بنفسي حبيب مال عامل قدهعلي ولما ينعطف وهو كالغصن
ويا عجبا منه متى صار ذابلاونضرته لم تنأ عن خوطه اللدن
وأعجب من ذا إن سيف لحاظهيمزق أفلاذ الحشا وهو في الجفن وقال في التورية أيضا:
بأبي وغير أبي غزال نافربين الجوانح يغتدي ويروح
قمر تلألأ واستنار جبينهغارت به بين الكواكب يوح

لم يرض غير القلب منزلة فهل ... يا ليت شعري بالذراع يلوح ؟ الشيخ الكاتب أبو اسحق إبراهيم بن يحيى

بن زكريا، رحمه الله تعالى:

حامل لواء الخط، والمنفرد بأحكام البري والقطن السابح من الإبداع في لجة بعيدة الشط، كثير الحشمة والحيا، وأخذ نفسه في ذلك بالاغيا، من أولي الأصالة والأحساب، والبيوت النبيهة عند الانتساب،

وشعره متوسط، وفي الطولات متبسط، فمن ذلك قوله:

يا ظاهراً ما عرفت الحب لولاهوما المراد وما المقصود إلا هو
من حبه ساكن في القلب يعمرهومن منى النفس في ترديد نجواه
وذكره في ضميري لا زوال لهأنسي وراحة نفسي يوم القاه
أحاط في لطفه ما إن يفارقنيفما ألذ على قلبي وأحلاه
مولاي والعبد في بحر الهوى غرقوالقلب في حرق والحب أغراه
والحب ما اختاره من كان يعقلهوالسقم أوله والموت أخراه

والذل في الحب عز إن ذا عجب ... والموت للعبد فيه عين محياه ؟ الكاتب أبو العلاء محمد بن محمد بن سماك العاملي،

رحمه الله تعالى وعامله بفضله وكرمه:

مجموع خصل، وفرع نشأ عن أي اصل، ومشيخ بنصل، في يوم فصل، كتب مع الحلبة، وشاركهم في افتراع الهضبة، وانشد الشعر فأجرى بغير الخلاء، وجعل دلوه في الدلاء، فمن شعره يمدح السلطان ويذكر الواقعة البحرية بالروم:

فتح قضاه لملكك الرحمنلم تأت قط بمثله الأزمان
فلأي يوم سعادة أولاكهذلت بعزة نصره الصلبان
بشرى كما فغم العبير لناشقوافتر عن أزهاره البستان ومن قصيدة يمدح السلطان ويذكر فتح بعض الحصون:
بشرى بها صبح الهداية مسفربشرى بها ليل الضلالة مدبر
فتح تلقى النصر منه تحيةمن لفظها ماء البشاشة يقطر
فتحت سيوفك كريكول وانهفي الفتح عنوان لما هو اكبر
ثغر على الأرض الفضاء طليعةفله على كل البسيطة مظهر
يرنو إلى أرض العدو كأنهلحظ يضم عليه منها محجر
ما إن يشن الكفر يوما غارةألا وبالمغوار منه منذر
صعد العداة عليه امنع معقلمتمثلين بأنه لا يحصر
فسمت جيوشك منه أعلى شاهقيرتد عنه الطرف وهو محير
في راس سن لا تقام سماؤهمن دونه قطر الغمام الممطر
فكان هرمس بث حكمته بهوأدق فيه فكره الاسكندر
فضفا من النقع المثار عليهمبرد باطراف الرماح محبر
فاستنزلوا مستسلمين وربماأعيا الحماة حلول ما لا يقدر
ألقوا يد الإذعان خيفة هلكهموضلوعهم تندق أو تتفطر

واحتل فيه الدين دين محمد ... والله يخذل من يشاء وينصر وكتب الي يهزني بمجلس السلطان أنجاده وأعانته على مراده:

يا ابن الخطيب من الذي بثنائهقد قام في مرقى مناي خطيبا
جدد عوائدك التي أنشقتنيمن زهر نعمتها المنعم طيبا
واهزز لنا غصن الخلافة يانعايسقط جنى نيل المراد رطيبا

لازلت ذا فضل علي وحمده ... مني مطيلا لا يزال مطيبا وانشد في بعض مجالسه، وجهل ما عند الصوفية في قوله بالله ثم مع الله:

مناي من الدنيا كتاب وخلوةأكون بها بالله ثم مع الله
وأنشر من ذاك الكتاب معارفالكل منيب للمهيمن آواه الكاتب أبو بكر محمد بن محمد بن عمر

بن علي القرشي ﵀ وغفر له بمنه

قريع أصالة وديانة، ونشأة ورع وصيانة، أصبح لهبة الظرف ناسما، فلا تلقاه الا باسما، وأمسى لشذا الكمال ناشقا، فتراه لإغراض النبل راشقا، فما شئت من حلاوة الضرائب والشمائل، والأدب المزري بأزهار الخمائل؛ وله شعر يشهد بجودة الخاطر، وإغداق الطبع الماطر، ومضاء الفكر الشاطر، كتب إلي يهزني للنظر في حاله، ويحركني لسقي امحاله، بقوله:

قد حل دهري مرائر العقدلا عزمتي عزمتي ولا جلدي
وكنت إذ امدح الجواد إذادنياي تصفي الحياض لم أرد
إربا إذا أقبلت بزهرتهاوأدبرت ان تمر في خلدي
حتى إذا أرسلت خمائلهابالأهل ختالة وبالولد
تلعب بي كيفما تشاء كمايلعب موج البحار بالزبد
هذا ولو أنصفت لما رضيتإن تحمل الأسد محمل النقد
وحلبة الخيل لم يكن أبداسكيتها كالسبوق في الأمد
يا ابن الخطيب الذي قد أرتفعتبه سماء العلا على عمد
واستخدم السيف عنده قلممقلم الظفر في يدى أسد
وأصبح السعد في سياستهلمنصب الملك ضامن الرشد
هذي عظيم الأمور قمت بهاجميعها غير واهن الكتد
فانهض بمن قد أوى إلى حرممنك وقد التجا إلى سند
وشد له رتبة نصبت لهفيما مضى أمرها فقال: قد
حسبت تلك التي لدي فماآفاتها كونها على صدد
وقد تصير النفوس راغبةفي الشيء لم تعتبره من زهد
والحب ملء الفؤاد لو طلبتزيادة فوق ذاك لم أجد
أنت الذي فضله قد انتشرتآثاره في القريب والبعد
تخدي بذاك الحداة أينقهامن بلد نازح إلى بلد

فدم لأفق السماء شمس هدى ... وآبق لكسب العلا مدى الأبد وكتب لي لمل قدمت من المغرب إلى الأندلس لإقامة الدولة، ولو شاء

ربك ما فعلوه:

قدمت فما الغيث عند الجدوبولا السلم عند توالى الحروب
ولا البرء من دنف مزمنوشرخ الشبيبة بعد المشيب
ولا الأمن من خيفة والغنىمن الفقر، والأهل عند الغريب
بأحسن من نبأ واردببشرى إيابك يا ابن الخطيب
فإنك قطب مدار العلاومركزها وعماد الطنوب
وإنسان عين الزمان الذيتداعت به مضمرات القلوب
هنيئاً لأندلس بشرهابيوم لقائك بعد القطوب
فعند ركوبك من بحرهاثوى عندها قلب لفظ الركوب
فإن كمن عطلتها بالنوىفقد جئتها بالحلي العجيب
وأبرز لفظك در افتخارفقلدت في جيدها والتريب
واطلعت في أفقها آيباًلأنوارك الشمس بعد الغروب
وجددت سالف أيامهاكما جدد الأنس وصل الحبيب
فدام لنا بك توفيقهاعلى الأرض من نازح أو قريب
ودمت تشيد ربع العلاكما شاده من مضى للغعقيب
وتبلغ فيما تريد المنىوتعطى من السعد أوفى نصيب ومن المقطوعات المطبوعات قوله:
شاركت لحظم في السقامولهيب خدك في الضرام
وحكيت خصرك رقةفحملت أثقال الغرام
ولقد غدا صبري الجميلكمثل عهدك في انصرام وقال متغزلاً في أحول، وهو من المليح:
يا لائمين لحوا في حب ذي حولجفونه أبداً تشكو لنا مرضا
لا تنكروا واحذروا من سهم مقلتهفإنما هو رام يأخذ الغرضا ومن فكاهته قوله:
غنى بشعر سواي أغيد لم يلحللعين أبدع من بدائع حسنه
فغدوت فيه مخالفاً كل امرئوموافقاً هذا الهوى في فنه
والمرء يفتن بابنه وبشعرهإلا أنا فبشعر غيري وابنه وقال ﵀ وبه يختم اسمه:
يا عجباً من عاقل غافلهيهات أين العقل ما أشحطه

وضاحك بملء ولا ... يدري أأرضى الله أم أسخطه ؟ الكاتب أبو القاسم محمد بن سعيد بن عيسى الحميري:

رحمة الله تعالى عليه:

هذا الرجل قريع أبوه، وإعجاز سور الفضل متلوه. نشأ آية الصون في هذا الكون، ومتجملاً بأحسن اللون، وولي الكتابة والقضاء، فما عدم في كليهما المضاء؛ وله أدب يقيم الرسم، ويحسن

الوسم، فمن ذلك نما كتب به إليّ ونحن غازون، وإلى نسب الشبيبة معتزون، وقد ثبت هذا بمحله:

يا قدوة الأعصار والأزمانوعجيبة من مذهل الأذهان
شملت شمائلك المحاسن كلهاوطبعت في خلق على إحسان
يبأى البيان بأن طلعت بأفقهبدراً وما يخشى من النقصان
فجرى الزمان بمعجبات للنهىمن فكركم لاحت على الأزمان
وأبان تبياناً بفضلك فضلهيغني غناء الشمس عن تبيان
أما البيان ففي لديك لواؤهيحمى ببيض القضب والمران
يحمي اليراع بمرهف من حدهوبذابل من قده بسنان
هذي البلاغة قد ملكت زمامهافإليك ألقت بيعة الرضوان
فتح من الرحمن قد أوتيتهفبه تعوذه من الشيطان
فتبارك الوهاب كل فضيلةسبحانه من منعم منان وهي طويلة فأجبته عنها بمثلها بما أوله:
ذكروا العهود فهاج من أشجانيشوق إذا جن الدجى ناجاني
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «ذكروا العهود فهاج من أشجاني»
فكأنما الآماق مني أبحريقذفن بالياقوت والمرجان
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «ذكروا العهود فهاج من أشجاني»
ولو أنني أمسكت أجفاني وقدذكروا العهود لقلت: ما أجفاني ومن شعره يوصي من التنمس منه ذلك:
عليك بتقوى الله في السر والجهروراقبه مهما جئت يوماً إلى أمر
وعامل جميع الناس والرضىوصاحب عرفانه بك لا يزري
وواظب على تحصيل علم وطاعةوقدم جميعاً للضريح وللنشر
ومهما دهاك الخطب واشتد وقعهفصبراً فإن الخير عاقبة الصبر
فهذي وصاتي قد منحتك صفوهافخذها بجد تكتسب درر الخير ؟ الكاتب الفارس أحمد بن أحمد

بن خلف الجزيري، رحمه الله تعالى:

فارس يخدم للتأديب والتجند تحت رايتين، ويستأثر من أجل ذلك بجريالتين، فإن عرضت كتيبة الخط كتب، أو تعرضت كتيبة الخطي حرس ورتب، إلى خط حسن، ولسان لا يخلو عن لسن، وكان منزور الشعر قليله، نابي الحد فيه فليله، فمما حفظ عنه:

سقم الجفون هو السقام حقيقةيعدي الجسوم فلا تبين نحولا
لا تنظرن لها فتندم بعدهازمناً طويلاً إن نظرت قليلا

فالنرجس المصفر في روض الربى ... مر النسيم به فجاء عليلا ؟ الشيخ الكاتب أبو علي الحسن بن عبد السلام

ابن يوسف وهو الأنصاري، ﵀ عليه:

حامل براعةٍ بارعة، وبديهة مطاوعة مسارعة، لاك الكلام

وتملكه، واستحسن الإحسان وملكه، وأدار على قطب الإجادة فلكه، وساعده الدهر فتحرى طريق السرور فسلكه، ولم يزل المقدار يساعده، وينوء بالجد ساعده، حتى كثر ماله وآماله، ونجحت أعماله، ثم عجم الدهر عود صولته، وتقلب بدولته، فآثر الرحيل، وفارق الربع المحيل، فنضبت جمامه، وأتاه بتونس حمامه؛ ومن شعره يلغز في الوطن:

أحاجيك ما شيء إذا ما ذكرته" سما لك شوق بعدما كان اقصرا "
تسير له الركبان شرقاً ومغرباوشوقاً له ما أن تمل من السرى
يحن له من كان مثلي نازحاًوبهواه حقاً كل من وطئ الثرى
ومن عجب أن ليس بهوى لحسنهولكن لأمر سره شمل الورى
وأعجب من ذا أنه غير ناطقويسأل أحياناً فيوجد مخبرا

فهاهو للأبصار أوضح من ضحى ... وأشهر في الآفاق من مثل سرى وقال يخاطب الوزير أبا عبد الله بن الحكيم:

رأتك الوزارة أفقاً وإنفويق السها أوطأت رجلها
فهامت ورامت بأن ترتقيإليك وقد خلعت نعلها
هوت وصل من لم تجد غيرهوإن كثر الناس أهلاً لها
فأوليتها من رضاك المنىوجمعت فضلاً بكم شملها
فيهني الوزارة إن أصبحتتجرر تيهاً بكم ذيلها
وينهك ما نلت من نعمةمجددةٍ لك ما قبلها

وقال يرثي الأستاذ أبا محمد بن أبي السداد رحمه الله تعالى:

صروفك أدهى لا البحار الزواخروخطبك أمضى لا القصار البواتر
ومن عجب أنا نحن إليك ماحيينا وأنا من سواك نحاذر
وما مر يوم منك إلا وإنهلمر ولم لا وهو بالعيش سائر
ومن نظر الدنيا بعين بصيرةٍنهته عن أن تصبو إليها البصائر
فيا عجباً أنى تلذ لنا الكرىوما نام عنها للمنية ناظر ومنها بعد كثير:
أتيت عليهم تارة بعد تارةفلم يبق وتراً صرفك المتواتر
وأوردتهم رغم الأنوف موارداًمن الحتف لكن ما لهن مصادر
فأمست ربوع القوم وهي بلاقعكأن لم يكن فيهن من قبل عامر
وليتك لم تسلب أولي الفضل أولاًأظنك من شوق إليهم تبادر
وما زلت تختار العباد وتنتقيكأنك ما يرضيك إلا الأخاير

كمثل إمام العصر أستاذنا الذي ... بأدنى سجاياه الكرام نفاخر ؟ الرئيس الكاتب أبو علي حسين بن عبد الحكيم بن الحسين

بن تداررت التنملي، المحسوب من الأندلس لولادته بها، وإن

كان أبوه من قسنطينة ﵀، وهو من شعراء الأكليل:

درة تحلى بها الزمن العاطل، وعدة أنجزها الفضل الماطل،

وبارق جود أومض به الجود الهاطل، ما شئت من خلق تدل على الكمال مخايله، ومجد كرمت أواخره وأويله، وأدب تجلت عذاراه وعقايله، فإذا تناول الرقاع ووشاها، وغشى الطروس من حلل بيانه ما غشاها، ود صفح البدر أن يكون لها قرطاساً، ونجم النوء إن يكون على درها غطاساً؛ نشأ بالصون مكلوفاً، وعن الدناءات أنوفا، فلما فاز فرنده بصقاله، وزها روض حسنه بأفعاله، بادر عزمه بحل عقاله، وسعد سعادة تشبه الصخر عند انتقاله، فكان بالدولة المرينية جملة الكمال، ومظنة الآمال، إلى أن استأثر بدرته النفيسة البحر، فتعطل النحر، وكان له أدب يستعير منه العرف النسيم، ويحسد حسنه الصبح الوسيم؛ فمن ذلك قوله في الأغراض السلطانية:

منحت اللهى وحميت الذمارافرقت ثناء ورعت اقتدار
وعمرت وقتيك نسكا وملكاًفتعبد ليلاً وتهدي نهارا
ولم تلو حزماً على لذةلأنك لم تلف فيها افتخارا
ولم تتهيب صعاب المراميولم تخش من هولها حين ثارا
أطعت الإله فلا شيء إلاأطاعك دأباً وأبدى ابتدار
وأيدك السعد يا حبذافما إن تبارى وما إن تجارى
ولا نفس إلا بحبك دانتولا قلب إلا لخوفك طارا
فلله منك حمى أو حمامإذا ما أغار ومهما أجارا
مليك إذا ما دجا ليل ظلمأرانا من العدل فيه نهارا ومنها بعد كثير:
إذا ما حبا فهو الجود جوداًومهما أحتبى فثبير وقارا
له رأفة وطأت منه نفساًوبأس عدا الشامخات انفطارا
من القوم إن ركبوا الصافناترأيت الرياح بأسد تجارى
نجوم بدت في سماء العلافكل شهاب بها قد توارى
رأوا غاية المجد بذلاً فجادوابأنفسهم واستقلوا النضارا ومن قوله في المقطوعات:
ليهن خليلي من ودادي إننيبعين الرضى في كل حين ألاحظه
وأن لست ذا حقد عليه إذا هفاولو أنه ثارت عليه حفائظه
متى ساء منه لفظ فلست منأجازيه بالهجر الذي هو لافظه
وإن نال من عرضي بعيب غفرتهوإني بظهر الغيب جهدي لحافظه
وما المرء إلا يمنح الخل بشرهإذا ما أتاه منه ما هو غائظه
ومن حاسب الإخوان في اللفظ عاتباًفقد أحرز الخلق المحمد لافظه
فرب أخي خلق جديد مراجعبصيرته يهديه للحق واعظه
فما الخل إلا الطرف يعظم نفعهويغضي إذا أقذت عليه لواحظه ومما صدر به رسالة:
زارت على حين يأس من تلاقيهاوالنفس رهن اشتياق في تراقيها
فأنتشرت ميت عتب آي منشيهاوابرأت مس وجد صحف راقيها
صحيفة حسنات الدهر قد جمعتفباليمن يلقى يمن لاقيها
كأن ألفاظها تحوي معانيهاكأس المدامة أسلافاً تساقيها
لكن حين حياني الرسول بهاكأس الثريا التيم ساقيها وقال وقد عرض الجيش بحضرته:
رأيت العرض بين يدي مليكله ملك يناقشه الحسابا
فهذا يرتضي فيري نعيماوذا لا يرتضي فيري عذابا
فأذكرني ولا أنساه عرضاًله فود الوليد الغر شابا

لدى ملك كبير ليس يرجو ... نوالاً لا ولا يخشى عقابا ؟ الفقيه الكاتب أبو عبد الله محمد بن علي المسنجي

المالقي، رحمه الله تعالى:

طالب لطيف الشميلة والضريبة، سالك على السبل القريبة، يجيد الخط، ويعاني الأدب المنحط، مستظهراً السكون، والجنوح إلى الخير والركون، تعلق بخدمة الدولة المرينية ملقياً بعطنه، نازغعاً إليها من وطنه، عارضاً بضائع فطنه، فانتظم في كتاب بابها، وعكف على أعتابها، وأينعت حاله بربابها، إلى أن هلك في بعض الأسفار، غريباً في القفار، فلا عدته مغفرة الغفار؛ وكان له شعر يزعجه التلفيق، ويمده الشفيق، فمن ذلك قوله:

يا بدر آفاق المعارف والعلاوإمام كل بديعة وصواب
ومن الذي أزرى بأكثم حلمهونأى على الجرمي في الأعراب
لما اقتبست سنا بلاغتك التيأزرت على الشعراء والكتاب
جاريت سباق البيان ففقتهمفي حالي الإيجاز والأسهاب ومن شعره قوله:
حنانيك يا من قد وكلت له أمريورحماك في مستصرخ بك يا ذخري
حنانيك أعلى ما قصدت بهمتيونعماك أسنى ما اعتمدت من الدهر
إذا كنت لي لم أخش خسران صفقةوإن لم تكن لي كان تجري ذا خسر

وعلياك ما لي غير جودك ملجأ ... أيممه في حالي السر والجهر ؟ الطالب محمد بن عبد الله بن أبي القاسم اللوشي الكاتب،

رحمه الله تعالى عليه:

كان طالباً خيراً، وموسوساً متطيراً، وكان من قربه وزلفه، شهرة سلفه، فانتظم في الكتاب وارتسم، ثقيلاً كلما ابتسم، ومنقبضاً

فبالانبساط ما اتسم، إلى أن عاجله مبيد النسم؛ وشعره مناسب لحاله، ومن جنس انتحاله، فمن قوله يرثي أستاذ الجماعة أبا عبد الله ابن الفخار، رحمه الله تعالى:

ويوم نعى الناعي شهاب المحامدتغيرت الدنيا لمهلك واحد
فلا عذر للعينين أن لم تسامحابدمع يحاكي الوبل يشفي لواجد
قضى من بني الفخار أفضل ماجدجميل المساعي للعلا جد شائد
طواه الردى ما كل حي يهابهوما ورده عاراً يشين لوارد
لقد غيبت منه المكارم في الثرىغداة ثوى وانسد باب الفوائد
فيا حاملي أعواده ما علمتمبسؤدده الجم الكريم المحاتد
ويا حفرة خطت له اليوم مضجعاًسقتك الغوادي الغاديات الرواعد
ألا يا حمام الأيك ساعدن في البكاعلى عالم الدنيا وزين المشاهد
على من لو اسطعت الفدا لفديتهبأنفس مال من طريف وتالد
محمد ما النعمى لموتك غبطةتروق ولا ماء الحياة ببارد
وكيف وباب العلم بعدك مغلقوموردك المتروك بين الموارد
أأستاذنا كنت الرجاء لآملفأصبحت مهجور الفناء لقاصد
فلا تبعدن شيخ المعارف والحمىأليس الذي تحت التراب بباعد
لتبك العيون بعدك اليوم شجوهاويعف لها ربع العلا والمحامد
ليبك عليك الجود والحلم والتقىوحسب البكا أن صرت ملحود لاحد
أمولاي من للمشكلات يبينهافتجلو عمى كل القلوب الشواهد
ومن ذا يحل المقفلات صعابهاومن ذا الذي يهدي السبيل لحائد
فيا راحلاً عنا فزعنا لفقدهلقد أونست منك القبور بوافد
ويا كوكباً غال الزمان ضياءهوشيكا وهل هذا الزمان بخالد
سأبكيك ما لاحت بروق لشائموأرعاك ما كان الغمام بعائد

عليك سلام الله ما هبت الصبا ... تهب بغصن في الاراكة مائد ؟ الكاتب محمد بن عبد الحكيم بن تداررت أخو أبي علي

المذكور، رحمه الله تعالى:

فاضل، عن حماه مناضل، شدت من أواخيه، حرم " أخيه، فكتب مع الجماعة وسلك، وتصرف في القضاء إلى أن هلك، رحمة الله عليه أية سلك، ولم أسمع له شعراً إلا قوله يرثي:

أخي حسيناً وحيد الزمانسقى الله قبرك صوب الولي
فقد كنت في الجود حاتم طيوفي مجمع الحفل صدر الندي
وفي الكتب آية فخرٍتتيه الطروس بمنشئها البابلي
وفي الحرب عمراً ثباتاً وصبراًإذا طاش بالذعر قلب الكمى
وفي الحسن بدر تمامٍ تجلىفراق العيون بمرأى بهي
رمتك وشيكاً قسي المنونفلم تخط أسهم تلك القسي
فمن للمعالي يصوغ حلالهافتختال زهواً بأبهى الحلي
طوتها البحار ولا غرو إنتغار على درها المعتلي
بكاك الوجود وحق البكاعلى فقد ذاك الجمال السني
بكاك الوجود وحقعلى درها المعتلي
فيا فجعةً طالما أثقلتفؤادي يوم طروق النعي
فلو كنت تفدى بمالٍ ونفسٍلأعطيت فيك نفيس الفدي

ولكن فقدتك كنزاً عتيداً ... فحسبي التأسي بفقد النبي ؟ الفقيه الكاتب معلم ولد السلطان، محمد بن محمد بن محمد

الخولاني الشريشي، ﵀ بمنه.

مجموع طلب، وحميد منقلب، ساعده الحظ بعد كدح، وأورى بعد اصلاد قدح، فأصبح ماليء الأعطان، مستحصد الأشطان، معلم ولد السلطان، وله في الأدب حصة نامية، وفي سمائه ربابها هامية؛ فمن شعره في النسيب:

بي شادن أهيف مهما انثنىيحكي تثنيه القضيب الرطيب
ذو غرة كالبدر قد أطلعتفوق قضيب نابت في كثيب
خضت حشا الظلماء من حبهأختلس الوصل حذار الرقيب
فبت والوصل لنا ثالثيضمنا ثوب عفافٍ قشيب
حتى إذا ما الليل ولىّ وقدمالت نجوم الأفق نحو الغروب
ودعته والقلب ذو لوعةٍأسبل من ماء جفوني غروب
فلست أدري حين ودعتهقلب بأضلاعي غدا أم قليب وقال أيضاً:
يا أجمل الناس ويا من غدتغرته تمحو سنا الشمس
أنعم على عبدك يا مالكيدون اشتراء ومنى نفسي
بأن ترى وسطى لعقدي وأنتعيد ربعي كامل الأنس
فإن تفضلت بما أرتجيأبقيتني في عالم الإنس
وإن تكن ترجعني خائباًفإنني أدرج في رمسي وقال في فضل العلم:
يا طالب العلم اجتهد إنهخير من التالد والطارف
فالعلم يزكو قدر إنفاقهوالمال إن أنفقته تالف

؟ الشيخ الكاتب الرئيس أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن أحمد

بن صفوان القيسي، ﵀:

فارس بهذه الميادين معلم، وحجة برهانها مسلم، وبطل لا ترد شباة نقده، ولا تحل مبرمات عقده، يرمي الغوامض بالذهن الذي لا ترد شباه، ولا تفل عند الضرب ظباه، ويفك الأقفال إذا عظم الاشتباه، وله في إيضاح المعميات مقام خفق لواه، وتخصيص من الله تعالى لم يخص به سواه؛ حل في حلبة الكتاب بطلاً بئيساً، وكتب عن السلطان رئيساً، ثم آثر الانقباض فما أعمل في خدمة بنانا، ولا شغل بها جناناً، يتمعش من عقد الشروط أحيانا، والدهر يوسعه نسياناً، ويذهب أثراً منه وعيانا، قد اجر رسنه همة لا ترضى الكاتب بعلاً، ولا الجوزاء وشاحاً ولا الثريا نعلا، إلى أن نظرت في أمور الملك فانتشلته من مهواه، ودللت البر على مثواه، واسنيت له الجراية، ونشرت من تعظيمه الراية، فأصبح به حفيا، إلى أن مات مكفيا. وشعره وثيق

مبناه، ومتكاف لفظه ومعناه، وله بالمقاصد الصوفية كلف، وبالأقوال الشهيرة فيها زلف، فمن ذلك قوله:

هم بالرقي إلى المحل الساميليس المقام لدى الثرى بمقام
جرد حسام الغزم عن غمد الهوىواقطع علائق شاغل الأوهام
وانهض بجد لاقتباس النور منبرق الحمى بمثابة الإحرام
واهجر عوالم حسك الأدنى ولاتحفل بشمس ضحى وبدر تمام
فالكون أجمعه وما يحويه منعال ومنخفض حجاب ظلام
يا أيها الآوي إلى أضدادهليست خيامك هذه بخيام
هجروك فأنبهم الطريق إليهموتشابه الأنجاد بالأتهام
فظللت تندب للجهالة أربعاإفصاحها كمضلل الأعجام
المم بيم السر منك فغص بهوإذا غرقت فناد دون كلام
يا درة النفس النفيسة يمميسمط العلا تحظي بخير نظام
يا جوهراً حار الورة في كنههوعتا تصوره على الأفهام
يا مظهراً سر الوجود ومازجاًماء الندى رفقاً بلفح ضرام
أنت الموصل باشتراك طباعهنور العقول بظلمة الأجسام
أنت المهيا بالطهارة والصفالقبول سر الوحي والإلهام
يا مسنداً خبر الذين أحبهموأخصهم بصبابتي وهيامي
لك في الفؤاد مكانة محفوفةمني بوافي السر والإكرام
إني وجدت لديك نفحة طيبهمكعبيق مسك عند فض ختام
كرر على سمعي لذيذ حديثهمفحديثهم يروي غليل أوامي
تفديك نفسي من حديث قادممن عند أحباب علي كرام
فصلوك عنهم كي تخط علومهمفي صفح لوحك علية الأقلام
حجبوك عن مرأى النواظر غيرةووقوك كرة حوادث الأيام
دلوا عليك بهم وأنت دليلهملذوي النهى ومسددي الأفهام
حتى إذا كمل الذي قصدوا لهجذبوك نحوهم بفضل زمام
فخروف ذاتك تقتضي قدم الذيأضفى عليك ملابس الإنعام
وكمال حسنك مفصح بكمالهمشهدت بذلك حال الاستلزام
عرج على الواد الكريم مبادراًخلع النعال بموطئ الأقدام
وأصخ لما يلقى بسرك بائعاًح الوجود خلعة الأعدام
فإذا فقدت فقد وجدت بغبطةمقرونة بمسرة ودوام
فهم إذاً لا أنت إن سواهمبيد الفناء أذيق كأس حمام
وابثث لديهم عند ذلك قصتيواشرح لهم وجدي بهم وغرامي
ومدامعاً أسبلتها من شوقهمما بين ندماني كؤوس مدام
غني ختمت على الضمير بحبهمفغدا هواهم فيه زهر كمام
وجعلته حرماً لهم فسواهمما إن له بحماه من إلمام
حسبي بهم من غيرهم بدلاً فهمروحي وريحاني وبرة سقامي
إن لاح لي من أفق مغناهم سنافعلى الوجود تحيتي وسلامي

ومن قصائده في هذا الغرض الشريف:

أدهى حجابك رؤية الأغيارفامح الدجى بأشعة الأنوار
يا قارئاً لفظ الوجود وفكرهفي فهم معناه الجلي مماري
لا تشغلن بظاهر لك قد بداعما بباطنه من الأسرار
أودعت أنفس جوهر فأضعتهوغمرته في لجة الأعمار
حجبتك هذي الكائنات بظلهاعن سرها المكتوم حجب سرار
أو ما ترى أشخاصها قد أومأتطراً إلى صنع الحكيم الباري
دلت عليه بافتقار وجودهالوجوده في الجهر والأسرار
فلسان حال الكل ينطق مفصحاًبخضوعه للواحد القهار
فاخلع نعال الكون خلع محققوجد المؤثر في بقا الآثار
لحظ المنازل يستشف جمالهالحظ الحبيب البادي الاستبصار
فأعار حسن الدار صفحة معرضوسما بهمته لرب الدار
لاحت له أنوار شمس أشرقتفكست دجى الظلماء ضوء نهار
واعتاض من صحو غذاه ناشئاًمحواً عراه به انتشاء عقار
دارت عليه بدير معناه طلامحروسة الأدوار والأديار
مشمولة شملت شمائله فلمترتح لغير الراح والأسكار
قد أسكنت دن الدنو وألبستأسمال أسما وقارَ وقار
عصرت يمين المن صرف سلافهالمديرها في سالف الأعصار
وتعتقت حتى تروق جسمهالطفاً وفات توهم الأفكار
فالنور في عرصاتها والنور فيدوحاتها ولهيبها كالنار
شعشع حمياها وحث كؤوسهاواخلع عذارك واضح الأعذار
فإذا انتشت فناد من تهوي وبحبصريح ما أكننت في إضمار
فألذ ما يجني المتيم في الهوىما ناله جهراً خليع عذار
وإذا خلوت بهم بغير مراقبفابثث هواك بذلة وصغار
فأرق ما بث الحبيب حبيبهشكوى الصبابة في خفي سرار
لا تبغين لهم شفيعاً غيرهمفهم الشفيع لمبتغي الأيسار
وهم الذين بهم تنال وصالهموتفوز بالتقريب والإيثار
حسب العميد من الوجود هم فهمأنس الفؤاد ونزهة الأبصار
إن باعدوا أو ساعدوا لا ارتضيفي حبهم ما عشت فك إسار
لم نتخذ شيئاً ولكن قصرتعن فهم ذاك مباحث النظار
لا زال سري آهلاً بهواهممستوحشاً من رؤية الأغيار ومن ذلك القصيدة التي كلف بها القوالون:
بان الحميم فما الحمى والبانبشفاء من عنه الأحبة بانوا
لم ينقضوا عهداً ببينهم ولاأنساهم ميثاقك الحدثان
لكن جنحت لغيرهم فأزالهمعن أنسهم بك موحش غيران
لو صح حبك ما فقدتهم ولاسارت بهم عن حبك الأظعان
تشتاقهم وحشاك هالة بدرهموالسر منك لخيلهم ميدان
ما هكذا أحوال أرباب الهوىنسخ الغرام بقلبك السلوان
لا يشتكي ألم البعاد متيمأحبابه بفؤاده سكان
ما عندهم إلا الكمال وإنماغطى على مرآتها النقصان
شغلتك بالأغيار عنهم مقلةإنسانها عن لمحهم وسنان
غمض جفونك عن هواهم معرضاًإن الصوارم حجبها الأجفان
واصرف إليهم لحظ فكرك شاخصاًترسم بقلبك كيف كنت وكانوا
ما غاب عن مغناك من ألطافهيهمي عليك سحابها الهتان
وجياد أنعمه ببابك ترتميتسري إليك بركبها الأكوان
جغلوا دليلاً منك فيك عليهمفبدا على تقصيرك البرهان
يا لامحاً سر الوجود بعينهالسر فيك بأسره والشان
ارجع لذاتك أن أردت تنزهافبها لعيني ذي الحجى بستان
هي روضة مطلولة بل جنةفيها المنى والروح والريحان
كم حكمة صارت تلوح لمبصرحارت لباهر صنعها الأذهان
حجبت بشخصك عن عيانك شمسهافمحا خاسن ذكرها النسيان
لولاك ما خفيت عليك إياتهاوالجو من أنوارها ملآن
فاخرج إليهم عنك مفتقراً لهمإن الملوك بافتقار تدان
واخضع لعزهم ولذ بهم يلحمنهم عليك تلطف وحنان
هم رشحوك إلى الوصال إليهموهم على طلب الوصال أعانوا
عطفوا جمالهم على أجمالهمفسبا المشوق الحسن والإحسان
يا ملبسين عميدهم حلل الضنىجسمي بما تكسونه يزدان
لا سخط عندي للذي ترضونهقلبي بذلك فارح جذلان
تقريبكم عين البقاء وبعدكممحض الفناء وحبكم ولهان
إني كتمت عن الأنام هواكمحتى دهيت وخانني الكتمان
ووشت بحالي في الغرام مدامعأدنى مواقع قطرها طوفان
وبدت علي شمائل عذريةتقضي بأني فيكم هيمان
فإذا نطقت فذكركم لي منطقما لي سواكم للسان بيان
وإذا صمت فأنتم سري الذيبين الجوانح في الفؤاد يصان
فبباطني وبظاهري كم هوىمن جنده الأسرار والإعلان
وجوارحي وجميع أنفاسي وماأحوي، علي لحبكم أعوان

وإليكم مني المفر فقصدكم ... حرم به للخائفين أمان استكثرت من نظم هذا الرجل لشرف غرضه، ومن مقطوعاته:

كففت عن الوصال طويل شوقيإليك وأنت للروح الخليل poetry>وكفاك للوصال فدتك نفسي قبيح ليس يرضاه الخليل

ومن ذلك في التورية بالغرض المذكور أيضاً:

يا كاملاً شوقي إليه وافروبسيط خدي في هواه عزيز
عاملت أسبابي إليك بقطعهاوالقطع في الأسباب ليس يجوز وقال أيضاً:
أيا قمراً مطالعه جنانيوغرته توارت عن عياني
أأصرف في هواك عن افتراقيوسهدي وانتحابي علتان ومن المقطوعات التي شهرت عنه:
وشى العذار لجينه بنبا لهفغدا يرق على المحب الواله
خط العذار بصفحتيه لامهخطاً توعده بمحو جماله
فحسبت أن جماله شمس الضحىحسناً وذاك الخط خط زواله
فرنا إليّ تعجباً وأجابنيوالروع يبدو من خلال مقاله

إن الجمال اللام آخره فعج ... عن رسمه واندب على أطلاله ؟ الكاتب أبو عبد الله محمد بن أبي

القاسم بن أحمد بن جزي الكلبي، رحمه الله تعالى

شمس في سماء البلاغة بازغة، وحجة على بقاء هذه الفطرة العربية بالمغربية بالغة، ونعمة على هذه الطريقة سابغة، ونادرة فيها ونابغة، من جذع أبر على القارح، وزجر من المعرفة كل سانح، لا بارح، لو تعلقت الغوامض بالثريا لنالها، وقال أنا لها؛ وربما غلبت الغفلة على ظاهره، وانطبق كمامه على أزاهره، فإذا قدح زنده، تقدم المواكب بنده. وكان من طبقة أبناء جنسه التي إليها المنتهى، وجنة الأدب التي يجد كل مشته ما اشتهى، فمطولاته بحور، وغرامياته ولدان وحور، وامداحه درر النحور، أخسفت المنية منه بدرا،

وغالت صدرا، وأوسعت البراعة غدرا، ولم تذر لها قدرا؛ وكان ممن نال من ملك الغرب محلا، وتحلى منه بما تحلى، رحمة الله تعالى عليه، فمن شعره:

ومورد الوجنات معسول اللمىفتاك لحظ العين في عشاقه
الخمر بين لثاته والزهر فيوجناته والسحر في أحداقه
مياد غصن البان في أثوابهويلوح بدر التم في أطواقه
من للهلال بخده أو ثغرههب أنه يحكيه في إشراقه
ولقد تشبهت الظباء بشبهةمن خلقه وعجزن عن أخلاقه
نادمته وسنا محيا الشمس قدألقى على الآفاق فضل رواقه
في روضة ضحكت ثغور أقاحهاوأسال فيها المزن من آماقه
أسقيه كأس سلافة كالمسك فينفحاته والشهد عند مذاقه
صفراء لم يدر الفتى اكواسهاإلا تداعى همه لفراقه
ولقد تلين الصم من سطواتهفيعود للمعهود من إشفاقه
وأظل أرشف من اقاحي ثغرهخمراً تداوي القلب من إحراقه
ولربما عطفته نحوي نشوةتشفي الخبال بضمه وعناقه
أرجو رضاه إذا تبسم ضاحكاًوأخاف منه العتب في إطراقه
أشكو القساوة من هواه وقلبهوالضعف من جلدي ومن ميثاقه
يا هل لعهد قد مضى من عودةأم لا سبيل بحالة للحاقه
يا ليت لو كانت لذلك حيلةأو كان يعطى المرء باستحقاقه
فلقد يروق الغصن بعد ذبولهويروق بدر التم بعد محاقه

ومن الغراميات التي سلك فيها مسلك قيس ليلى:

متى يتلاقى شائق ومشوقويصبح عاني الحب وهو طليق
أما إنها أمنية عز نيلهاومرمى لعمري في الرجاء سحيق
ولكنني خادعت قلبي تعلةأخاف انصداع القلب فهو رقيق
وقد يرزق الإنسان من بعد يأسهوروض الربى بعد الذبول يروق
تباعدت لما زادني القرب لوعةلعل فؤادي من جواه يفيق
ورمت شفاء الداء بالداء مثلهفإني بأن لا أشتفي لحقيق
وتالله ما للصب في الحب راحةعلى كل حال إنه لمشوق
أيا رب قد ضاقت علي مذاهبيفها أنا في بحر الغرام غريق
ولا سلوة ترجى ولا الصبر ممكنوليس إلى وصل الحبيب طريق
ولا الحب عن تعذيب قلبي ينثنيولا القلب للتعذيب منه يطيق
شجون يضيق الصدر عن زفراتهاوشوق نطاق الصبر عنه يضيق
نثرت عقود الدمع ثم نظمتهاقريضاً فذا در وذاك عقيق
بكيت أسى حتى بكت لي حسديكأن عدوي صار وهو صديق
ولو أن عند الناس بعض محبتيلما كان يلفى في الأنام مفيق
أيا عين كفي الدمع ما بقي الكرىإذا منعوك اليوم سوف تذوق
ويا غائباً عن ناظري أما يرىلشمسك من بعد الغروب شروق
رويدك رفقاً بالفؤاد فإنهعليك وإن عذبته لشفيق
نقضت عهودي ظالماً بعد عقودهاإلا إن عهدي كيف كنت وثيق
كتمتك حباً يعلم الله مدةوبين ضلوعي من هواك حريق
فما زلت بي حتى افتضحت فإن أكنصبوت فبعد اليوم لست أطيق ومن قصيدة غرامية قوله:
خليلي إن الحب أعيا اكتتامهفهذا لسان الدمع بالسر ناطق
أيا رب حتى دمع عيني ينم بيوحتى منامي مذ هويت مفارق
وكنت أظن القلب يقوى على الأسىفها هو لما جد أمري زاهق
إذا حانني قلبي ونومي وناظريفوالله ما أدري بمن أنا واثق
أقلا ملامي في الهوى لا بليتمافإن الهوى عن سمعي اللوم عائق
أبيت وندماني شجوني، وقهوتيدموعي، وما غير الدموع موافق
يشوقني ساري النسيم إذا سرىألا كل آت منهم لي شائق
لقد أنكروني إذ مررت بربعهموظنوا ظنوناً خالفتها الحقائق
رأوا جسدي من تحت ثوبي ناحلاًكما رق حد السيق والغمد رائق
يقولون ما هذا الخبال الذي بهوما بي خبال غير أني عاشق
وقالوا ادعى فينا المحبة كاذباًأما وذمام الحب أني لصادق
وما باله يشتاق من ليس شيقاًإليه ويهوى وفق من لا يوافق
يزيد خضوعاً حين يزداد عزةلبئس الفتى هذا وبئس الخلائق
فمهما لحظنا ليس تحمي سوابغومهما طلبنا ليس تنجي سوابق
وكم من محب مات فينا صبابةوهذا الفتى لا شك بالقوم لاحق

النص من طبعة دار الثقافة ببيروت (١٩٦٣م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكتيبة الكامنة فيمن لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.