من «العيون الغامزة على خبايا الرامزة» لبدر الدين الدماميني (ت ٨٢٧هـ)
المديد
والبسيط إذا سُدّسا إنما يسقط من بيت كل منهما عشرة أحرف، لأن عروض كل واحد منهما جزء خماسي وهو فاعلن، وضربه كذلك، ولو سُدّس الطويل فحذف منه مفاعيلن بقي قبله فعولن، وليس في الشعر ما يقع النقصان من أجزائه فيكون ما ألغى أكثر حروفاً مما بقي، وإنما يكون ما ألغي أقل مما بقي أو مساوياً له، والمديد إذا سُدس فحذف منه فاعلن بقي قبله فاعلاتن، وكذلك البسيط إذا حذف منه فاعلن بقي مستفعلن. وهنا انقضى الكلام على ما يتعلق بالعروض والضرب. فلنشرع في الكلام على ما يدخل غيرهما من التغييرات، فنقول: لا يخفى أن هذا البحر كما مر مركب من فعولن ومفاعيلن، ففعولن حيثما وقع يجوز قبضه فيصير فعولُ، وإذا وقع أول البيت جاز فيه الثلم والثرم، وقد عرفت معناهما. ومفاعيلن يقبض ويكف على سبيل المعاقبة، فإن قُبض لم يكف، وإن كف لم يقبض. ولا حاجة لنا إلى استثناء مفاعيلن الواقع في الضرب الأول من هذا الحكم وإن كان لا يجوز قبضه ولا كفه، وما ذاك إلا لأن الكلام مفروض فيما عدا العروض والضرب كما تقدم. فبيت القبض:
أتطلب من أسود بيشة دونهأبو مطرٍ وعامرٌ وأبو سعدِ
أجزاؤه كلها الخماسية والسباعية مقبوضة إلا الضرب. وأشار إلى هذا الشاهدج بقوله ((أسودُ)). وبيتُ الكف والثلم معاً:
شاقتك أحداجُ سُليمى بعاقلٍفعيناك للبين تجودان بالدمع
جزؤه الأول وهو ((شاقت)) وزنه فعلن، فهو أثلم، والسباعية الواقعة في الحشو مكفوفة. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((أحداج)). وبيت الثرم:
هاجك ربعٌ دارسُ الرسم باللوىلأسماء عفى آيه المورُ والقطرُ
جزؤه الأول أثرم وهو ((هاج)) ووزنه فعلُ. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((المور)). وقد جرت عادة العروضيين بأن يأتوا للأعاريض والضروب بشواهد تختص بها ولا يكون في بقية تلك الشواهد أجزاء مزاحفة. ويتحرون في شواهد الزحاف أن يكون الزحاف الذي يمثلونه داخلاً في كل جزء يصح دخوله فيه من ذلك البيت، أو في أكثره حرصاً على البيان. وقد رأيت ذلك في هذا البحر. ثم اعلم أن القبض في فعولن حسن لاعتماده على وتدين قبليّ وبعديّ. وقال الأخفش: لأن النون فيه زائدةٌ كالتنوين في ((ضروبٌ)) ((وعجولٌ)). واعترض بأن النون تعد في أجزاء التفعيل أصلية إذْ بها يتم الوزن، بخلاف التنوين. وأما القبض في مفاعيلن فصالح لاعتماده على وتد واحد قبليّ، وكفُّه عند الخليل قبيح. وزعم الأخفش أنه من قبضه لاعتماده على وتد بعديّ. ولله درّ الأندلسيين حيث يقول:
كففت عن الوصال طويل شوقيإليك وأنت للروح الخليلُ
وكفك للطويل فدتك نفسيقبيحٌ ليس يرضاه الخليلُ
المديد
أقول: حكى الأخفش عن الخليل أنه سمي مديداً لتمدد سباعييه حول خماسيية، وأوردِ عليه كلُّ بحر تركب من خماسي وسباعي. وقال الزجاج: سمي مديداً لامتداد سببين في طرفي كل جزء من أجزائه السباعية، وأورد عليه الرّمل وغيره مما فيه جزء سباعي كذلك. وقال غيره سمي مديداً لامتداد الوتد المجموع في وسط أجزائه السباعية. ويرد عليه ما ورد على الذي قبله، ويجاب بما أسلفناه من أن الاطراد في وجه التسمية غير لازم. وإذا صح النقل في هذه الأسماء الموضوعة لبحور الشعر عن الخليل فلا ينبغي أن يُخالف واضُعها. وهذا البحر مبني في الدائرة من ثمانية أجزاء على هذه الهيئة: فاعلاتن فاعلن فاعلاتن فاعلن فاعلاتن فاعلن فاعلاتن فاعلن كما تقدم. قال:
بحود كليبٍ لا يغرُّ اعلموا أنمايعيش بهندىٍ متى مايعِ اهتدا
فمن مخصبن كلّ جونٍ ربابهفياليت شعري هل لنا منه مُرْ توى
أقول: الباء إشارة إلى أن هذا البحر هو الثاني من بحور الشعر. والجيم إشارة إلى أن له ثلاث أعاريض. والواو إشارة إلى أن له ستة أضرب. وهو مجزوء في الاستعمال، ولا يقع تاماً. قال بعضهم: لءلا يقع فاعلن في آخره، وهو لا يقع أصلياً آخر شيءٍ من الشعر إلا أن يكون منقولاً من جزء نقص منه، فيوهم وقوعه وقوعه في المديد النقل عملاً بالاستقراء، فيكون حينئذ أصله في الدائرة أزيد من ثمانية وأربعين حرفاً وهو محذور يُتقى. ونقضه الصفاقسي بالبسيط. قلت: هذا منه عجيب، فإن الزّجاج قد استشعر هذا النقص وأجاب عنه، وذلك لأن ابن بري حكى عنه أنه قال بأثر كلامه المتقدم: ولذلك ردّ في آخر البسيط إلى فعلن بحذف الألف ليعلم منه أنه نقص منه شيء، لأن فعلن أيضاً لا يقع في الأواخر أصلياً. ثم قال ابن بري: فإن قيل: فهلاّ جعل آخر المديد فعلن كآخر البسيط وارتفع الإيهام المحذور؟ فالجواب أن فاعلن في البسيط إذا حذفت ألفه لم يكن قبلها ساكن بسبب يعاقبها، وفاعلن في المديد قبله ساكنٌ بسبب يعاقب ألفه، فلو حُذف منه الألف لزم أن لا يحذف الساكن قبله أبداً، وحينئذ يعود المعاقب غير معاقب. انتهى. وهو كلام حسن فتأمله. قال الصفاقسي وقد شذ استعماله تاماً، أنشد ابن زيدان:
إنه لو ذاق للحب طعماً ما هجركلُّ عزٍّ في الهوى أنت منه في غررْ
ثم قال: ويمكن أن يقال في هذا إنه من الرباعي فيكونان بيتين. واعترض بأنه لم يلتزم في أوساط بقية الأبيات روياً لأن بعد البيت:
ليس من يشكو إلى أهله طول الكرىمثل من يشكو إلى أهله طول السهر
سحّ لما نفد الصبر منه أدمُعاًكجمانٍ خانه سلك عقدٍ فانتثر
لا تلمه إن شكا ما يلاقي أو بكى=وامتحن باطنه بالذي منه ظهر وأما قول السليك:
طاف يبغي نجوةًمن هلاكٍ فهلك
ليت شعري ضلّهأيُّ شيءٍ قتلك
أمريض لم تعدأم عدوٌّ ختلك
إلى آخره، فحمله بعضهم على أنه من شاذ تامه، وأن القصيدة مصرعة، وبعضهم على أنه مما ورد من استعماله مرّبعاً. وذهب الزجاج إلى أن هذه القصيدة من الرمل، وعروضها وضربها محذوفان، فجعل للرمل ثلاث أعاريض. وقال بعضهم: هو قياس مذهب الخليل والحملُ عليه أوْلى من الحمل على تام المديد، لأنه يلزم عليه شذوذان: مجيء المديد تاما، والتزام التصريع في القصيدة. وهذا يلزم عليه مجيء عروض الرمل محذوفة خاصة. إذا تقرر ذلك فاعلم أن العروض الأولى من أعاريض هذا البحر صحيحة ولها ضرب واحد مثلها وبيته.
يا لبكرٍ أنشروا لي كليبايا لبكر أين أين الفرارَ
فقوله ((لي كليب)) هو العروض، وقوله ((نلفرارو)) هو الضرب، ووزن كل منهما فاعلاتن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((كليب)). والعروض الثانية محذوفة لها ثلاثة أضرب، الأول مقصور وبيته:
لا يغرنَّ امرأ عيشهكلّ عيشٍ صائرٌ للزوال
فقوله ((عيشهو)) هو العروض ووزنه فاعلن، وقوله ((للزوال)) هو الضرب ووزنه فاعلانْ. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((لا يغر)). الضرب الثاني محذوف مثلها وبيته:
اعلموا أني لكمْ حافظٌشاهداً ما كنت أو غائبا
فقوله ((حافظن)) هو العروض وقوله ((غائبن)) هو الضرب. ووزن كل منهما فاعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((اعلموا)). الضرب الثالث أبتر وبيته:
إنما الذّلفاء يا قوتةٌأخرجت من كيس دهقان
فقوله ((قوتتن)) هو العروض، ووزنه فاعلن، وقوله ((قاني)) هو الضرب هو الضرب ووزنه فعلن بإسكان العين. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((إنما)). ووصل همزة القطع ضرورةً. العروض الثالثة مخبونة محذوفة لها ضربان الأول مثلها، وبيته:
للفتى عقلٌ يعيش بهحيث تهدى ساقه قدمه
فقوله ((شُبهى)) هو العروض، وقوله ((قدمه)) هو الضرب. ووزن كل منهما فعلن بتحريك العين. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((يعيش)). الضرب الثاني أبتر وبيته.
ربّ نارٍ أرمقهاتقضم الهندىَّ والغارا
فقوله ((مقها)) هو العروض وقوله ((غارا)) هو الضرب، ووزنه فعلن بإسكان العين. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((بهندى)). ويدخل هذا البحر من الزحاف الخبن وهو حسن، والكف وهو صالح، والشكل وهو قبيح. فبيت الخبن:
ومتى مايع منك كلاماًيتكلم فيجيبك بعقلِ
أجزاؤه كلها مخبونة: وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((متى مايع)). وبيت الكف:
لن يزال قومنا مخصبينصالحين ما اتقوا واستقاموا
أجزاؤه السباعية كلها مكفوفة إلا الضرب، فإنه لم يكف حذراً من الوقوف على المتحرك. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((مخصبين)). وبيت الشكل:
لمن الديار غيرهنَّكلُّ جونِ المزن داني الرَّباب
فقوله ((لمندد)) وقوله ((يرهنن)) وزن كل منهما فعلات، فكلاهما مشكول. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((كل جون ربابه)). وقد سبق لنا أن المعاقبة ثابتة في هذا البحر بين كل سببين اجتمعا، وأن فيه صدراً وعجزاً وطرفين. وبيت الطرفين:
ليت شعري هل لنا ذات يومٍبجنوب فارعٍ من تلاق
قوله ((بجنوب)) وزنه فعلاتُ فيه ((الطّرفان)) لأن ألفه حذفت لثبات نون الجزء الذي قبله، ونونه هو حُذفت لثبات ألف الجزء الذي بعده. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ليت شعري هل لنا)). واعلم انه يجوز في العروض الأولى من الزحاف ما يجوز في الحشو، وهو الخبن والكف والشكل، وأما الضرب الأول فلم يوافق الحشو إلا في الخبن لأنه لو كف لزم الوقوف على الماحرك، ويلزم من ذلك امتناع الشكل. واما العروض الثانية فلم يدخلها الخبن حذر التباسها بالثلثة. واما ضربها المقصور فمنع الخليل دخول الخبن فيه وأجازه الأخفش، وعلة المنع قلة مجيء هذا الضرب في كلامهم حتى زعم الزجاج أنه لم يجيء منه إلا قصيدة واحد للطّرمّاح أولها:
شت شمل الحي بعد التئاموشجاك اليوم ربع المقام
والزحاف إنما سببه الكثرة إذ هي الداعية إلى التخفيف، مع كراهتهم أن يجمعوا عليه ثلاث تغييرات، وهي الخبن مع الاسكان والحذف وهما مسمى القصر. وزعم أبو الحكم أن مذهب الأخفش أقيس. قال: لأن ألفه واقعة بين وتدين، وكلُّ ما كان كذلك فزحافه جائز اتفاقا. ثم اعترض علة المنع بأن القلة لا تأثير لها في السلامة في غير هذا البحر فكذلك في هذا. واجتماع ثلاثة تغييرات في الجزء له نظائر منها فاعلاتن في الرمل، فإنه يجوز فيها مع القصر الخبن، وفعولن الضرب الثاني من العروض الثالثة من الخفيف، فإن أصله مستفع لن فدخله القصر والخبن. وأجاب الصفاقسي بأنا نسلم أن كل سبب وقع بين وتدين يجوز زحافه مطلقاً، وإنما ذلك مع عدم المانع، وما ذكرناه أولاً من التعليل مانع، واعتراضه عليه ساقط، لأنه إنما نقص علة كل واحد من القلة وكثرة التغيير حيث لم يكن منضما إلى الآخر، وذلك إنما يكون نقصاً لو جعلنا منهما علةً مستقلةً ونحن إنما جعلناه جزء علة، والعلة هي المجموع المركب منهما، وهو لم ينقضه وإنما نقص الجزء، ونقصه ليس قادحاً في التعليل على الصحيح عند الأصوليين.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع