تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

فى الكواكب السبعة المتحيرة

قال الله تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ)

. ذهب المفسرون إلى أنها هى الكواكب السبعة: زحل، والمشترى، والمرّيخ، والشمس، والزّهرة، وعطارد، والقمر.

وقالوا: إن هذه الكواكب هى المعنيّة بقوله تعالى: (فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً).

وسميت كنّسا لأنها تجرى فى البروج ثم تكنس أى تستتر كما تكنس الظباء؛ وخنسا لاستقامتها ورجوعها. وقيل الخنّس والكنّس منها خمسة، دون الشمس والقمر.

وسميت خنّسا لأن الخنوس فى كلام العرب الانقباض. وفى الحديث الشريف «الشيطان بوسوس للعبد، فإذا ذكر الله تعالى خنس» أى انقبض ورجع. فيكون فى الكوكب بمعنى الرجوع. وكنّسا من قول العرب كنس الظبى اذا دخل الكناس، وهو مقرّه؛ ويكون فى الكوكب اختفاءه تحت ضوء الشمس.

وأسماء هذه الكواكب عند العرب مشتقة من صفاتها.

فقالوا فى زحل: زحل فلان إذا أبطأ، وبذلك سمّى هذا الكوكب لبطئه فى السماء.

وقيل الزّحل والزّحيل الحقد وهو فى طبعه. وهذا الكوكب عند المفسرين هو المعنى بقول الله ﷿ وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ).

وقالوا فى المشترى: إنه إنما سمّى بذلك لحسنه، كأنه اشترى الحسن لنفسه. وقيل لأنه نجم الشراء والبيع، ودليل الأموال، والأرباح.

وقالوا فى المرّيخ: إنه مأخوذ من المرخ (وهو شجر تحتك بعض أغصانه ببعض فتورى نارا) فسمّى بذلك لأحمراره. وقال آخرون المرّيخ سهم لا ريش له إذا رمى به لا يستمرّ فى ممرّه. وكذلك المرّيخ، فيه التواء كثير فى سيره وحكمه، فشبه بذلك.

وقالوا فى الشمس: إنها لما أن كانت واسطة بين ثلاثة كواكب علوية وثلاثة سفلية، سميت بذلك لأن الواسطة التى فى المخنقة تسمّى «شمسة».

وقالوا فى الزّهرة: إنها مشتقة من الزاهر، وهو الأبيض النّيّر من كل شىء.

وقالوا فى عطارد: إنه النافذ فى الأمور، ولهذا سمّى بالكاتب. وهكذا هذا الكوكب كثير التصرف مع ما يلابسه ويقارنه.

وقالوا فى القمر: إنه مأخوذ من القمرة، وهى البياض؛ والأقمر الأبيض.

والفرس تسمّى هذه الكواكب بلغتها «كيوان» ويعنون به زحل؛ و «تير»، ويعنون به المشترى (وبعضهم يسميه «البرجيس»)؛ و «بهرام» ويعنون به المرّيخ؛ و «مهر» ويعنون به الشمس؛ و «أناهيد» ويعنون به الزّهرة (وبعضهم يسميها «بيدخت»)، و «هرمس» (ويعنون به عطارد)، و «ماه» (ويعنون به القمر).

وقد جمع بعض الشعراء أسماء هذه الكواكب فى بيت واحد من بيتين يمدح بهما بعض الرؤساء فقال:

لا زلت تبقى وترقى للعلا أبدامادام للسّبعة الأفلاك أحكام!
مهر، وماه، وكيوان، وتير معاوهرمس، وأناهيد، وبهرام!

وقال أبو إسحاق الصابى:

نل المنى فى يومك الأجود،مستنجحا بالطالع الأسعد!
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
وارق كمرقى زحل صاعداإلى المعالى أشرف المقصد!
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
وفض كفيض المشترى بالنّدىإذا اعتلى فى أفقه الأبعد!
وزد على المرّيخ سطوا بمنعاداك من ذى نخوة أصيد!
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
واطلع كما تطلع شمس الضّحىكاسفة للحندس الأسود!
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
وخذ من الزّهرة أفعالهافى عيشك المستقبل الأرغد!
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
وضاه بالأقلام فى جريهاعطارد الكاتب ذا السّودد!
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
وباه بالمنظر بدر الدّجىوافضله فى بهجته وازدد!
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة

وقد اختص كلّ كوكب من هذه الكواكب بقول. سنذكر من ذلك ما تقوم به الحجة، وينهض به الدليل من الكتاب والسنة، وما يتمثّل به مما فيه ذكرها، وما ورد فى ذلك من الأوصاف والتشبيهات: نظما ونثرا مما وقفت عليه فى أثناء مطالعتى لكتب الفضلاء وتصانيفهم ودواوينهم. وعدلت عن أقوال المنجمين لما فيها من سوء الطويّة وقبح الأعتقاد: لأن منهم من يرى أن للنجوم فى الوجود تأثيرات وأفعالا. أعاذنا الله تعالى من ذلك!

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.