تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

فى الفصول وأزمنتها

وفصول السنة أربعة: الربيع، والصيف، والخريف، والشتاء. ولكل فصل منها ثلاثة بروج، وثلاثة أشهر، وسبع منازل، وموافقة من الطبائع الأربع.

فأما فصل الربيع، وهو عند العرب الصيف، فطبعه حارّ رطب.

ودخوله عند حلول الشمس برج الحمل، والثور، والجوزاء. وهذه البروج عندهم تدل على الحركة. وله من السن الطفوليّة والحداثة، ومن الرياح الجنوب، ومن الساعات الأولى والثانية والثالثة، ومن القوى القوّة الجاذبة، ومن الأخلاط الدّم، ومن الكواكب القمر والزّهرة، ومن المنازل بعض الفرغ المقدّم والفرغ المؤخر، والرشاء، والسّرطان، والبطين، والثّريّا، والدّبران، وبعض الهقعة. وعدد أيامه أربعة وتسعون يوما.

وحلول الشمس فى الثانى عشر من آذار، ويوافقه مارس من شهور الروم، وفى السادس عشر من برمهات من شهور القبط، وفى العشرين من اسفندار ماه من شهور الفرس. وإذا حلت الشمس برج الحمل، اعتدل الليل والنهار، وصار كل واحد منهما اثنتى عشرة ساعة. ثم يأخذ النهار فى الزيادة، والليل فى النقصان.

وفى هذا الفصل تتحرّك الطبائع، وتظهر الموادّ المتولدة فى الشتاء. فيطلع النبات وتزهر الأشجار وتورق، ويهيج الحيوان للسّفاد، وتذوب الثلوج، وتنبع العيون، وتسيل الأودية.

ذكر ما قيل فى وصف فصل الربيع وتشبيهه نظما ونثرا.

فمن ذلك ما قاله الصنوبرىّ:

ما الدّهر إلّا الرّبيع المستنير إذاجاء الرّبيع، أتاك النّور والنّور
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
فالأرض ياقوتة، والجوّ لؤلؤة،والنّبت فيروزج، والماء بلّور

وقال آخر:

اشرب هنيئا قد أتاك زمانمتعطّر، متهلّل، نشوان!
فالأرض وشى، والنّسيم معنبر،والماء راح، والطّيور قيان

وقال الثعالبىّ:

أظنّ الرّبيع العام قد جاء زائراففى الشّمس بزّازا، وفى الرّيح عطّارا
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة
وما العيش إلا أن تواجه وجههوتقضى بين الوشى والمسك أوطارا
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

وفصّل فصل الربيع الرياضعقودا ورصّع منها حليّا
وفاخر بالأرض أفق السّماءفحلّى الثّرى بنجوم الثّريّا

وقال الحسن بن وهب:

طلعت أوائل للرّبيع فبشّرتنور الرّياض بجدّة وشباب!
وغدا السحاب يكاد يسحب فى الثّرىأذيال أسحم حالك الجلباب
للشاعر الحسن بن وهب، اقرأ القصيدة
فترى السّماء إذا أجدّ ربابهافكأنّما التحفت جناح غراب
وترى الغصون إذا الرّياح تناوحتملتفّة كتعانق الأحباب

وقال بعض فضلاء أصفهان فى وصف فصل الربيع من رسالة ذكرها العماد الأصفهانىّ فى الخريدة:

أما بعد. فإن الزمان جسد وفصل الربيع روحه، وسرّ حكمة إلهية وبه كشفه ووضوحه؛ وعمر مقدور وهو الشبيبة فيه، ومنهل جمّ وهو نميره وصافيه؛ ودوحة خضرة وهو ينعها وجناها، وألفاظ مجموعة وهو نتيجتها ومعناها؛ فمن لم يستهو طباعه نسيم هوائه، ولم يدرك شفاء دائه فى صفاء دوائه؛ لم يذق لطعم حياته نفعا، ولم يجد لخفض حظه من أيامه رفعا.

وأما فصل الصيف، فإن طبيعته الحرارة واليبس، ودخوله عند حلول الشمس برج السرطان، والأسد، والسنبلة.

وهذه البروج تدل على السكون. وله من السنّ الشباب؛ ومن الرياح الصبا؛ ومن الساعات الرابعة والخامسة والسادسة؛ ومن القوى القوّة الماسكة؛ ومن الأخلاط المرّة الصفراء؛ ومن الكواكب المرّيخ، والشمس؛ ومن المنازل بعض الهقعة، والهنعة، والذراع، والنّثرة والطّرف والجبهة (وهى أربعة عشر يوما) والخراتان وبعض الصّرفة. وتنزل الشمس فى برج السرطان فى الرابع عشر من حزيران. وعدد أيامه ثلاثة وتسعون يوما، ويوافقه ينير من شهور الروم؛ وفى العشرين من بؤونه، وإذا حلت الشمس برج السرطان، أخذ الليل فى الزيادة، والنهار فى النقصان. والله أعلم.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.