تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

فى الجبال

قال الله تعالى: « «وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ» *.

قال المفسرون: خلق الله ﷿ الأرض على الماء فمادت وتكفّأت، كما تتكفّأ السفينة، فأثبتها بالجبال. ولولا ذلك ما أقرّت عليها خلقا.

وروى أبو حاتم فى كتاب العظمة، أن النبىّ ﷺ قال: «إن الله تعالى لما خلق الأرض، جعلت تميد. فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرّت. فعجبت الملائكة من خلق الجبال، وقالت: يا رب هل خلقت خلقا أشدّ من الجبال؟ قال:

الحديد، قالت: فهل من خلق أشدّ من الحديد؟ قال: النار، قالت: فهل من خلق أشدّ من النار؟ قال: الماء، قالت: فهل من خلق أشدّ من الماء؟ قال:

الريح، قالت: فهل من خلق أشدّ من الريح؟ قال: ابن آدم، يتصدّق بيمينه فيخفيها عن شماله».

وعن ابن عباس (رضى الله عنهما) أنه قال: «كان العرش على الماء قبل أن يخلق الله السماوات والأرض. فبعث الله ريحا فعصفت الماء فأبرز عن حشفة فى موضع البيت. فدحا الأرض من تحتها فمادت فأوتدها بالجبال».

فكان أوّل جبل وضع، جبل أبى قبيس. وهو الجبل المطلّ على الكعبة.

وفى كنيته بأبى قبيس قولان:

أحدهما- أن آدم كناه بذلك حين اقتبس منه النار التى بين أيدى الناس (وقد تقدّم بيان ذلك فى الباب الرابع من القسم الثانى من هذا الفنّ فى ذكر النّيران).

الثانى- أنه أضيف إلى رجل من جرهم كان يتعبد فيه، اسمه أبو قبيس.

ويقال فيه أبو قابوس، وشيخ الجبال. وكان من قبل يسمّى بالأمين.

وقال محمد بن السائب الكلبىّ: «إن الله ﷿ لما خلق الأرض، مادت بأهلها. فضربها بجبل السّراة فاطمأنت».

وهو أعظم جبال العرب وأكثرها خيرا، ويسمّى الحجاز. وهو الذى حجز بين تهامة ونجد. فتهامة من جهته الغربية مما يلى البحر، ونجد من جهته الشرقية.

وهو آخذ من قعر عدن إلى أطرار الشأم». ويسمّى هناك جبل لبنان. فإذا تجاوز اللاذقية ومرّ بالثغور، سمّى جبل اللّكّام. ثم يمتدّ فى بلاد الروم إلى بلاد أرمينية، فيسمّى هناك حارثا وحويرثا. ثم يمتدّ إلى بحر الخزر، وفيه «الباب والأبواب».

وقال بعض المفسرين فى قوله تعالى: «ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ»

إنه جبل محيط بالعالم من زمرّدة خضراء، وإن جبال الدّنيا متفرّعة عنه.

وقال قوم: إن السماء مطبقة عليه والشمس تغرب فيه، وهو الحجاب الساتر لها عن أعين الناس، فى أحد الوجوه المفسّر بها قوله تعالى: «حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ».

وقال قوم: إن منه إلى السماء مقدار ميل، وإن الذى يرى من خضرة السماء مكتسب من لونه.

وقال ابن حوقل: جميع الجبال الموجودة فى الدّنيا متفرّعه عن الجبل الخارج من بلاد الصين، مشرقا ذاهبا على خط مستقيم إلى بلاد السودان مغرّبا.

وقال أبو الفرج قدامة بن جعفر فى «كتاب الخراج»: وجدت خلف خط الاستواء فى الجنوب وقبل الإقليم الأوّل جبالا تسعة: خمسة منها متقاربة المقادير، أطوالها ما بين أربعمائة ميل إلى خمسمائة ميل؛ وجبلا طوله سبعمائة ميل؛ وجبل القمر، وطوله ألف ميل؛ وجبلا بعضه وراء خط الاستواء، وبعضه فى الإقليم الأوّل؛ وجبلا بعضه وراء خط الاستواء، وبعضه فى الإقليم الثانى.

قال: ومجموع ما عرف فى الأقاليم السبعة من الجبال مائة وثمانية وتسعون جبلا.

منها فى الإقليم الأوّل سبعة عشر جبلا، وفى الإقليم الثانى تسعة وعشرون جبلا، وفى الإقليم الثالث أحد وثلاثون جبلا، وفى الإقليم الرابع أربعة وعشرون جبلا، وفى الإقليم الخامس تسعة وعشرون جبلا، وفى الإقليم السادس أربعة وعشرون جبلا، وفى الإقليم السابع أربعة وأربعون جبلا.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.