تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ولنبدأ بذكر الأرض المقدّسة

قال الله ﷿ إخبارا عن موسى ﵇: (يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ)

. قال الزجاج: والمقدّسة المطهّرة.

وقيل للسّطل «القدس» لأنه يتطهّر منه. وسمى بيت المقدس لأنه يتطهّر فيه من الذنوب. وقيل: سماها مقدّسة لأنها طهّرت من الشرك وجعلت مسكنا للأنبياء والمؤمنين.

وقد اختلف فى الأرض المقدّسة ما هى؟

فذهب ابن عباس رضى الله عنهما إلى أنها أريحا.

وقال السّدّى: أريحا هى أرض بيت المقدس. وقال مجاهد: هى الطّور وما حوله.

وقال الضحاك: هى إيلياء وبيت المقدس. وقال الكلبى: دمشق وفلسطين وبعض الأردنّ. وقال قتادة: هى الشام كلها.

وقال عبد الله بن عمر: والحرم محرّم مقداره من السماوات والأرض، وبيت المقدس مقدّس مقداره من السماوات والأرض.

وقال ابن قتيبة. وقرأت فى مناجاة موسى ﵇ أنه قال: اللهمّ إنك اخترت من الأنعام الضائنة، ومن الطير الحمامة، ومن البيوت مكة وإيلياء، ومن إيلياء بيت المقدس.

وقال الله تعالى: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ).

والمسجد الأقصى بيت المقدس: سمّى أقصى لأنه أبعد المساجد التى تزار.

وقيل: لبعد المسافة بين المسجدين. وقوله ﷿ «الذى باركنا حوله» قيل:

بالماء والأنهار والأشجار والثمار. وقال مجاهد: سماه مباركا لأنه مقرّ الأنبياء، وفيه مهبط الملائكة والوحى، وهو الصخرة، ومنه يحشر الناس يوم القيامة.

وقال تعالى: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ).

قال الثعلبىّ فى تفسيره: قال كعب الأحبار وقتادة وابن زيد وعبد الرحمن بن غنم: «التّين مسجد دمشق، والزيتون بيت المقدس». وقال الضحاك: «هما مسجدان بالشام». وقال محمد بن كعب: «التين مسجد أصحاب الكهف، والزيتون مسجد إيلياء». ومجازه على هذا التأويل: منابت التين والزيتون.

وروى عطية عن ابن عباس: «التين مسجد نوح ﵇ الذى بنى على الجودى، والزيتون بيت المقدس».

وروى نهشل عن الضحاك: «التين المسجد الحرام، والزيتون المسجد الأقصى» قال: «وطور سينين، يعنى جبل موسى ﵇».

قال عكرمة: «السّينين الحسن بلغة الحبشة». وعنه: كل جبل ينبت فهو سينين.

وقال مجاهد: «الطّور الجبل، وسينين المبارك».

وقال قتادة: «المبارك الحسن».

وقال مقاتل: «كل جبل فيه شجر فهو سينين، وسيناء وهو بلغة النّبط».

وقال الكلبىّ: «يعنى الجبل المشجر».

وقال عبد الله بن عمر رضى الله عنهما: «أربعة أجبال مقدّسة بين يدى الله تعالى:

طور تينا، وطور زيتا، وطور سينا، وطور تيمانا.

فاما طور تينا: فدمشق.

وأما طور زيتا: فبيت المقدس.

وأما طور سينا: فهو الذى كان عليه موسى ﵇.

وأما طور تيمانا: فمكّة.

والبلد الأمين مكة بلا خلاف».

ومسجد بيت المقدس أحد المساجد الثلاثة التى لا تشدّ الرحال إلا إليها،

لقول رسول الله ﷺ، فيما ورد فى الصحيح: «لا تشدّ الرّحال إلّا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدى هذا، والمسجد الأقصى».

وفى الصحيح أيضا «أن موسى ﵇، لما حضرته الوفاة سأل الله تعالى أن يدنيه من الأرض المقدّسة رمية بحجر».

وكانت عمارة مسجد البيت المقدّس بأمر الله ﷿ لنبيه داود ﵇ أن يعمره ثم لم يقدّر له عمارته وقدّر الله تعالى ذلك على يدى سليمان بن داود ﵉، فهو الذى عمره. وسيأتى ذكر ذلك إن شاء الله تعالى مبينا فى الفن الخامس فى التاريخ.

وقد وردت آثار وأحاديث فى فضل بيت المقدس، وفضل زيارته، وثواب الصلاة فيه، ومضاعفة الحسنات والسيئات فيه، وفضل السكنى فيه، والإقامة به، والوفاة فيه، وما به من قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومحراب داود، وعين سلوان، وما ورد فى أن الحشر منه، وما ورد فى فضل الصخرة والصلاة إلى جانبها، وما ورد من أن الله ﷿ عرج بنبيه من بيت المقدس إلى السماء، وثواب الإهلال من بيت المقدس، وما ورد من أن الكعبة تزور الصخرة يوم القيامة.

وسنذكر من ذلك طرفا تقف عليه إن شاء الله تعالى ونحذف أسانيد الأحاديث الواردة فيه رغبة فى الاختصار فنقول. وبالله التوفيق:

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.