من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
أما فضل بيت المقدس
فقد ورد عن الزهرىّ أنه قال: لم يبعث الله ﷿ نبيا، إلا جعل قبلته صخرة بيت المقدس. وقد صلّى إليه رسول الله ﷺ بعد هجرته سبعة عشر شهرا، كما روى فى الصحيحين، حتّى أنزل الله ﷿ على رسوله ﷺ: (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ).
وتحويل القبلة أوّل ما نسخ من أمور الشرع. وذلك أن رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا يصلّون بمكة إلى الكعبة. فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، أمره الله تعالى أن يصلّى نحو صخرة بيت المقدس ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إيّاه إذا صلّى إلى قبلتهم مع ما يجدون من تعيينه فى التوراة.
هذا قول عامّة المفسرين، على ما حكاه الثعلبىّ عنهم.
وقال عبد الرحمن بن زيد: قال الله تعالى لنبيه ﷺ: (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)
، فقال رسول الله ﷺ: «هؤلاء يهود يستقبلون بيتا من بيوت الله».
فاستقبله النبىّ ﷺ. قالوا جميعا: فصلى النبى ﷺ وأصحابه نحو بيت المقدس سبعة عشر شهرا، وكانت الأنصار قد صلّت قبل بيت المقدس ستين يوما، قبل قدوم النبىّ ﷺ.
وكانت الكعبة أحب القبلتين إلى رسول الله ﷺ.
واختلفوا فى السبب الذى كان ﵊ من أجله يكره قبلة بيت المقدس ويهوى قبلة الكعبة.
فقال ابن عباس رضى الله عنهما: لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم ﵉.
وقال مجاهد: من أجل أن اليهود قالوا: يخالفنا محمد فى ديننا، ويتّبع قبلتنا! وقال مقاتل بن حيّان: لما أمر رسول الله ﷺ أن يصلى نحو بيت المقدس، قالت اليهود: يزعم محمد أنه نبى، وما نراه أحدث فى نبوّته شيئا! أليس يصلى إلى قبلتنا ويستسنّ بسنتنا؟ فإن كانت هذه نبوّة. فنحن أقدم وأوفر نصيبا.
فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فشق عليه وزاده شوقا إلى الكعبة.
وقال ابن زيد: لما استقبل النبىّ ﷺ نحو بيت المقدس، بلغه أن اليهود تقول: والله ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتّى هديناهم، قالوا جميعا:
فقال رسول الله ﷺ لجبريل: وددت أن الله صرفنى عن قبلة اليهود إلى غيرها، فإنى أبغضهم وأبغض موافقتهم، فقال جبريل: إنما أنا عبد مثلك، ليس لى من الأمر شىء؛ فسل ربّك، فعرج جبريل. وجعل رسول الله ﷺ يديم النظر إلى السماء رجاء أن ينزل جبريل بما يحبّ من أمر القبلة. فأنزل الله ﷿: (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ)
الآية
. فلما صرفت القبلة إلى الكعبة قال مشركو مكة: قد تردّد على محمد أمره، واشتاق إلى مولده ومولد آبائه، وقد توجه نحو قبلتهم وهو راجع إلى دينكم عاجلا، وتكلم اليهود والمنافقون فى تحويلها. فأنزل الله تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ).
وروى عن كعب أنه قال: إن الله ﷿ ينظر إلى بيت المقدس كل يوم مرتين.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع