تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

وأما المدينة المشرفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام

ففضائلها أوسع من أن أحصرها، وأعظم من أن أسبرها. ناهيك بها من بلد اختاره الله تعالى لرسوله، ونص على فضله في محكم تنزيله، قال الله ﷿: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ).

وروى عن النبىّ ﷺ أنه سئل: أىّ مسجد هو؟ فقال: مسجدى هذا،

وهو قول ابن المسيّب وزيد بن ثابت وابن عمر رضى الله تعالى عنهم، وبه أخذ مالك ﵀. وقال ابن عباس: هو مسجد قباء.

وروى عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبىّ ﷺ أنه قال: «صلاة فى مسجدى هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا لمسجد الحرام».

قال القاضى عياض ﵀: إختلف الناس فى معنى هذا الاستثناء على اختلافهم فى المفاضلة بين مكة والمدينة. فذهب مالك أن الصلاة فى مسجد الرسول ﷺ أفضل من الصلاة فى سائر المساجد بألف صلاة إلا المسجد الحرام، فان الصلاة فى مسجد النبىّ ﷺ أفضل من الصلاة فيه بدون الألف. واحتج مالك وأشهب وابن نافع وجماعة أصحابه بما روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه «صلاة فى المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيما سواه» فتأتى

فضيلة مسجد الرسول عليه بتسعمائة وعلى غيره بألف. وهذا مبنىّ على تفضيل المدينة على مكة، وهو قول عمر بن الخطاب ومالك وأكثر المدنيين.

وذهب أهل مكة والكوفة إلى تفضيل مكة. وهو قول عطاء وابن وهب وابن حبيب، من أصحاب مالك. وحكاه الباجى عن الشافعى.

قال القاضى أبو الوليد الباجى: الذى يقتضيه الحديث مخالفة حكم مكة لسائر المساجد، ولا يعلم منه حكمها مع المدينة.

قال القاضى عياض: ولا خلاف أن موضع قبر النبى ﷺ أفضل بقاع الأرض.

قال النبىّ ﷺ: «ما بين بيتى ومنبرى روضة من رياض الجنة».

قالوا: هذا يحتمل معنيين، (أحدهما). أنه موجب لذلك وأن الدعاء والصلاة فيه تستحق ذلك من الثواب كما قيل: «الجنة تحت ظلال السّيوف». (والثانى) أن تلك البقعة قد ينقلها الله فتكون فى الجنة بعينها. قاله الداودىّ.

وروى ابن عمر وجماعة من الصحابة رضى الله عنهم أن النبىّ ﷺ قال فى المدينة: «لا يصبر على لأوائها وشدّتها أحد، إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة».

وقال ﷺ فيمن تحمّل عن المدينة: «والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون». وقال: «إنما المدينة كالكير: تنفى خبثها وتنصع طيبها».

وقال: «لا يخرج أحد من المدينة رغبة عنها إلا أبدلها الله خيرا منه».

وعنه ﷺ: «من مات فى أحد الحرمين حاجّا أو معتمرا، بعثه الله يوم القيامة لا حساب عليه ولا عذاب». وفى طريق آخر: «بعث من الآمنين يوم القيامة».

وعن ابن عمر رضى الله عنهما: «من استطاع أن يموت بالمدينة، فليمت بها فإنّى أشفع لمن يموت بها».

وعن أنس بن مالك رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ طلع له أحد فقال: «هذا جبل يحبّنا ونحبّه. اللهم إنّ إبراهيم حرّم مكة، وأنا أحرّم ما بين لا بتيها».

وعن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم حبّب إلينا المدينة كما حبّبت إلينا مكة أو أشدّ، وانقل حمّاها إلى الجحفة، اللهم بارك لنا فى صاعنا ومدّنا».

ودعا النبىّ ﷺ لأهل المدينة فقال: «اللهم بارك لهم فى مكيالهم، وبارك لهم فى صاعهم ومدّهم».

وقال ﷺ: «من زار قبرى، وجبت له شفاعتى».

وعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من زارنى فى المدينة محتسبا، كان فى جوارى وكنت له شفيعا يوم القيامة».

وكان مالك ﵀ لا يركب فى المدينة دابّة، ويقول: أستحيى من الله أن أطأ تربة فيها رسول الله ﷺ بحافر دابّة.

وروى أنه وهب للشافعىّ كراعا كثيرا، فقال له الشافعىّ: أمسك منها دابّة.

فأجابه بمثل هذا الجواب.

وحكى القاضى عياض فى «كتاب الشفاء» قال: حدّث أن أبا الفضل الجوهرىّ لما ورد المدينة زائرا وقرب منها، ترجّل ومشى باكيا منشدا:

ولمّا رأينا رسم من لم يدع لنافؤادا لعرفان الرّسوم ولا لبّا،
نزلنا عن الأكوار نمشى، كرامةلمن بان عنه أن نلّم به ركبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

قال: وحكى بعض المريدين أنه لما أشرف على مدينة رسول الله ﷺ، أنشأ يقول متمثلا:

رفع الحجاب لنا فلاح لناظرقمر تقطّع دونه الأوهام
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا دار ما فعلت بك الأيام»
وإذا المطىّ بنا بلغن محمدا،فظهورهنّ على الرّجال حرام
للشاعر شاعر الحمراء، من قصيدة «يا أيها المولى الذي بوجوده»
قرّبنتا من خير من وطئ الثّرى،فلها علينا حرمة وذمام

وأفتى مالك ﵀ فيمن قال «تربة المدينة رديّة» بضرب ثلاثين درّة، وأمر بحبسه؛ وكان له قدر. وقال: «ما أحوجه إلى ضرب عنقه، تربة دفن فيها النبىّ ﷺ، يزعم أنها غير طيّبة!».

وفى الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال فى المدينة: «من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبّل الله منه صرفا ولا عدلا».

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.