تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

الباب الرابع من القسم الخامس من الفن الأوّل (فيما وصفت به المعاقل والحصون)

وهذا الباب قد ترجمت عليه فى الفن الثانى الذى يلى هذا الفن فيما يحتاج إليه الملك. وإنما ضممته إلى هذا الفن لمناسبته له وشبهه به، واستثنيته من الفن الثانى واقتصرت فيه على مجرّد الترجمة. وبالله التوفيق.

وقد أوسع الفضلاء والأدباء والكتاب والبلغاء القول فى هذا المعنى وتواردوا فيه، فاقتصرنا على ما نورده من ذلك، وهو قليل من كثير.

فمن ذلك ما قاله بعض الأندلسيين يصف قلعة فتحت من غير حصار:

« ... وهذه القلعة التى انتهينا إلى قرارها، واستولينا على أقطارها؛ أرحب المدن أمدا للعيون، وأخصبها بلدا إذا أمحلت السّنون؛ فروعها فوق الثّريّا شامخه، وعروقها تحت الثّرى راسخه؛ تباهى بأزهارها نجوم السماء، وتناجى بأسرارها أذن الجوزاء؛ وكانت فى الزمن الغابر، عتت على عظيم القياصر؛ فنازلها بأكثر من النجوم عددا، وطاولها بأوفى من البحر مددا؛ فأبت على طاعته كلّ الإباء، واستعصت على مقارعته أشدّ استعصاء، ومردت مرود مارد على الزّباء؛ فأمكننا الله من ذروتها، وأنزل ركّابها لنا عن صهوتها».

وقال القاضى الفاضل عبد الرحيم البيسانى ﵀، يصف آمد من رسالة جاء منها:

« ... وآمد ذكرها بين العالم متعالم، وطالما صادم جانبها من تقادم، فرجع عنها مقدوعا أنفه وإن كان فحلا، وفرّ عنها فريدا بهمّه وإن استصحب خيلا ورجلا؛

ورأى حجرها فقدّر أنه لا يفكّ له حجر، وسوادها فظنّ أنه لا ينسخه فجر، وحميّة أنف أنفتها فاعتقد أنه لا يستجيب لزجر؛ من ملوك كلهم قد طوى صدره على الغليل إلى موردها، ووقف وقفة المحب السائل فلم يفز بما أمّل من سؤال معهدها».

وقال من أخرى يصفها:

« ... وهى العقيلة التى صدر الصّدور الأول محلّا عن وردها، والطريدة التى حصل منها على راحة يأسه وتعب طردها؛ والمحجّبة التى كشفت ستورها، ودار لعصمتها كسوار معصمها سورها، وغلت على أنها السوداء على خطّابها لأن المهج مهورها؛ ولربما نآى بجانبها الإعراض، ونبا جوهرها عن الأعراض، وطاشت دون أوصافها بسهام الأغراض؛ ودرجت الملوك على حسرتها فلم تحسر لها لثاما، وما استطاعت لثغرها ثلما ولا له التثاما».

وقال من أخرى يصف قلعة نجم، وهى من عيون الرسائل، جاء منها:

« ... هى نجم فى سحاب، وعقاب فى عقاب؛ وهامة لها الغمامة عمامه، وأنملة إذا خضبها الأصيل كان الهلال لها قلامه؛ عافدة حبوة صالحها الدهر أن لا يحلّها بقرعه، بادية عصمة صافحها الزمن على أن لا يروّعها بخلعه؛ فاكتنفت بها عقارب منجنيقات لم تطبع طبع حمص فى العقارب، وضربتها بحجارة أظهرت فيها العداوة المعلومة فى الأقارب؛ فلم يكن غير ثلاثة إلا وقد أثّرت فيها الحجارة جدريّا بضربها، ولم يصل إلى السابعة إلا والبحر مؤذن بنقبها؛ فاتسع الخرق على الراقع، وسقط سعده عن الطالع، إلى مولد من هو إليها طالع؛ وفتحت الأبراج فكانت أبوابا، وسيّرت الجبال فكانت سرابا».

وقال من أخرى فى فتح بيت المقدس، جاء منها:

« ... زاول المدينة من جانب، فاذا هو أودية عميقة: ولجج وعر غريقة؛ وسور قد انعطف عطف السّوار، وأبرجة قد نزلت مكان الواسطة من عقر الدار؛ وقدّم المنجنيقات التى تتولّى عقاب الحصون عصيّها وحبالها، وأوتر لهم قسيّها التى تضرب ولا تفارق سهامها ولا سهامها نصالها؛ فصافحت السّور فإذا سهامها فى ثنايا شرفاتها سواك، وقدّم النصر بشرى من المنجنيق تخلد إخلاده إلى الأرض وتعلو علوّه إلى السّماك؛ فشجّ مرابع أبراجها، وأسمع صوت عجيجها، ورفع مثار عجاجها؛ وأسفر النّقّاب عن الخراب النّقاب، وأعاد الحجر إلى خلقته الأولى من التّراب؛ ومضغ سرد حجارته بأنياب مغوله، وأظهر من صناعته الكثيفة ما يدلّ على لطافة أنمله، وأسمع الصخرة الشريفة أنينه إلى أن كادت ترقّ لمقتله».

وقال أيضا من أخرى:

« ... فنصبنا عليها المنجنيقات تمطر سماؤها نبل الوبال، وتملأ ارضها بالنّكاية والنّكال، وتهدّ بساريات حجارتها راسيات الجبال؛ وتنزل نوازل الأسواء بالأسوار، وتوسع مجال الدّوائر فى الدّيار، وتخطف بخطّافاتها أعمار الأعمار؛ وتطير حمامها بكتب الحمام، وتديم إغراء سهامها فى أهلها بتوفير سهام الإرغام؛ وكشف النقّابون نقاب السّور المحجوج المحجوب، فتهدّم بنيانه، وتداعت أركانه، بتظاهر المنجنيقات عليها والنّقوب».

ووصف القاضى الفاضل المنجنيق من رسالة فقال:

«فسلّمت كأنّها بنان، ونضنضت كأنها لسان، وأطّت كأنها مرنان، واهتزّت كأنها جانّ، وتقوّمت كأنها سنان، وانعطفت كأنها عنان، وأقدمت كأنها شجاع وأحجمت

كأنها جبان. ورمت رءوسهم الموقّرة من أحجارها بأمثال الرءوس المحلّقه، فأعادتهم إلى الخلقة الأولى مخلّقة وغير مخلّقه».

ووصف النامى المنجنيق فقال:

وحصن زياد غدوة السّبت نافثاسماما، أراك ابن الأراقم أرقما
نصبت له فى الأرض بيت حديقةتمدّ لها فى الجوّ كفّا ومعصما
للشاعر النامي، اقرأ القصيدة
لها أخوات للمنايا كوامنوإن لم يكن ما أضمرته مكنّما
للشاعر النامي، اقرأ القصيدة
عذارى، ولكن قد وجدن حواملابعرس تراه للجنادل مأتما
للشاعر النامي، اقرأ القصيدة
ترى الصّخر فيه الصّخر وهو نسيبهعدوّا بيوم أرضه تمطر السّما
للشاعر النامي، اقرأ القصيدة
إذا أقعدت جدرا قياما، رأيتهاتنبّه قيعانا من التّرب نوّما!
للشاعر النامي، اقرأ القصيدة

ومما وصفت به المعاقل والحصون نظما.

فمن ذلك قول كعب الأشقرى، يصف قلعة:

محلّقة دون السّماء كأنّهاغمامة صيف زال عنها سحابها
للشاعر كعب بن معدان الأشقري، اقرأ القصيدة
ولا يبلغ الأروى شماريخها العلى،ولا الطّير إلا نسرها وعقابها
ولا خوّفت بالذّئب ولدان أهلها،ولا نبحت إلا النّجوم كلابها
للشاعر كعب بن معدان الأشقري، اقرأ القصيدة

وقال أبو تمام، يصف عمّورية:

وبرزة الوجه قد أعيت رياضتهاكسرى وصدّت صدودا عن أبى كرب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
بكر، فما افترعتها كفّ حادثةولا ترقّت إليها همّة النّوب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
من عهد إسكندر أو قبل ذاك، فقدشابت نواصى اللّيالى وهى لم تشب!
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»

وقال الخالديان:

وخلقاء قد تاهت على من يرومهابمرقبها العالى وجانبها الصّعب
يزرّ عليها الجوّ جيب غمامهويلبسها عقدا بأنجمه الشّهب
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
إذا ما سرى برق، بدت من خلالهكما لاحت العذراء من خلل الحجب
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
سموت لها بالرأى: يشرق فى الدّجىويقطع فى الجلّى، ويصدع فى الهضب
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
فأبرزتها مهتوكة الجيب بالقناوغادرتها ملصوقة الخدّ بالتّرب!

وقالا أيضا فى قلعة:

وقلعة عانق العيّوق سافلها،وجار منطقة الجوزا أعاليها
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
لا تعرف القطر، إذ كان الغمام لهاأرضا توطّأ قطريه مواشيها
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
إذا الغمامة لاحت، خاض ساكنهاحياضها قبل أن تهمى عزاليها
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
يعدّ من أنجم الأفلاك مرقبها،لو أنّه كان يجرى فى مجاريها
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
على ذرى شامخ وعر: قد امتلأتكبرا به، وهو مملوء بها تيها
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
له عقاب: عقاب الجوّ حائمةمن دونها، فهى تخفى فى خوافيها
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة

وقال أبو بكر الخوارزمىّ:

وبكر تحامتها البعول مخافة،فقد تركت من كثرة المهر أيّما
ممنّعة لم يغلط الدّهر باسمها،ولم يرها فى النّوم إلا توهّما
تزلّ عقاب الجوّ عن شرفاتها،وتبغى إليها الرّيح مرقى وسلّما!
ويسمع فى الأفلاك صيحة ديكها،فتحسب ديك العرش صاح ترنّما
عجوز، ترى فى صحّة الجسم كاعبا؛ولو أرّخت، كانت من الدّهر أقدما!
توارى أساسا بالتّخوم مؤزّرا،وتبرز رأسا بالنّجوم معمّما
تنازعها الأرض السّماء وتدّعىلديها بها حقّا لها متهضّما
وتحسبها زهر الكواكب كوكباهوى خلف شيطان رجيم، فخيّما!

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.