تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر شىء من الشعر المقول في ذمّ العشق والحب

قال الأصمعىّ: سئل أعرابىّ عن الحبّ، فقال: وما الحب؟ وما عسى أن يكون؟

هل هو إلا سحر أو جنون. ثم قال:

هل الحبّ إلا زفرة بعد زفرة،وحرّ على الأحشاء ليس له برد؟
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «وفى عروة العذرى إن مت أسوة»
وفيض دموع العين منّى كلّمابدا علم من أرضكم لم يكن يبدو؟

وقال: قلت لأعرابىّ: ما الحب؟ فقال:

الحبّ مشغلة عن كلّ صالحةوسكرة الحبّ تنفى سكرة الوسن

وقال محمد بن عبد الله بن مبادر:

من فتى أصبح في الحبّسقاه الحبّ سمّا؟
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة

كلّما أخفى جوى الحبّ ...، عليه الدمع نمّا.

ساهر لا يطعم النوم إذا الليل ادلهمّا
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
كلّما راقب نجمافهوى، راقب نجما
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
أنتمو همّى فإن لمتصلونى متّ غمّا
يا ثقاتى، خطم الحبّلكم انفى وزمّا!
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
يا أخى، دائى جوى الحبّوداء الناس حمّى
لا تلم مفتضحا في الحبّ، إن الحبّ أعمى!
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة

وقال محمد بن ابى أمية:

فو الله، ما أدرى امن لوعة الهوىصبرت على التقصير أم ليس لى قلب؟
أقبّح أمرا، والفؤاد يودّه،أجنّ فؤادى في الهوى؟ بل هو الحبّ
للشاعر محمد بن أبي أمية، اقرأ القصيدة

وقال أبو عبادة البحترىّ:

قال بطلا وأفال الراى منلم يقل إن المنايا في الحدق!
للشاعر البحتري، من قصيدة «قلت للائم في الحب أفق»
إن تكن محتسبا من قد ثوىبحمام، فاحتسب من قد عشق!
للشاعر البحتري، من قصيدة «قلت للائم في الحب أفق»

وقال أبو تمام:

أمّا الهوى فهو العذاب، فإن جرتفيه النّوى فالتّيم كلّ التّيم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا ربع لو ربعوا على ابن هموم»

وقال ابن أبى حصينة:

والعشق يجتذب النفوس إلى الرّدىبالطّبع، واحسدا لمن لم يعشق!
طرق الخيال فهاج لى بطروقهولها، فليت خيالها لم يطرق!

وقال صالح بن عبد القدّوس:

عاص الهوى إن الهوى مركبيصعب بعد اللّين منه الذّلول!
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة
إن يجلب اليوم الهوى لذّةففى غد منه البكا والعويل
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة

وقال ابن المعتزّ:

فكأنّ الهوى امرؤ علوىّظنّ أنّى وليت قتل الحسين!
وكأنّى لديه نجل زيادفهو يختار أوجع القتلتين!

وقال أبو عبد الله بن الحجاج:

ويحك، يا قلبى ما أغفلك!تعشق من يعشق أن يقتلك؟
وأنت يا طرفى أوقعتنى،ويحك يا طرفى مالى ولك؟
قد كان من حقّ بكائى علىتبتّلى بالحبّ أن يشغلك
حتّى توصلت لقتلى، فلاكنت ولا كان الذى أرسلك!

وقال عبد المحسن بن غالب الصورىّ:

وكان ابتداء الذى بى مجونا،فلمّا تمكّن أمسى جنونا
وكنت أظنّ الهوى هيّنافلاقيت منه عذابا مهينا
للشاعر عبد المحسن الصوري، من قصيدة «عيون منعن الرقاد العيونا»

وقال أبو بكر بن محمد بن عمر العنبرىّ:

يا صاح، إنّى مذ عرفت الهوىغرقت في بحر بلا ساحل!
عينى لحينى نظرت نظرةرحت بها في شغل شاغل
علّقته في البيت من فارس؛لكنّه في السّحر من بابل
يظلمنى، والعدل من شأنه!ما أوجع الظّلم من العادل!

وقال آخر:

من سرّه أن يرى المنايابعينه منظرا صراحا
فليحس كأسا من التجنّىوليعشق الأوجه الملاحا!
يا أعينا أرسلت مراضافاختلست أعينا صحاحا!

وقال آخر:

ما أقتل الحبّ! والإنسان يجهلهوكلّ ما لم يذقه فهو مجهول
راح الرّماة إلى بعض المها، فإذابعض الرّماة ببعض الصّيد مقتول!

وأما الآفات التى تجرى على العاشق من المرض والضّنا والجنون والمخاطرات بالنفوس وإلقائها إلى الهلاك، فهى كثيرة جدّا، مشاهدة ومسموعة.

فمن ذلك ما حكاه أبو الفرج بن الجوزىّ بسند يرفعه، قال: لما بعثت قريش عمارة بن الوليد مع عمرو بن العاص إلى النجاشىّ يكلمانه فيمن قدم عليه من المهاجرين، فراسل عمارة جارية لعمرو بن العاص كانت معه فصغت إليه. فاطلع عمرو على ذلك

فوجد على عمارة. وكان عمارة أخبر عمرا أن زوجة النجاشىّ علقته وأدخلته إليها فوشى عمرو بعمارة عند النجاشىّ وأخبره بالخبر، فقال له النجاشىّ: ائتنى بعلامة أستدلّ بها على ما قلت! ثم عاد عمارة فأخبر عمرا بأمره وأمر زوجة النجاشىّ، فقال له عمرو:

لا أقبل هذا منك إلا أن تعطيك من دهن الملك الذى لا يدّهن به غيره. فكلمها عمارة فى ذلك، فقالت: أخاف من الملك فأبى أن يرضى منها حتّى تعطيه من ذلك الدّهن فأعطته منه فأعطاه عمرا فجاء به عمرو إلى النجاشىّ فنفخ سحرا في إحليل عمارة. فذهب مع الوحش (فيما تقول قريش) فلم يزل متوحّشا يرد ماء في جزيرة بأرض الحبش حتى خرج إليه عبد الله بن أبى ربيعة في جماعة من أصحابه فرصده على الماء فأخذه فجعل يصيح به: يا بجير أرسلنى! فإنى أموت إن أمسكتنى! فأمسكه فمات في يده.

وحكى عن محمد بن زياد الأعرابىّ قال: رأيت بالبادية أعرابيا في عنقه تمائم وهو عريان وعلى سوأته خرقة وفي رجله حبل ومن خلفه عجوز آخذة بطرف الحبل وهو يعضّ ذراعيه، فقلت للعجوز: من هذا؟ فقالت: ابن ابنتى! فقلت لها:

أبه مسّ من الجنّ؟ فقالت: لا والله ولكنه نشأ وابنة عمّ له في مكان واحد، فعلّقها وعلّقته. فحبسها أهلها ومنعوها منه فزال عقله وصار إلى ما ترى! فقلت لها: ما اسمه قالت: عكرمة. فقلت: أيا عكرمة ما أصابك؟ قال: أصابنى داء قيس وعروة وجميل: فالجسم منى نخيل، والفؤاد عليل. قال: فتركته ومضيت.

وحكى عن عباس بن عبيد، قال: كان بالمدينة جارية ظريفة حاذقة بالغناء فهويت فتى من قريش، فكانت لا تفارقه ولا يفارقها. فملّها الفتى وفارقها، وتزايدت محبتها له حتى ولهت. وتفاقم الأمر بها حتّى هامت على وجهها ومزّقت ثيابها، فرآها مولاها فى ليلة من الليالى، وهى تدور في السّكك ومعه أصحاب له، فجعلت تبكى وتقول:

الحبّ أوّل ما يكون لجاجةتأتى به وتسوقه الأقدار
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «غضب الحبيب فهاج لي استعبار»
حتّى إذا اقتحم الفتى لجج الهوىجاءت أمور لا تطاق كبار
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «غضب الحبيب فهاج لي استعبار»

قال: فما بقى أحد إلا رحمها. فقال لها مولاها: يا فلانة، امضى معنا إلى بيتنا! فأبت وقالت:

شغل الحلى أهله أن يعارا

قال: وذكر بعض من رآها ليلة وقد لقيتها جارية أخرى مجنونة فقالت لها:

فلانة، كيف أنت؟ قالت: كما لا أحب، فكيف أنت من ولهك وحبّك؟ قالت:

على ما لم يزل، يتزايد على مرّ الأيام! قالت لها: فغنّى بصوت من أصواتك فإنى قريبة.

الشّبه بك! فأخذت قصبة توقّع بها وغنّت:

يا من شكا ألما للحبّ شبّههبالنار في القلب من حزن وتذكار!
إنّى لأعظم ما بى أن أشبّههشيئا يقاس إلى مثل ومقدار
لو أنّ قلبى في نار لأحرقها،لأنّ أجزاءه أذكى من النّار!

ثم مضت.

وحكى عن سليمان بن يحيى بن معاذ قال: قدم علىّ بنيسابور إبراهيم بن سبابة الشاعر البصرى. فأنزلته علىّ فجاء ليلة من الليالى وهو مكروب قد هاج. فجعل يصيح بى: يا أبا أيوب! فخشيت أن يكون قد غشيته بلية، فقلت: ما تشاء؟

فقال:

أعيانى الشادن الرّبيب!

فقلت: بماذا؟

فقال:

أشكو إليه فلا يجيب!

فقلت: داره وداوه!

فقال:

من أين أبغى شفاء دائى؟وإنما دائى الطّبيب!

فقلت: إذن يفرّج الله ﷿! فقال:

يا ربّ، فرّج إذا وعجّل،فإنّك السامع المجيب!
للشاعر إبراهيم بن شبابة، اقرأ القصيدة

ثم انصرف.

وحدث عن على بن محمد النوفلىّ عن أبى المختار عن محمد بن قيس العبدىّ، قال:

إنى لبمزدلفة بين النائم واليقظان إذا سمعت بكاء حرقا وغناء عاليا. فاتبعت الصوت فإذا أنا بجارية كأنها الشمس حسنا ومعها عجوز. فلطئت بالأرض لأمتع عينى بحسنها، فسمعتها تقول:

دعوتك يا مولاى سرا وجهرةدعاء ضعيف القلب عن محمل الحبّ!
بليت بقاسى القلب لا يعرف الهوىوأقتل خلق الله للهائم الصبّ!
فإن كنت لم تقض المودّة بيننافلا تخل من حبّ له أبدا قلبى!
رضيت بهذا ما حييت فإن أمتفحسبى معادا في المعاد به حسبى!

قال: وجعلت تردّد هذه الأبيات وتبكى، فقمت إليها وقلت: بنفسى من أنت؟

مع هذا الوجه وهذا الجمال يمتنع عليك من تريدين؟ قالت: نعم! والله إنه يفعل تصبرا وفي قلبه أكثر مما في قلبى! قلت: فإلى كم البكاء؟ قالت: أبدا! أو يصير الدمع دما وتتلف نفسى غما. فقلت: إن هذه آخر ليلة من ليالى الحج، فلو سألت الله تعالى التوبة مما أنت فيه، رجوت أن يذهب حبه من قلبك! قالت: يا هذا، عليك بنفسك في طلب رغبتك، فإنى قد قدّمت رغبتى إلى من ليس يجهل بغيتى! وحوّلت وجهها عنى، وأقبلت على بكائها وشعرها.

وحكى أبو الفرج، عبد الرحمن بن على بن محمد بن الجوزىّ في كتابه المترجم ب «ذمّ الهوى» بسند رفعه إلى هشام بن عروة، قال: أذن معاوية بن أبى سفيان يوما للناس، فكان فيمن دخل عليه فتى من بنى عذرة. فلما أخذ الناس مجالسهم، قام الفتى العذرىّ بين السماطين فأنشأ يقول:

معاوى، يا ذا الفضل والحلم والعقلوذا البرّ والإحسان والجود والبذل!
أتيتك لمّا ضاق في الأرض مسكنىوأنكرت مما قد أصبت به عقلى
ففرّج- كلاك الله- عنّى فإننىلقيت الذى لم يلقه أحد قبلى!
وخذ لى- هداك الله- حقّى من الذىرمانى بسهم كان أهونه قتلى!
وكنت أرجّى عدله إن أتيتهفأكثر تردادى مع الحبس والكبل!
سبانى سعدى وانبرى لخصومتىوجار ولم يعدل وغاصبنى أهلى
فطلّقتها من جهد ما قد أصابني!فهذا أمير المؤمنين من العدل؟

فقال معاوية: أدن بارك الله عليك! ما خطبك؟ فقال: أطال الله بقاء أمير المؤمنين! إننى رجل من بنى عذرة، تزوّجت ابنة عمّ لى. وكانت لى صرمة من الإبل وشويهات فأنفقت ذلك عليها، فلما أصابتنى نائبة الزمان وحادثات الدهر، رغب عنى أبوها.

وكانت جارية فيها الحياء والكرم، فكرهت مخالفة أبيها. فأتيت عاملك مروان بن الحكم مستصرخا به راجيا لنصرته. فذكرت له قصتى، فأحضر أباها وسأله عن قضيتى. وكان قد بلغه جمالها، فدفع لأبيها عشرة آلاف درهم، وقال له: هذه لك، وزوّجنى بها وأنا أضمن خلاصها من هذا الأعرابىّ! فرغب أبوها في البذل فصار الأمير لى خصما وعلىّ منكرا! فانتهرنى وأمر بى إلى السجن وأرسل إلىّ أن أطلقها فلم أفعل. فحبسنى وضيق علىّ وعذبنى بأنواع العذاب، فلما أصابنى مسّ الحديد وألم العذاب ولم أجد

بدّا عن ذلك، طلقتها. فما استكملت عدّتها حتّى تزوّج بها. فلما دخل بها أرسل إلىّ فأطلقنى. وقد أتيتك يا أمير المؤمنين مستجيرا بك، وأنت غياث المكروب، وسند المسلوب. فهل من فرج؟ ثم بكى وقال في بكائه:

فى القلب منّى ناروالنار فيها استعار!
والجسم منّى نحيلواللون فيه اصفرار
والعين تبكى بشجوفدمعها مدرار
والحبّ داء عسيرفيه الطّبيب يحار
حمّلت منه عظيمافما عليه اصطبار
فليس ليلى ليلاولا نهارى نهار!

فرقّ له معاوية وكتب إلى ابن الحكم كتابا غليظا، وكتب في آخره:

ركبت أمرا عظيما لست أعرفهأستغفر الله من جور امرئ زانى!
قد كنت تشبه صوفيّا له كتبمن الفرائض أو آيات فرقان
حتّى أتانا الفتى العذرىّ منتحبايشكو إلىّ بحقّ غير بهتان
أعطى الإله عهودا لا أخيس بها:أو لا فبرّئت من دين وإيمان!
إن أنت راجعتنى فيما كتبت بهلأجعلنّك لحما بين عقبان!
طلّق سعاد، وجهّزها معجّلةمع الكميت، ومع نصر بن ذبيان!
فما سمعت كما بلّغت من عجبولا فعالك حقّا فعل إنسان!

ثم طوى الكتاب ودفعه إلى الكميت ونصر بن ذبيان وقال: اذهبا به إليه! قال: فلما ورد كتاب معاوية على ابن الحكم وقرأه تنفس الصّعداء، وقال: وددت أن أمير المؤمنين خلّى بينى وبينها سنة ثم عرضنى على السيف! وجعل يؤامر نفسه

فى طلاقها فلا يقدر. فلما أزعجه الوفد طلقها وأسلمها إليهما. فلما رآها الوفد على هذه الصورة العظيمة وما اشتملت عليه من الجمال المفرط، قالوا: لا تصلح هذه إلا لأمير المؤمنين! وكتب ابن الحكم كتابا لأمير المؤمنين معاوية، ودفعه إليهما مع الجارية. فكان مما كتب فيه يقول:

لا تحنثنّ أمير المؤمنين فقدأوفى بعهدك في رفق وإحسان
وما ركبت حراما حين أعجبنى،فكيف سمّيت باسم الخائن الزانى؟
أعذر فانك لو أبصرتها لجرتمنك الأمانى على تمثال إنسان!
وسوف تأتيك شمس ليس يعدلهاعند البريّة من إنس ومن جان!
حوراء يقصر عنها الوصف إن وصفت،أقول ذلك في سرّ وإعلان!

فلما ورد الكتاب على معاوية وقرأه، قال: لقد أحسن في الطاعة، ولكن أطنب فى ذكر الجارية! ولئن كانت أعطيت حسن النّغمة مع هذا الوصف الحسن فهى أكمل البرية! فأمر بإحضارها، فلما مثلت بين يديه، استنطقها فإذا هى أحسن الناس كلاما وأكملهم شكلا ودلالا. فقال: يا أعرابىّ، هذه سعدى! ولكن هل لك عنها من سلوة بأفضل الرغبة؟ قال نعم، إذا فرّقت بين رأسى وجسدى! فقال: أعوّضك عنها يا أعرابىّ ثلاث جوار أبكار ومع كل واحدة ألف دينار وأقسم لك من بيت المال ما يكفيك في كل سنة ويعينك على صحبتهنّ. فشهق شهقة ظن معاوية أنه مات. فقال له: ما بالك يا أعرابىّ؟ قال: أشرّبال وأسوأ حال، استجرت بعدلك من جور ابن الحكم، فعند من أستجير من جورك؟ ثم أنشأ يقول:

لا تجعلنى والأمثال تضرب بىكالمستغيث من الرّمضاء بالنار!
اردد سعاد على حيران مكتئبيمسى ويصبح في همّ وتذكار!
قد شفّه قلق ما مثله قلق.وأسعر القلب منه أىّ إسعار!
كيف السّلوّ، وقد هام الفؤاد بهاوأصبح القلب عنها غير صبّار؟

قال: فغضب معاوية غضبا شديدا، ثم قال: يا أعرابىّ، أنت مقرّ بأنك طلقتها! ومروان مقرّ بأنه طلقها، ونحن نخيرها فان اختارتك أعدناها إليك بعقد جديد، وإن اختارت سواك زوّجناه بها. ثم التفت إليها أمير المؤمنين وقال: ما تقولين، يا سعدى؟

أيما أحبّ إليك، أمير المؤمنين في عزه وشرفه وسلطانه وما تصيرين إليه عنده، أو مروان بن الحكم في عسفه وجوره، أو هذا الأعرابى في فقره وسوء حاله؟

فأنشأت تقول:

هذا، وان كان في فقر وإضرار،أعزّ عندى من قومى ومن جارى!
وصاحب التّاج أو مروان عاملهوكلّ ذى درهم عندى ودينار!

ثم قالت: والله يا أمير المؤمنين، ما أنا بخاذلته لحادثة الزمان ولا لغدزات الأيام! وإن لى معه صحبة لا تنسى ومحبة لا تبلى! والله إنى لأحق من صبر معه في الضراء كما تنعّمت معه في السرّاء! فعجب كلّ من كان حاضرا. فأمر له بها ثم أعادها له بعقد جديد، وأمر لهما بألف دينار. فأخذها وانصرف يقول:

خلّوا عن الطّريق للأعرابى!ألم ترقّوا، ويحكم ممّا بى؟

قال: فضحك معاوية وأمر بها فأدخلت في قصوره حتى انقضت عدّتها من ابن الحكم ثم أمر برفعها إلى الأعرابى.

ولقد ساق ابن الجوزى في كتابه من أخبار العشاق وما نالهم من الأمراض والجنون والضنا، وقصّ كثيرا من أخبارهم، تركنا إيراد ذلك رغبة في الاختصار، لأنه أمر غير منكور.

وأما من خاطر بنفسه وألقاها إلى الهلاك لأجل محبوبه، فمن ذلك ما روى عن أبى ريحانة أحد حجاب عبد الملك بن مروان أنه قال: كان عبد الملك يجلس يومين في الأسبوع جلوسا عامّا للناس: فبينا هو جالس في مستشرف له وقد ادخلت عليه القصص، إذ وقعت في يده قصّة غير مترجمة. فيها:

«إن رأى أمير المؤمنين أن يأمر جاريته فلانة تغنينى ثلاثة أصوات ثم ينفذ فىّ ما شاء من حكمه، فعل!».

فاستشاط من ذلك غضبا وغيظا، وقال: يا رباح! علىّ بصاحب هذه القصة! فخرج الناس جميعا فأدخل عليه غلام كما عذّر، من أحسن الفتيان، فقال له عبد الملك:

يا غلام، هذه قصتك؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: وما الذى غرّك منّى؟ والله لأمثلنّ بك ولأردعنّ بك نظراءك من أهل الجسارة! ثم قال: علىّ بالجارية فجىء بها كأنها فلقة قمر! وبيدها عودها ووضع لها كرسىّ، فجلست، فقال عبد الملك: مرها يا غلام! فقال لها: يا جارية، غنينى بشعر قيس بن ذريح:

لقد كنت حسب النفس، لو دام ودنا؛ولكنما الدنيا متاع غرور!
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «فإن يحجبوها أو يحل دون وصلها»
وكنّا جميعا قبل أن يظهر الهوىبأنعم حالى غبطة وسرور
للشاعر عبد الله بن مصعب، اقرأ القصيدة
فما برح الواشون حتّى بدت لنابطون الهوى مقلوبة لظهور
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «فإن يحجبوها أو يحل دون وصلها»

فغنّت. فخرج الغلام من جميع ما كان عليه من الثياب تخريقا، ثم قال له عبد الملك: مرها تغنك الصوت الثانى! فقال: غنينى بشعر جميل:

ألا ليت شعرى! هل أبيتنّ ليلةبوادى القرى؟ إنى إذا لسعيد!
للشاعر جميل بثينة، اقرأ القصيدة
إذا قلت: ما بى يا بثينة قاتلىمن الحبّ! قالت: ثابت ويزيد!
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «إذا ما شكا ليم إليك مصيبة»
وإن قلت: ردّى بعض عقلى أعش بهمع الناس! قالت: ذاك منك بعيد!
فلا أنا مردود بما جئت طالبا،ولا حبّها فيما يبيد يبيد!
للشاعر جميل بثينة، اقرأ القصيدة
يموت الهوى منّى إذا ما لقيتها،ويحيا إذا فارقتها فيعود!
للشاعر جميل بثينة، اقرأ القصيدة

فغنته الجارية. فسقط الغلام مغشيّا عليه ساعة. ثم أفاق، فقال له عبد الملك: مرها فلتغنك الصوت الثالث! فقال يا جارية! غنينى بشعر قيس بن الملوّح:

وفي الجيرة الغادين من بطن وجرةغزال غضيض المقلتين ربيب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «وفي الجيرة الغادين من بطن وجرة»
فلا تحسبى أن الغريب الذى نأى،ولكنّ من تنأين عنه غريب!
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «وفى الجيرة الغادين من بطن وجرة»

فغنته الجارية فطرح نفسه من المستشرف، فتقطع قبل وصوله إلى الأرض. فقال عبد الملك: ويحه! لقد عجّل على نفسه! ولقد كان تقديرى فيه غير الذى فعل! وأمر بإخراج الجارية عن قصره، فأخرجت. ثم سأل عن الغلام فقالوا: غريب، لا يعرف إلا أنه منذ ثلاث ينادى في الأسواق، ويده على رأسه:

غدا يكثر الباكون منا ومنكم،وتزداد دارى من دياركم بعدا!
للشاعر ابن العجلان النهدي، من قصيدة «خليلي زورا قبل شحط النوى هند»

وحكى أن مثل هذه الحكاية جرت في مجلس سليمان بن عبد الملك.

حكى عن أبى عثمان الجاحظ أنه قال: قعد سليمان بن عبد الملك يوما للمظالم وعرضت عليه القصص فمرّت به قصة فيها: إن رأى امير المؤمنين أن يخرج إلىّ فلانة

(إحدى جواريه) حتّى تغنينى ثلاثة أصوات، فعل. فاغتاظ سليمان وأمر أن يؤتى برأسه. ثم أتبع الرسول برسول آخر فأمره أن يدخل الرجل إليه. فلما مثل بين يديه، قال له: ما الذى حملك على ما صنعت؟ فقال: الثقة بحلمك، والاتكال على عفوك! فأمره بالجلوس، فجلس حتى لم يبق من بنى أمية أحد. ثم أمر بإخراج الجارية فأخرجت ومعها عود، ثم قال: اختر! فقال: تغنى لى بقول قيس بن الملوّح:

تعلّق روحى روحها قبل خلقناومن بعد أن كنّا نطافا وفي المهد!
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «تعلق روحي روحها قبل خلقنا»
فعاش كما عشنا فأصبح ناميا،وليس- وإن متنا- بمنقصف العهد
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «تعلق روحي روحها قبل خلقنا»
يكاد فضيض الماء يخدش جلدها،اذا اغتسلت بالماء من رقّة الجلد
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «تعلق روحي روحها قبل خلقنا»
وإنّى لمشتاق إلى ريح جيبها،كما اشتاق إدريس إلى جنّة الخلد!
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «تعلق روحي روحها قبل خلقنا»

فغنت. ثم قال: تأمر لى برطل. فأمر له به فشربه. ثم قال: تغنى بقول جميل:

علقت الهوى منها وليدا، فلم يزلإلى اليوم ينمى حبّها ويزيد
للشاعر جميل بثينة، اقرأ القصيدة
وأفنيت عمرى في انتظار نوالهاوأبليت فيها الدّهر وهو جديد
فلا أنا مردود بما جئت طالبا،ولا حبّها فيما يبيد يبيد
للشاعر جميل بثينة، اقرأ القصيدة
إذا قلت: ما بى يابثينة قاتلىمن الحبّ! قالت: ثابت ويزيد
وإن قلت: ردّى بعض عقلى أعش بهمع الناس! قالت: ذاك منك بعيد

فغنّت، فقال له سليمان: قل ما تريد؟ قال: تأمر لى برطل، فأمر له به فشربه.

ثم قال: تغنى بقول قيس بن ذريح:

«لقد كنت حسب النفس»

الأبيات

فغنت. فقال له سليمان: قل ما تشاء! قال: تأمر لى برطل! فأمر له به، فما استتمه حتّى وثب فصعد إلى أعلى قبة ثم زجّ نفسه على دماغه فمات. فاسترجع سليمان وقال: أتراه توهّم الجاهل أنى أخرج إليه جاريتى وأردّها إلى ملكى؟ يا غلام خذ بيدها فانطلق بها إلى أهله إن كان له أهل، وإلا فبيعوها وتصدّقوا بثمنها عنه.

فلما انطلقوا بها، نظرت إلى حفرة في الدار قد أعدّت للمطر، فجذبت يدها من أيديهم وأنشأت تقول:

من مات عشقا فليمت هكذا!لا خير في عشق بلا موت!

وزجت نفسها في الحفرة على دماغها. فماتت.

وقد حكى أيضا مثل هذه، وأنها وقعت للرشيد.

روى عن أبى بكر محمد بن علىّ المخزومىّ قال: اشتريت للرشيد جارية مدنية.

فأعجب بها وأمر الفضل بن الربيع أن يبعث في حمل أهلها ومواليها لينصرفوا بجوائزها.

وأراد بذلك تشريفها. فوفد إلى مدينة السلام ثمانون رجلا، ووفد معهم رجل من أهل العراق استوطن المدينة كان يهوى الجارية. فلما بلغ الرشيد خبر مقدمهم أمر الفضل أن يخرج إليهم ليكتب اسم كل واحد منهم وحاجته، ففعل. فلما بلغ إلى العراقىّ قال: ما حاجتك؟ قال له: إن أنت كتبتها وضمنت لى عرضها مع ما يعرض، أنبأتك بها. فقال: أفعل ذلك، فقال: حاجتى أن أجلس مع فلانة حتّى تغنّينى ثلاثة أصوات وأشرب ثلاثة أرطال، وأخبرها بما تجنّ ضلوعى من حبها! فقال الفضل: أنت موسوس مدخول عليك في عقلك! فقال: يا هذا، قد أمرت أن تكتب ما يقول كلّ واحد منا فاكتب ما أقول واعرضه، فإن أجبت إليه وإلا فأنت في أوسع العذر، فدخل الفضل مغضبا فوقف بين يدى الرشيد، وقرأ عليه ما كتب من حوائجهم. فلما فرغ

قال: يا أمير المؤمنين فيهم واحد مجنون! سأل ما أجلّ مجلس أمير المؤمنين عن التفوّه به.

فقال: قل، ولا تجزعنّ! فقال: قال كذا وكذا. فقال: اخرج إليه، وقل له «إذا كان بعد ثلاث، فاحضر لينجز لك ما سألت». وكن أنت متولّى الاستئذان له. ثم دعا بخادم فقال له: امض إلى فلانة فقل لها: حضر رجل يذكر كذا وكذا وقد أجبناه إلى ما سأل فكونى على أهبة. وخرج الفضل إلى الرجل وأخبره بما قال الرشيد، فانصرف وجاء فى اليوم الثالث. فعرّف الفضل الرشيد خبره فقال: يوضع له بحيث أرى كرسىّ من فضة، وللجارية كرسىّ من ذهب! وليخرج إليه ثلاثة أرطال! ففعلوا ذلك وجاء الفتى فجلس على الكرسىّ، والجارية بإزائه، فجعل يحدّثها والرشيد يراهما، فقال له الخادم: لم تدخل فتشتو وتصيّف! فأخذ رطلا وخرّ ساجدا، وقال: إن شئت أن تغنّى فغنّى:

خليلىّ عوجا! بارك الله فيكماوإن لم تكن هند بأرضكما قصدا!
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «خليلي عوجا بارك الله فيكما»
وقولا لها: ليس الضلال أجازنا؛ولكنّما جزنا لنلقاكما عمدا!
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «خليلي عوجا بارك الله فيكما»
غدا يكثر الباكون منا ومنكم،وتزداد دارى من دياركم بعدا!
للشاعر ابن العجلان النهدي، من قصيدة «خليلي زورا قبل شحط النوى هند»

فغنت، فشرب الرطل، وحادثها ساعة. فاستحثه الخادم فأخذ الرطل بيده وقال:

غنى جعلنى الله فداءك!

تكلّم منّا في الوجوه عيوننا،فنحن سكوت والهوى يتكلّم!
للشاعر محيي الدين بن عربي، اقرأ القصيدة
ونغضب أحيانا ونرضى بطرفنا،وذلك فيما بيننا ليس يعلم!
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «تحدث عنا في الوجوه عيوننا»

فغنته وشرب الرطل الثانى وحادثها ساعة. واستعجله الخادم فخرّ ساجدا يبكى واخذ الرطل بيده واستودعها الله وقام ودموعه تستبق استباق المطر وقال: إذا شئت أن تغنّى فغنّى.

أحسن ما كنّا تفرّقناوخاننا الدّهر وما خنّا!
فليت ذا الدّهر لنا مرّةعاد لنا الدّهر كما كنا!

فغنته الصوت، فقلّب الفتى طرفه فبصر بدرجة في الصحن، فأمها. فاتبعه الخدم ليهدوه الطريق، ففاتهم وصعد الدرجة فألقى نفسه إلى الأرض على رأسه فمات. فقال الرشيد: عجّل الفتى! ولو لم يعجّل لوهبتها له! وممن خاطر بنفسه في هواه وعرّضها للتلف فنجا ونال خيرا، ما حكاه ابن الجوزى بسند يرفعه إلى أبى الفرج أحمد بن عثمان بن إبراهيم الفقيه المعروف بابن الترسى قال: كنت جالسا بحضرة أبى، وأنا حدث، وعنده جماعة.

فحدّثنى حديث وصول النعم إلى الناس بالألوان الظريفة. وكان ممن حضر صديق لأبى. فسمعته يحدّث أبى، قال: حضرت عند صديق لى من التّجّار- كان يتّجر بمائة ألف دينار- فى دعوة. وكان حسن المروءة، فقدّم مائدة وقدّم عليها ديكريكة فلم يأكل

منها، فامتنعنا. فقال: كلوا! فإنى أتأذّى بأكل هذا اللون. فقلنا: نساعدك على تركه.

قال: بل أساعدكم على الأكل، واحتمل الأذى! فأكل وأكلنا، فلما أراد غسل يده أطال. فعددت عليه أنه قد غسلها أربعين مرة. فقلت: يا هذا، وسوست! فقال: هذه الأذية التى قرفت منها! فقلت: وما سببها؟ فامتنع من ذكر السبب، فلما ألححت عليه، قال: مات أبى وسنى عشرون سنة، وخلّف لى نعمة وفيرة ورأس مال ومتاعا في دكانه. فقال لما حضرته الوفاة: يا بنىّ! إنه لا وارث لى غيرك، ولا دين علىّ ولا مظلمة. فإذا أنا متّ فأحسن جهازى وتصدّق عنى بكذا وكذا، وأخرج عنى حجّة بكذا، وبارك الله لك في الباقى! ولكن احفظ وصيتى! فقلت: قل! قال: لا تسرف فى مالك، فتحتاج إلى ما في أيدى الناس فلا تجده. واعلم أن القليل مع الإصلاح كثير، والكثير مع الفساد قليل. فالزم السّوق وكن أوّل من يدخلها، وآخر من يخرج منها.

وإن استطعت أن تدخلها سحرا بليل فافعل، فإنك تستفيد بذلك فوائد تكشفها لك الأيام، ومات. فأنفذت وصيته، وعملت بما أشار به. وكنت أدخل السوق سحرا، وأخرج منها عشاء. فلا أعدم من يجىء يطلب كفنا فلا يجد من قد فتح غيرى فأحتكم عليه، ومن يبيع شيئا والسوق لم تقم فأبتاع منه، وأشياء من هذه الفوائد. ومضى علىّ سنة وكسر، فصار لى بذلك جاه عند أهل السوق وعرفوا استقامتى وأكرمونى.

فبينا أنا جالس يوما ولم تتكامل السوق، وإذا بامرأة راكبة حمارا مصريا وعلى كفله منديل دبيقىّ ومعها خادم وهى بزىّ القهارمة. فبلغت آخر السوق ثم رجعت، فنزلت عندى. فقمت إليها وأكرمتها، وقلت: ما تأمرين؟ وتأملتها فإذا بامرأة لم أر قبلها

ولا بعدها إلى الآن أحسن منها في كل شىء. فتكلمت وقالت: أريد كذا وكذا (ثيابا طلبتها). فسمعت نغمة ورأيت شكلا قتلنى فعشقتها في الحال أشدّ عشق، وقلت:

اصبرى حتى يخرج الناس، فآخذ ذلك لك فليس عندى إلا القليل مما يصلح لك.

وأخرجت الذى عندى وجلست تحادثنى، وكأن السكاكين في فؤادى من عشقها.

وكشفت عن أنامل رأيتها كالطّلع، ووجه كدارة القمر. فقمت لئلا يزيد علىّ الأمر، وأخذت لها من السوق ما أرادت، وكان ثمنه مع مالى نحو خمسمائة دينار، فأخذته وركبت ولم تعطنى شيئا. وذهب عنى لما تداخلنى من حبها أن أمنعها من المتاع إلا بالمال، وأن أستدل على منزلها ومن دار من هى؟ فحين غابت عنى، وقع لى أنها محتالة وأن ذلك سبب فقرى. فتحيرت في أمرى وكتمت خبرى، لئلا أفتضح بما للناس علىّ. وأجمعت على بيع ما في يدى من المتاع وإضافته إلى ما عندى من الدراهم وأدفع أموال الناس إليهم ولزوم البيت والاقتصار على غلة العقار الذى ورثته. وأخذت أشرع فى ذلك مدة أسبوع، وإذا بها قد أقبلت ونزلت عندى، فحين رأيتها أنسيت جميع ما جرى علىّ، وقمت إليها. فقالت: يا فتى، تأخرنا عنك لشغل عرض لنا، وما شككنا فى أنك لم تشك أنا احتلنا عليك، فقلت: قد رفع الله قدرك عن هذا! فقالت، هات التخت والطيار، فأحضرته، فأخرجت دنانير عتقا، فوفتنى المال بأسره. وأخرجت تذكرة بأشياء أخر. فأنفذت إلى التجّار أموالهم وطلبت منهم الذى أرادت، وحصّلت أنا

فى الوسط ربحا جيدا. وأحضر التّجّاز الثياب فقمت وثمنتها معهم لنفسى. ثم بعتها عليها بربح عظيم، وأنا في خلال ذلك أنظر إليها نظر من تألّف حبها، وهى تنظر إلىّ نظر من فطنت بذلك ولم تنكره. فهممت بخطابها ولم أقدر عليه. وجمعت المتاع فكان ثمنه ألف دينار. فأخذته، وركبت ولم أسألها عن موضعها. فلما غابت عنى، قلت: هذه الآن الحيلة المحكمة! أعطتنى خمسمائة دينار وأخذت ألف دينار، وليس إلا بيع عقارى الآن، والحصول على الفقر! وتطاولت غيبتها عنى بنحو شهر. وألحّ التجّار علىّ بالمطالبة، فعرضت عقارى على البيع، ولازمنى بعض التجّار فوزنت جميع ما كنت أملكه ورقا وعينا. فبينا أنا كذلك، إذ نزلت عندى. فزال عنى جميع ما كنت فيه برؤيتها. واستدعت الطيّار والتخت، فوزنت المال ورمت إلىّ تذكرة يزيد ما فيها على ألفى دينار بكثير. فتشاغلت بإحضار التجّار ودفع أموالهم إليهم وأخذ المتاع منهم، وطال الحديث بيننا. فقالت لى: يا فتى، ألك زوجة؟ فقلت: لا، والله ما عرفت امرأة قط، وأطمعنى ذلك فيها، وقلت: هذا وقت خطابها، والإمساك عنها عجز، ولعلها تعود أو لا تعود. وأردت كلامها فهبتها. وقمت كأنى أحثّ التجار على جمع المتاع. وأخذت يد الخادم وأخرجت إليه دنانير وسألته أن يأخذها ويقضى لى حاجة. فقال: أفعل، فقصصت عليه قصتى وسألته توسط الأمر بينى وبينها.

فضحك وقال: والله إنها لك أعشق منك لها! وو الله ما بها حاجة إلى أكثر هذا الذى تشتريه، وإنما تأتيك محبة لك وطريقا إلى مطاولتك، فخاطبها ودعنى، فجسّرنى على خطابها فخاطبتها وكشفت لها عشقى ومحبتى وبكيت، فضحكت. وتقبلت ذلك أحسن قبول. وقالت: الخادم يأتيك برسالتى. ونهضت ولم تأخذ شيئا من المتاع، فرددته على أصحابه. وحصل لى مما اشترته أوّلا وثانيا ألوف دراهم ربحا،

ولم أعرف النوم في تلك الليلة شوقا إليها، وخوفا من انقطاع السبب بيننا. فلما كان بعد أيام جاءنى الخادم، فأكرمته وسألته عن خبرها، فقال: هى والله عليلة من شوقها إليك، فقلت: اشرح لى أمرها، فقال: هذه مملوكة السيدة أم المقتدر وهى من أخص جواريها، واشتهت رؤية الناس والدخول والخروج. فتوصلت حتّى جعلتها قهرمانة.

وقد والله حدّثت السيدة بحديثك وبكت بين يديها وسألتها أن تزوّجها منك، فقالت السيدة: لا أفعل أو أرى هذا الرجل. فإن كان يستأهلك وإلا لم أدعك ورأيك.

وتحتاج أن تحتال في إدخالك الدار بحيلة، فإن تمت وصلت بها إلى تزويجك بها، وإن انكشفت ضرب عنقك. وقد أنقذتنى إليك في هذه الرسالة، وقالت لك:

إن صبرت على هذا، وإلا فلا طريق لك والله إلىّ، ولا لى إليك بعدها! فحملنى ما في نفسى أن قلت: أصبر، فقال: إذا كانت الليلة فاعبر إلى المحرم، وادخل إلى المسجد، وبت فيه. ففعلت ذلك. فلما كان وقت السّحر، إذا بطيار قد قدم، وخدم قد رفعوا صناديق فراغا. فجعلوها في المسجد وانصرفوا. وخرجت الجارية فصعدت إلى المسجد، والخادم معها. فجلست وفرقت باقى الخدم في حوائج، واستدعتنى فعانقتنى وقبلتنى. ولم أكن نلت ذلك منها قبله. ثم أجلستنى في بعض الصناديق وأقفلته. وطلعت الشمس وجاء الخدم بثياب وحوائج من المواضع التى كانت أنفذتهم إليها، فجعلت ذلك بحضرتهم في باقى الصناديق، وأقفلتها. وحملت إلى الطيار وانحدر. فلما حصلت فيه ندمت وقلت: قتلت نفسى لشهوة، وأقبلت ألومها تارة، وأشجّعها وأمنّيها أخرى، وأنذر النّذور على خلاصى، وأوطّن مرة نفسى على القتل إلى أن بلغنا الدار. وحمل الخدم الصناديق، وحمل صندوقى

الخادم الذى يعرف الحديث، وبادر به أمام الصناديق وهى معى، والخدم يحملون بقيتها. وكلما جازت بطائفة من الخدم والبوّابين، قالوا: نريد أن نفتّش الصندوق، فتصيح عليهم وتقول: متى جرى الرسم معى بهذا؟ فيمسكون عنها وروحى في السّياق إلى أن انتهينا إلى خادم خاطبته هى بالأستاذ. فعلمت أنه أجل الخدم، فقال:

لا بدّ من فتح الصندوق الذى معك، فخاطبته بلين وذل، فلم يجبها. وعلمت أنها ما ذلّت ولها حيلة، فأغمى علىّ. وأنزلوا الصّندوق ليفتحوه. فبلت من شدّة ما نالنى من الفزع، فجرى البول من خلال الصندوق. فصاحت: يا أستاذ، أهلكت علينا متاعا بخمسة آلاف دينار في الصندوق. ثياب مصبّغات وماء ورد، وقد انقلب على الثياب، والساعة تختلط ألوانها، وهى هلاكى مع السيدة! فقال لها: خذى صندوقك إلى لعنة الله أنت وهو، مرّى! فصاحت بالخدم: احملوا، فأدخلت الدار ورجعت إلىّ روحى، فبينا نحن كذلك إذ قالت: وا ويلاه! الخليفة والله! فجاءنى أعظم من الأوّل. وسمعت كلام خدم وهو يقول من بينهم: ويك يا فلانة! إيش في صندوقك؟ أرينى هو، فقالت: ثياب لستى يا مولاى، والساعة أفتحه بين يديها، وتراه، وقالت للخدم: أسرعوا ويلكم! فأسرعوا فأدخلتنى إلى الحجرة وفتحت الصندوق وقالت: اصعد من هذه الدرجة إلى الغرفة فاجلس فيها، وفتحت صندوقا آخر فقلبت بعض ما فيه إلى الصندوق الذى كنت فيه، وأقفلت الجميع. وجاء المقتدر وقال: افتحيه، ففتحته، فلم ير شيئا فيه. فصعدت إلىّ وجعلت تقبلنى وترشفنى. ونسيت ما جرى. ثم تركتنى، وأقفلت باب الحجرة يومها.

ثم جاءتنى ليلا فأطعمتنى وسقتنى وانصرفت. فلما كان من غد جاءتنى، فقالت:

السيدة الساعة تجىء، فانظر كيف تخاطبها، ثم عادت بعد ساعة مع السيدة،

وقالت: انزل، فنزلت. فإذا بالسيدة جالسة على كرسىّ وليس معها إلا وصيفتان وصاحبتى. فقبّلت الأرض وقمت بين يديها، فقالت: اجلس، فقلت: أنا عبد السيدة وخادمها، وليس من محلى أن أجلس بحضرتها، فتأملتنى وقالت:

ما اخترت يا فلانة إلا حسن الوجه والأدب، ونهضت، فجاءتنى صاحبتى بعد ساعة، وقالت: أبشر، فقد أذنت لى في تزويجك، وما بقى الآن عقبة إلا الخروج.

فقلت: يسلم الله! فلما كان من غد حملتنى في الصندوق. فخرجت كما دخلت بعد مخاطرة أخرى وفزع ثان. ونزلت في المسجد ورجعت إلى منزلى، فتصدّقت، وحمدت الله تعالى على السلامة. فلما كان بعد أيام جاءنى الخادم ومعه كيس وفيه ثلاثة آلاف دينار عينا وقال: أمرتنى ستى بإنفاذ هذا إليك من مالها، وقالت:

اشتر به ثيابا ومركوبا وخدما، وأصلح به ظاهرك، واحضر يوم الموكب إلى باب العامّة، وفف حتّى تطلب. فقد وافق الخليفة أن يزوجك بحضرته. فأخذت المال وأجبت عن رقعة كانت معه، واشتريت ما قالوه بشىء يسير منه وبقى الأكثر عندى. وركبت إلى باب العامة في يوم الموكب بزىّ حسن. وجاء الناس فدخلوا إلى الخليفة، ووقفت إلى أن استدعيت ودخلت. فإذا أنا بالمقتدر جالسا والقضاة والقوّاد وغيرهم من الهاشميين. فهبت المجلس وعلّمت كيف أسلّم. ففعلت.

وتقدّم المقتدر إلى بعض القضاة الحاضرين فخطب لى وزوّجنى. وخرجت من حضرته. فلما انتهيت إلى بعض الدهاليز، عدل بى إلى دار عظيمة مفروشة بأنواع الفرش الفاخرة وفيها من الآلات والخدم والقماش ما لم أر مثله قطّ. وانصرف من أدخلنى. فجلست يومى لا أقوم إلا إلى الصلاة. وخدم يدخلون وخدم يخرجون، وطعام عظيم ينقل وهم يقولون: الليلة تزف فلانة باسم صاحبتى إلى زوجها البزّاز،

وأنا لا أصدّق فرحا. فلما جاء الليل أثّر فيّ الجوع وأقفلت الأبواب، ويئست من الجارية، فقمت أطوف الدار فوقعت على المطبخ. ووجدت الطباخين جلوسا فاستطعمتهم فلم يعرفونى وقدّرونى بعض الوكلاء. فقدّموا إلىّ هذا اللون مع رغيفين فأكلتهما وغسلت يدى بأشنان كان في المطبخ وقدّرت أنها قد نقيت.

وعدت إلى مكانى. فلما جنّ الليل إذا طبول وزمور وأصوات عظيمة. وإذا أنا بالأبواب قد فتّحت وصاحبتى قد أهديت إلىّ وجاءوا بها فجلوها علىّ، وأنا أقدّر أن ذلك في النوم. ثم تركت معى في المجلس. وتفرّق ذلك البوش. فلما خلونا، تقدّمت إليها فقبلتها وقبلتنى. فلما شمّت رائحة لحيتى، رفستنى فرمت بى عن المنصّة وقالت: أنكرت والله أن تفلح يا عامّى، يا سفلة، وقامت لتخرج، فقمت وعلقت بها وقبلت الأرض ورجليها، وقلت: عرفينى ذنبى واعملى بعده ما شئت، فقالت: ويحك، أكلت ولم تغسل يدك! فقصصت عليها قصتى، فلما بلغت إلى آخرها قلت: علىّ وعلىّ- وحلفت بطلاقها وطلاق كل امرأة أتزوّجها وصدقة مالى وجميع ما أملكه والحجّ ماشيا على قدمىّ وكلّ ما يحلف به المسلمون- لا أكلت بعدها ديكيريكة إلا غسلت يدى أربعين مرة. فاستحيت وتبسمت وصاحت:

يا جوارى! فجاء مقدار عشر جوار ووصائف، فقالت: هاتوا شيئا نأكل، فقدّمت ألوان ظريفة وطعام من أطعمة الخلفاء. فأكلنا وغسلنا أيدينا.

واستدعت شرابا فشربنا وغنّى أولئك الوصائف أطيب غناء وأحسنه، ثم قمنا إلى الفراش فخلوت بها وبتّ بأطيب ليلة، ولم نفترق أسبوعا. وكانت يوم الأسبوع وليمة عظيمة اجتمع فيه الجوارى. فلما كان من الغد، قالت لى: إن دار الخلافة لا تحتمل المقام فيها أكثر من هذا مع جارية غيرى، لمحبة سيدتى لى. وجميع ما تراه

فهو هبة من السيدة لى. وقد أعطتنى خمسين ألف دينار من عين وورق وجوهر.

ولى ذخائر في خارج القصر كثيرة من كل لون. وجميعها لك، فاخرج إلى منزلك، وخذ معك مالا واشتردارا سريّة واسعة الصحن، فيها بستان، كثيرة الحجر.

وتحوّل إليها، وعرفنى لأنقل إليها هذا كله، ثم آتيك، وسلمت إلىّ عشرة آلاف دينار عينا. فخرجت وابتعت الدار وكتبت إليها بالخبر. فحملت إلىّ تلك النعمة بأسرها. فجميع ما أنا فيه منها، فأقامت عندى كذا وكذا سنة أعيش معها عيش الخلفاء، ولم أدع مع ذلك التجارة. فزاد مالى وعظمت منزلتى وأثرت حالى، وولدت لى هؤلاء الفتيان وأومأ إلى أولاده. ثم ماتت (رحمها الله) وبقى علىّ من مضرّة الديكيريكة ما شاهدته.

وبالجملة فلا يغترّ أحد بهذه الحكاية وأمثالها، فيجهل بنفسه فيهلكها. «فما المغرّر محمود وإن سلما».

وأما من كفر بسبب العشق فكثير جدّا لا ينحصرون، ومما ورد فى ذلك حكاية عجيبة أوردتها لغرابتها وهى مما حكاه ابن الجوزىّ في كتابه المترجم «بذم الهوى» قال:

سمعت شيخنا أبا الحسن علىّ بن عبيد الله الزعفرانى يحكى أن رجلا اجتاز بباب امرأة نصرانية، فرآها فهويها من وقته، وزاد الأمر به حتّى غلب على عقله، فحمل إلى البيمارستان. وكان له صديق يتردّد إليه ويترسّل بينه وبينها. ثم زاد الأمر به، فقالت أمّه لصديقه: إنى أجىء إليه فلا يكلمنى، فقال: تعالى معى،

فأتت معه. فقال له: إن صاحبتك بعثت إليك رسالة، قال: كيف؟ قلت:

هذه أمك تؤدّى رسالتها. فجعلت أمه تحدّثه عنها بشىء من الكذب. ثم زاد الأمر عليه ونزل به الموت، فقال لصديقه: قد جاء الأجل وحان الوقت وما لقيت صاحبتى في الدّنيا، وأنا أريد أن ألقاها في الآخرة. فقال له: كيف تصنع؟

قال: أرجع عن دين محمد، وأقول عيسى ومريم والصليب الأعظم. فقال ذلك ومات.

فمضى صديقه إلى تلك المرأة فوجدها عليلة فجعل يحدّثها، وأخبرها بموت صاحبها، فقالت: أنا ما لقيته في الدّنيا وأنا أريد أن ألقاه في الآخرة. وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأنا بريئة من دين النصرانية.

فقام أبوها فقال للرجل: خذوها الآن فإنها منكم، فقام الرجل ليخرج، فقال له:

قف ساعة؛ فوقف، فما لبث أن ماتت.

قال: وبلغنى عن رجل ببغداد (يقال له صالح المؤذن، أذّن أربعين سنة، وكان يعرف بالصلاح) أنه صعد يوما إلى المنارة ليؤذن فرأى بنت رجل نصرانىّ كان بيته إلى جانب المسجد. فافتتن بها، فجاء فطرق الباب فقالت له: من أنت؟ قال: أنا صالح المؤذن. ففتحت له الباب فدخل وضمها إليه، فقالت: أنتم أصحاب الأمانات، فما هذه الخيانة؟ فقال: إن وافقتينى على ما أريد وإلا قتلتك، فقالت: لا، إلا أن تترك دينك، فقال كلمة الكفر وبرئ من الإسلام. ثم تقدّم إليها فقالت: إنما قلت هذا لتقضى غرضك ثم تعود إلى دينك. فكل من لحم الخنزير، فأكل منه، قالت: فاشرب الخمر، فشرب. فلما دبّ الشراب فيه دنا منها فدخلت بيتا وأغلقت بينها وبينه

الباب، وقالت له: اصعد إلى السطح حتى إذا جاء أبى زوّجنى منك. فصعد فسقط فمات. فخرجت إليه ولفته في مسح. وجاء أبوها فقصت عليه القصة فأخرجه فى الليل ورماه في السكة. وظهر حديثه، فرمى على مزبلة.

وأما من قتل بسبب العشق فلا يكاد ذلك يحصر كثرة، وأعظمه وأشدّه واقعة عبد الرحمن بن ملجم المرادىّ، لعنه الله.

قال النبىّ ﷺ لابن عمه علىّ بن أبى طالب كرم الله وجهه: «يا علىّ أشقى الأوّلين عاقر ناقة صالح، وأشقى الأوّلين والآخرين قاتلك، وهو هذا» وأشار إلى ابن ملجم قبحه الله تعالى ولعنه

، وأوجب له خزيه ومقته وعذابه، وذلك نكالا لما اجترأ عليه في قتله أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه. وذلك أن ابن ملجم قبحه الله رأى امرأة من تيم الرباب يقال لها قطام، كانت من أجمل النساء وكانت ترى رأى الخوارج، وقد قتل علىّ رضى الله عنه قومها يوم النّهروان.

فلما رآها ابن ملجم عشقها فخطبها فقالت: لا أتزوّجك إلا على ثلاثة آلاف درهم وعبد وقينة، وأن تقتل علىّ بن أبى طالب. فحمله العشق على أن خسر الدّنيا والآخرة، وتزوّجها على ذلك. وكان من خبره في قتل علىّ رضى الله عنه ما نذكره إن شاء الله تعالى في التاريخ.

وفي ذلك يقول الشاعر:

فلم أر مهرا ساقه ذو سماحةكهر قطام بيّنا غير معجم
ثلاثة آلاف، وعبد، وقينة،وضرب «علىّ» بالحسام المصمّم
للشاعر ابن أبي مَيّاس المُرادي، اقرأ القصيدة
فلا مهر أغلى من «علىّ» وإن علاولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم!
للشاعر ابن أبي مَيّاس المُرادي، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.