تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر آداب الأكل والمؤاكلة

قال الله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)

وروى أنّ داود ﵇ أمر مناديه فنادى: أيها الناس، اجتمعوا لأعلّمكم التقوى، فاجتمعوا فقام في محرابه، فبكى ثم حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يأيها الناس، لا تدخلوا هاهنا إلا طيّبا، ولا تخرجوا منه إلا طيّبا، وأشار إلى فيه. قيل: أوّل آداب الأكل، معرفة الحلال من الحرام، والخبيث من الطيّب.

وأما الآداب في هيئة المؤاكلة وأفعالها، فقد روى أنّ رسول الله ﷺ ماعاب طعاما قطّ، إن اشتهاه أكله وإلا تركه. وروى أنّ النبىّ ﷺ قال: «لا تشمّوا الطعام كما تشمّه البهائم، من اشتهى شيئا فليأكل، ومن كره فليدع». وقال أنس: قدم النبىّ ﷺ المدينة، وأنا ابن عشر، ودخل دارنا، فحلبنا له شاة، فشرب، وأبو بكر عن يساره، وأعرابىّ عن يمينه، فقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: أعط أبا بكر، فقال ﷺ: «الأيمن فالأيمن» وفي هذا المعنى يقول الشاعر

صددت الكأس عنّا أمّ عمرووكان الكأس مجراها اليمينا
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «صددتِ الكأس عنا أُم عمروٍ»

وروى عن أنس: أنه رأى النبىّ ﷺ شرب جرعة، ثم قطع، ثمّ سمّى، ثم شرب جرعة، ثم قطع، ثم سمّى، ثم قطع الثالثة، ثمّ جرع مصّا، حتّى فرغ ثمّ حمد الله، وقد ندب إلى غسل اليد قبل الأكل فإنه ينفى الفقر، وينقّى اللّمم؛ ومن السّنة: البداءة باسم الله، وحمده عند الانتهاء.

روى عن عمر بن أبى سلمة أنه قال: مررت بالنبىّ ﷺ وهو يأكل، فقال «اجلس يا بنىّ وسمّ الله، وكل بيمينك مما يليك».

وقال بعض السلف: إذا جمع الطعام أربعا، فقد كمل كلّ شىء، إذا كان حلالا، وذكر اسم الله عليه، وكثرت عليه الأيدى، وحمد الله حين يفرغ منه.

وروى عن النبىّ ﷺ أنه قال: «من قال عند مطعمه ومشربه بسم الله خير الأسماء ربّ الأرض والسماء لم يضره ما أكل وما شرب» وفي حديث عائشة رضى الله عنها، عنه ﷺ قال: «إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله فإن نسى في أوّله، فليقل بسم الله في أوّله وآخره». وقال ﷺ: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، فإنّ الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله».

وروى: أنّ المسيح ﵇ كان إذا دعا أصحابه قام عليهم، ثمّ قال: هكذا فاصنعوا بالفقراء.

ووصف شاعر قوما فقال

جلوس في مجالسهم رزانوإن ضيف ألمّ بهم وقوف

قال سهل بن حصين: شهدت الحسن في وليمة، فطعم ثم قام، فقال: مدّ الله لكم في العافية، وأوسع عليكم في الرزق، واستعملكم بالشكر.

وروى عن النبى ﷺ أنه قال: «تخللّوا فإنه نظافة والنظافة من الإيمان، والإيمان مع صاحبه في الجنّة».

وفي حديث عمر رضى الله عنه: عليكم بالخشبتين: يعنى السّواك والحلال.

وكان بعضهم يقول لولده إذا رأى حرصه في الطعام: يا بنىّ، عوّد نفسك الأثرة، ومجاهدة الشهوة، ولا تنهس نهس السّباع، ولا تخضم خضم البراذين، فإن الله جعلك إنسانا، فلا تجعل نفسك بهيمة.

وحكى عن بعض الكتاب قال: تغديت مع المأمون فالتفت إلىّ وقال: خلال قبيحة عند الجلوس على الطعام: كثرة مسح اليد، والانكباب على الطعام، وكثرة أكل البقل، ومعنى ذمّه هذه الخلال الثلاث: أنه إذا أكثر مسح اليد فإنما ذلك من غمسها فى الطعام، والانكباب يدلّ على شدّة الحرص وزيادة الشره والنّهم. قال الشاعر

لقد سترت منك الخوان عمامةدجوجيّة ظلماؤها ليس تقلع

وأما البقل، فإن الحاجة إلى البلغة منه، وفي الإكثار منه تشبّه بالبهائم، لأنه مرعاها.

وقيل: الأكل ثلاثة: مع الفقراء بالإيثار، ومع الإخوان بالانبساط، ومع أبناء الدنيا بالأدب.

وقيل لبعض الحكماء: أىّ الأوقات أحمد للأكل؟ فقال: أما من قدر فإذا اشتهى، وأما من لم يقدر فإذا وجد.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.