تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ومن أخبار البخلاء

قيل: بخلاء العرب أربعة، الحطيئة، وحميد الأرقط، وأبو الأسود الدّؤلىّ، وخالد بن صفوان، ونقلت عنهم أمور دلّت على بخلهم.

أما الحطيئة: فقد حكى عنه: أنه مرّ به ابن الحمامة، وهو جالس بفناء بيته، فقال له: السلام عليكم، فقال: قلت ما لا ينكر، فقال: إنى خرجت من أهلى بغير زاد، قال: ما ضمنت لأهلك قراك، قال: أفتأذن لى أن آتى بظلّ بيتك فأتفيّأ به؟

قال: دونك الجبل يفىء عليك، قال أنا ابن الحمامة، قال: انصرف وكن ابن أى طائر شئت. قال: واعترضه رجل وهو يرعى غنما، فقال له: يا راعى الغنم، وكان بيد الحطيئة عصا فرفعها، وقال: عجراء من سلم، فقال الرجل: إنما أنا ضيف، فقال: للأضياف أعددتها. وكان الحطيئة أحد الحمقى، أوصى عند موته، أن يحمل على حمار، وقال: لعلّى إن حملت عليه، لا أموت، فإنى ما رأيت كريما مات عليه قطّ.

وقال: لكلّ جديد لذّة، إلا جديد الموت فإنى رأيته غير لذيذ. وقيل له:

أوص، فقال: أوصى أن مالى للذكور دون الإناث، قالوا: فإن الله ليس يقوله كذلك، قال: لكنى أقوله. وقالوا له: قل لا إله الا الله، فقال: أشهد أن الشمّاخ أشعر غطفان.

ومن أخباره: أن الزّبرقان بن بدر، لقيه في سفر، فقال له: من أنت؟

فقال: أنا حسب موضوع، أنا أبو مليكة، فقال له الزّبرقان: إنى أريد وجها، فصر إلى منزلى، وكن هناك، حتّى أرجع، فصار الحطيئة إلى امرأة الزّبرقان، فأنزلته وأكرمته، فجسده بنو عمّه، وهم بنو لأى، فقالوا للحطيئة: إن تحولت إلينا، أعطيناك مائة ناقة. ونشدّ الى كلّ طب من أطناب بيتك حلّة تحويه، وقالوا

لامرأة الزّبرقان: إن الزّبرقان إنما قدّم هذا الشيخ ليتزوّج بنته، فقدح ذلك فى نفسها، فلما أراد القوم النّجعة، تخلّف الحطيئة، فتغافلت عنه امرأة الزّبرقان، فاحتمله القريعيّون ووفّوا له بما قالوا، فمدحهم، وهجا الزّ برقان، فقال

أزمعت يأسا مبينا من نوالكمولا يرى طاردا للحرّ كالياس
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «والله ما معشر لاموا امرأ جنبا»
دع المكارم لا ترحل لبغيتهاواقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «والله ما معشر لاموا امرأ جنبا»
من يفعل الخير لا يعدم جوازيهلا يذهب العرف بين الله والناس
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «والله ما معشر لاموا امرأ جنبا»

فاستعدى الزبرقان عليه عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فحكّم عمر، حسان ابن ثابت، فقال حسان: ما هجاه ولكن سلح عليه، فحبس عمر الحطيئة، فقال يستعطفه

ماذا تقول لأفراخ بذى مرخحمر الحواصل لا ماء ولا شجر؟
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ»
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمةفاغفر عليك سلام الله يا عمر
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ»
ما آثروك بها إذ قدّموك لهالكن لأنفسهم كانت بك الآثر

فأخرجه عمر، وجلس على كرسىّ، وأخذ بيده شفرة، وأوهم أنه يريد قطع لسانه، فضجّ، وقال: إنى والله يا أمير المؤمنين! قد هجوت أبى وأمّى وامرأتى ونفسى، فتبسّم عمر، ثم قال: ما الذى قلت؟ قال: قلت لأبى وأمّى

ولقد رأيتك في النساء فسؤتنىوأبا بنيك فساءنى في المجلس
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «ولقد رأيتك في النساء فسؤتني»

وقلت لأبى خاصة

فبئس الشيخ أنت لدى تميموبئس الشيخ أنت لدى المعالى

وقلت لأمّى خاصة

تنحّى واجلسى منّى بعيداأراح الله منك العالمينا؟
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «جزاك الله شرّاً من عجوزٍ»
أغربالا إذا استودعت سرّاوكانونا على المتحدّثينا؟
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «جزاك الله شرا من عجوز»

وقلت لامرأتى

أطوّف ما أطوّف ثم آتىإلى بيت قعيدته لكاع

وقلت لنفسى

أبت شفتاى اليوم إلا تكلّمابسوء فما أدرى لمن أنا قائله
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أبت شفتاي اليوم إلا تكلما»
أرى لى وجها شوّد الله خلقهفقبّح من وجه وقبّح حامله

فخلّى عمر سبيله، وأخذ عليه أن لا يهجو أحدا، وجعل له ثلاثة آلاف اشترى بها منه أعراض المسلمين، فقال يذكر نهيه إيّاه عن الهجاء ويتأسف

وأخذت أطراف الكلام فلم تدعشتما يضرّ ولا مديحا ينفع
ومنعتنى عرض البخيل فلم يخفشتمى وأصبح آمنا لا يجزع

وأما حميد الأرقط: فكان هجّاء للضيف، فحاشا عليه، فنزل به ضيف ذات ليلة، فقال لامرأته: نزل بك البلاء، قومى فأعدى لنا شيئا، ففعلت، فجعل الضيف يأكل ويقول: ما فعل الحجاج بالناس؟ فلما فرغ، قال حميد

يجرّ على الأطناب من جذل بيتناهجفّ لمخزون التّحيّة باذل
يقول وقد ألقى المراسى للقرىأبن لى ما الحجّاج بالناس فاعل؟
فقلت: لعمرى ما لهذا أتيننافكل ودع الأخبار ما أنت آكل
تدبّر كفاه ويحدر حلقهالى الصدر ما حازت عليه الأنامل
أتانا ولم يعدله سحبان وائلبيانا وعلما بالذى هو قائل
للشاعر مسكين الدرامي، من قصيدة «أتى يخبط الظلماء والليل دامس»
فما زال عنه اللّقم حتّى كأنهمن العىّ لمّا أن تكلّم باقل
للشاعر مسكين الدرامي، من قصيدة «أتى يخبط الظلماء والليل دامس»

ونزل به أضياف، فأطعمهم تمرا وهجاهم، وادعى عليهم أنهم يأكلونه بنواه، فقال

باتوا وجلّتنا الصّهباء حولهمكأن أظفارهم فيها السكاكين
فأصبحوا والنّوى ملقى معرّسهموليس كلّ النّوى ألقى المساكين

وأما خالد بن صفوان: فكان إذا أخذ جائزته، قال للدرهم: طالما سرت فى البلاد، أما والله لأطيلنّ حبسك، ولأديمنّ لبثك. وقيل له: مالك لا تنفق، فإن مالك عريض؟ فقال: الدهر أعرض منه، قيل: كأنك تؤمل أن تعيش الدهر كلّه، قال: ولا أخاف أن أموت في أوله.

وأما أبو الأسود الدؤلىّ: فعمل دكانا عاليا يجلس عليه، فكان ربما أكل عليه فلا يناله المجتاز، فمرّ به أعرابىّ على جمل، فعرض عليه أن يأكل معه، وظنّ أنه لا يناله، فأناخ الأعرابىّ بعيره، حتّى وازى الدكان، وأكل معه، فما جلس بعد ذلك على الدكان، وكان يقول: لو أطعنا المساكين في أموالنا، كنا أسوأ حالا منهم. وقال لبنيه: لا تطمعوا المساكين في أموالكم، فإنهم لا يقنعون منكم، حتّى يروكم في مثل حالهم. ووقف عليه أعرابىّ وهو يتغدّى، فسلّم عليه، فردّ عليه، ثم أقبل على الأكل، ولم يعرض عليه، فقال الأعرابىّ: أما إنى قد مررت بأهلك، قال: كان ذلك طريقك، قال: وهم صالحون، قال: كذلك فارقتهم، قال:

وامرأتك حبلى، قال: كذلك كان عهدى بها، قال: ولدت، قال: ما كان بدّلها أن تلد، قال: ولدت غلامين، قال: كذلك كانت أمّها، قال: مات أحدهما، قال: ما كانت تقوى على رضاع اثنين، قال: ثمّ مات الآخر، قال: ما كان ليبقى بعد أخيه، قال: وماتت الأمّ، قال: جزعا على ولديها، قال: ما أطيب طعامك! قال: ذلك جزائى على أهله، قال: أفّ لك ما ألأمك! قال: من شاء سبّ صاحبه.

ونظير هذه الحكاية: ما حكى أن أعرابيّا مرّ بآخر، فقال: من أين أقبلت يابن عمّ؟ قال: من الثّنيّة، قال: فهل أتيتنا منها بخبر؟ قال: سل عما بدا لك، قال: كيف علمك بيحيى؟ قال: أحسن العلم، قال: هل لك علم بكلبى نفّاع؟

قال: حارس الحىّ، قال: فبأمّ عثمان؟ قال بخ بخ، ومن مثل أمّ عثمان! لا تدخل من الباب إلا منحرفة بالثياب المعصفرات، قال: فبعثمان؟ قال: وأبيك فإنه جرو الأسد ويلعب مع الصبيان، وبيده الكسرة، قال: فبجملنا السقّاء؟ قال:

إن سنامه ليخرج من الغبيط، قال فبالدار؟ قال: وأبيك، إنها لخصيبة الجناب، عامرة الفناء، ثم قام عنه، وقعد ناحية يأكل فلا يدعوه، فمرّ كلب، فصاح به، وقال: يابن عمّ، أين هذا الكلب من نفّاع؟ قال: يا أسفا على نفّاع! مات، قال:

وما أماته؟ قال: أكل من لحم الجمل السقّاء، فاغتصّ بعظم منه فمات، قال:

إنا لله، أو قد مات الجمل! فما أماته؟ قال: عثر بقبر أم عثمان، فانكسرت رجله.

قال: ويلمّك! أماتت أم عثمان؟ قال: إى والله، أماتها الأسف على عثمان، قال ويلك! أمات عثمان؟ قال: إى وعهد الله! سقطت الدار عليه، فرمى الأعرابىّ

بطعامه ونثره وأقبل ينتف لحيته ويقول: إلى أين أذهب؟ فيقول الآخر الى النار، وأقبل يلتقط الطعام ويأكله ويهزأ به ويضحك، ويقول: لا أرغم الله إلا أنف اللئام.

وكان أحيحة بن الجلاح من البخلاء، وكان إذا هبت الصّبا، طلع أطمة، ينظر الى ناحية هبوبها ثم يقول: هبى هبوبك، فقد أعددت لك ثلاثمائة وستين صاعا من عجوة، أدفع الى الوليد منها، خمس نمرات، فيردّ علىّ منها ثلاثا، أى لصلابتها بعد جهد ما يلوك منها.

والعرب تضرب المثل في اللؤم بمادر، تقول: هو ألام من مادر، ويزعمون أنه بنى حوضا وسقى إبله، فلما أصدرها سلح في الحوض، لئلا يسقى غيره فيه.

وكان عمر بن يزيد الأسدىّ مبخلا جدّا، فأصابه القولنج فحقنه الطبيب بدهن كثير، فانحل ما في بطنه، فلما أبرزه، قال للغلام: ما تصنع به؟ قال أصبّه، قال:

لا ولكن ميّز الدّهن منه واستصبح به.

وقال سلم بن أبى المعافى: كان أبى متنحيا عن المدينة، وكان الى جنبه مزرعة فيها قثّاء، وكنت صبيّا فجاءنى صبيان أقران لى، فكلّمت أبى ليهب لى درهما أشترى لهم به قثّاء، فقال لى: أتعرف حال الدرهم؟ كان في حجر في جبل، فضرب بالمعاول، حتى استخرج، ثم طحن، ثم أدخل القدر وصبّ عليه الماء، وجمع بالزّئبق، ثم صفّى من رقّ، ثم أدخل النار فسبك، ثمّ أخرج فضرب، وكتب في أحد شقّيه:

لا إله إلا الله، وفي الآخر: محمد رسول الله، ثم حمل الى أمير المؤمنين، فأمر بإدخاله بيت ماله، ووكل به عوج القلانس صهب السّبال، ثم وهبه لجارية حسناء حميلة، وأنت والله أقبح من قرد، أو ززقه رجلا شجاعا وأنت والله أجبن من صرد، فهل ينبغى

لك أن تمسّ الدرهم إلا بثوب؟ ومثله قول سهل بن هارون، وقد قال له رجل هبنى ما لا مرزئة عليك فيه، قال: وما ذاك؟ قال: درهما واحدا، قال: يابن أخى لقد هوّنت الدرهم، وهو طابع الله في أرضه، والدرهم ويحك عشر العشرة، والعشرة عشر المائة، والمائة عشر الألف، والألف عشردية المسلم، ألا ترى يابن أخى كيف انتهى الدرهم الذى هوّنته؟ وهل بيوت الأموال إلا درهم على درهم؟.

وقال سليمان بن مزاحم، وقد وقع بيده درهم، فجعل يقلّبه، ويقول: فى شقّ، لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفي شقّ، قل هو الله أحد، ما ينبغى لهذا إلا أن يكون تعويذا أو رقية، ويرمى به في الصندوق.

كان بعضهم إذا صار الدرهم في يده يخاطبه ويقول: بأبى وأمّى أنت، كم من أرض قطعت، وكيس خرقت، وكم من خامل رفعت، ومن رفيع أخملت، لك عندى أن لا تعرى ولا تضحى، ثم يلقبه في كيسه، فيقول: اسكن على اسم الله، فى مكان لا تزول عنه، ولا تزعج منه.

ومن البخلاء «مزبّد» وله حكاية يذكرها، قيل كان بالمدينة جارية جميلة مغنيّة. يقال لها: «بصبص» وكانت الأشراف تجتمع عند مولاها، فاجتمع يوما عنده محمّد بن عيسى الجعفرىّ وعبد الله بن مصعب الزّبيرىّ في جماعة من الأشراف، فتداكروا أمر مزبد وبخله، فقالت لحارية: أنا آخذ لكم منه درهما، فقال لها مولاها: أنت حرّة إن فعلت إن لم أسر لك مختقة بمائة دينار ونوب وسى بمائة دينار. وأجعل لك مجلسا بالعقيق أنحر فيه بدنة. فقالت: جىء به، وأرفع لغيره، حتّى أفعل، فقال: أنت حرّه إن معتك منه، ولأعاونته عليك إن حصلت

منه الدرهم، فقال عبد الله بن مصعب: أنا آتيكم به، قال عبد الله: فصلّيت الغداة في المسجد، فاذا أنا به قد أقبل، فقلت: يا أبا إسحاق، إنّا نحب أن نرى بصبص؟ قال: بلى والله، وامرأته طالق إن لم تكن له سنة يشتهى أن يلقاها، فقلت له: إذا صليت العصر، فاتنى هاهنا، فقال: امرأته طالق إن برح من هاهنا الى العصر، قال فانصرفت في حوائجى، فلما كان العصر جئت فوجدته، فأخذت بيده، وأتيتهم به، فأكل القوم وشربوا حتّى صلّيت العتمة، ثم تساكروا وتناوموا، فأقبلت بصبص على مزبّد، فقالت له: يا أبا إسحاق كأنّى والله في نفسك تشتهى أن أغنّيك الساعة

لقد حثّوا الجمال ليهربوا منّا فلم يئلوا
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة

فقال لها: امرأته طالق إن لم تكونى تعلمين ما في اللوح المحفوظ، فغنته إيّاه، ثم قالت له: كأنّى بك تشتهى أن أقوم من مجلسى فأجلس إلى جنبك فتدخل يدك فى جلبابى، فقال: امرأته طالق إن لم تكونى تعلمين ما في الأرحام، وما تكسب الأنفس غدا قالت: فقم، فقام وجلس إلى جانبها وغنّت له، ثم قالت: أعلم أنك تشتهى أن أغنّيك

أنا أبصرت باللّيلغلاما حسن الدّلّ
كغصن البان قد أصبحمسقيّا من الطّلّ

فقال لها: امرأته طالق أن لم تكونى نبيّة مرسلة، فغنته وقبّلها، ثم قالت: يا أبا إسحاق، هل رأيت قطّ أنذل من هؤلاء؟ يدعوننى ويدعونك، ويخرجوننى اليك ولا يشترون نقلا ولا ريحانا، كأنّى بك وفي جيبك درهم وأنت تقول: الساعة أخرجه،

وأعطيها إيّاه، وتشترى به ما تريد، فقام من جنبها وقال: أخطأت استك الحفرة، وانقطع عنك الوحى، ووثب وجلس ناحية، فانتبه القوم وعطعطوا عليها وعلموا أن حيلتها لم تتمّ، وخرج من عندهم ولم يعد إليهم.

وقال بعضهم: بتّ عند رجل من أهل الكوفة من الموسرين، وله صبيان نيام، فرأيته في الليل يقوم فيقلّبهم من جنب الى جنب، فلما أصبحنا سألته عن ذلك، فقال: هؤلاء الصبيان يأكلون وينامون على اليسار، فيمريهم الطعام، ويصبحون جياعا، فأنا أقلّبهم من اليسار الى اليمين لئلا ينهضم ما أكلوه سريعا.

وكان زياد بن عبد الله الحارثىّ واليا على المدينة، وكان فيه بخل وجفاء، فأهدى اليه كاتب له سلالا فيها أطعمة، وقد تنوّق فيها فوافته وقد تغدّى، فقال: ما هذه؟

قالوا: غداء بعثه فلان الكاتب، فغضب، وقال: يبعث أحدهم الشىء في غير وقته، يا خيثم بن مالك! يريد صاحب شرطته، ادع لى أهل الصّفّة يأكلون هذا، فبعث خيثم الحرس يدعونهم، فقال الرسول الذى جاء بالسّلال: أصلح الله الأمير، لو أمرت بهذه السلال تفتح وينظر ما فيها، قال: اكشفوها فاذا طعام حسن من دجاج وفراخ وجداء وسمك وأخبصة وحلواء فقال: ارفعوا هذه السّلال، وجاء أهل الصّفّة، فأخبر بهم، فأمر بإحضارهم وقال: يا خيثم! اضربهم عشرة أسواط، فإنه بلغنى أنهم يفسون في مسجد رسول الله ﷺ.

ومن الخلفاء من ينسب الى البخل، فمنهم عبد الملك بن مروان كان يلقب برشح الحجر ولبن الطير لبخله.

ومنهم هشام ابنه وكان ينظر في بيع الهدايا التى تهدى اليه. حكى عنه أن أعرابيّا أكل عنده فرفع اللّقمة الى فيه، فقال له هشام: فى لقمتك شعرة يا أعرابىّ، فقال:

وإنك تلاحظنى ملاحظة من يرى الشّعرة، والله لا أكلت عندك أبدا، ثم قام وانصرف.

ومنهم أبو جعفر المنصور كان يلقّب بأبى الدوانيق، لقّب بذلك لأنه لما بنى مدينة بغداد كان يباشرها بنفسه ويحاسب الصّناع، فيقول لهذا: أنت نمت القائلة، ولهذا: لم تبكّر، ولهذا: انصرفت قبل أن تكمّل اليوم، فيسقط لهذا دانقا، ولهذا دانقين، فلا يكاد يعطى لأحد أجرة كاملة، وكان يقول: يزعمون أنّى بخيل، وما أنا ببخيل، ولكن رأيت الناس عبيد المال، فمنعتهم عنه، ليكونوا عبيدا لى. ويحكى عنه أنه قال لطباخه: لكم ثلاثة وعليكم اثنتان، لكم الرءوس والأكارع والجلود، وعليكم الحبوب والتوابل. ومن حكاياته الدالة على بخله: أن صاحبه الربيع بن يونس قال له يوما: يا أمير المؤمنين، إن الشعراء ببابك وهم كثير، وقد طالت أيامهم ونفدت نفقاتهم، فقال: اخرج إليهم وسلم عليهم، وقل لهم من مدحنا منكم فلا يصف الأسد، فإنما هو كلب من الكلاب، ولا الحيّة، فإنما هى دويبة منتنة تأكل التراب، ولا الجبل فإنه حجر أصمّ، ولا البحر، فإنه عطن بضّ لجب، فمن ليس في شعره شىء من هذا فليدخل، ومن كان في شعره شىء منه فلينصرف، فأبلغهم فانصرفوا كلهم إلا إبراهيم بن هرمة فقال: أنا له يا ربيع فأدخلنى عليه: فأدخله، فلما مثل بين يديه، قال له: يا ربيع قد علمت أنه لا يجيبك غيره فأنشده قصيدته التى منها

له لحظات في حفافى سريرهإذا كرّها فيها عقاب ونائل
فأمّ الذى أمّنت آمنة الردىوأمّ الذى خوّفت بالثّكل ثاكل
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «سرى ثوبه عنك الصبا المتخايل»

فرفع له السّتر وأقبل عليه وأصغى إليه، فلما فرغ من إنشاده أمر له بعشرة آلآف درهم وقال له: يا إبراهيم، لا تتلفها طمعا في نيل مثلها منّا، فما كلّ وقت تصل إلينا، فقال إبراهيم: ألقاك بها يا أمير المؤمنين يوم القيامة وعليها الجهبذ.

ودخل المؤمّل بن أميل على المهدىّ وكان بالرّىّ، وهو إذ ذاك ولىّ عهد أبيه المنصور، فامتدحه بأبيات يقول فيها

هو المهدىّ إلا أن فيهمشابه صورة القمر المنير
للشاعر المؤمل بن أميل المحاربي، اقرأ القصيدة
تشابه ذا وذا فهما إذا ماأنارا يشكلان على البصير
للشاعر المؤمل بن أميل المحاربي، اقرأ القصيدة
فهذا في الضياء سراج عدلوهذا في الظلام سراج نور
ولكن فضّل الرحمن هذاعلى ذا بالمنابر والسّرير
للشاعر المؤمل بن أميل المحاربي، اقرأ القصيدة
وبعض الشهر يخفى ذا، وهذامنير عند نقصان الشهور

وجاء منها

فإن سبق الكبير فأهل سبقله فضل الكبير على الصغير
وإن بلغ الصغير مدى كبيرفقد خلق الصغير من الكبير
للشاعر المؤمل بن أميل المحاربي، اقرأ القصيدة

فأعطاه عشرين ألف درهم، فكتب بذلك صاحب البريد إلى المنصور وهو ببغداد، فكتب الى المهدىّ يلومه ويقول له: إنما كان ينبغى أن تعطى الشاعر إذا أقام ببابك سنة، أربعة آلاف درهم، وأمره أن يوجهه إليه، فطلب فلم يوجد، وتوجه إلى بغداد، فكتب الى المنصور بذلك، فأمر بإرصاده فمسك، وقيل له أنت بغية أمير المؤمنين وطلبته، قال المؤمل: فكاد قلبى ينخلع خوفا وفرقا، ثم أخذ بيدى وانطلق بى إلى الربيع، فأدخلنى على المنصور، وقال: يا أمير المؤمنين، هذا المؤمّل

ابن أميل قد ظفر به، فسلمت عليه، فرد علىّ السلام، فسكن جأشى واطمأن قلبى وزال روعى، ثم قال لى: أتيت غلاما غرّا فخدعته فانخدع، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنما أتيت ملكا جوادا كريما، فمدحته فحملته أريحيّته على أن وصلنى وبرّنى، فأعجبه ذلك، ثم قال: أنشدنى ما قلت فيه، فأنشدته، فقال: والله لقد أحسنت، لكن ما يساوى عشرين ألفا، يا ربيع، خذ المال منه، وأعطه منه أربعة آلاف درهم، فلما ولى المهدى الخلافة، قدم عليه المؤمّل، فأخبره بما كان بينه وبين أبيه، فضحك وردّ عليه ما أخذ منه.

وحكى ابن حمدون في كتابه المترجم بالتذكرة: أن المنصور حجّ في بعض السنين فحدا به سالم الحادى يوما بقول الشاعر

أبلج بين حاجبيه نورهإذا تغدّى رفعت ستوره
يزينه حياؤه وخيرهومسكه يشوبه كافوره

فطرب المنصور حتى ضرب برجله المحمل، ثم قال: يا ربيع، أعطه نصف درهم، فقال سالم: لا غير، يا أمير المؤمنين، والله لقد حدوت بهشام بن عبد الملك فأمر لى بثلاثين ألف درهم، فقال المنصور: ما كان له أن يعطيك من بيت المال ما ذكرت، يا ربيع! وكلّ به من يستخرج منه هذا المال، قال الربيع: فما زلت أسفر بينهما حتى شرط عليه أن يحدو به في خروجه ورجوعه بغير مؤنة، وكان سالم هذا يورد الإبل لثمان ولتسع ولعشر، فيحدو لها فيلهيها حدوه عن ورود الماء.

ومن طريق ما حكى عنه: أن عبيد الله بن زياد الحارثىّ، كتب إليه رقعة بليغة يستميحه فيها، فوقّع عليها: إن الغنى والبلاغة إذا اجتمعا لرجل أبطره، وإن أمير المؤمنين مشفق عليك، فاكتف بالبلاغة.

وقد ذمّ الشعراء البخل وهجوا من اتصف به، فمن ذلك، وهو أبلغ ما قاله محدث، قول ابن الرومى

الحابس الروث في أعفاج بغلتهخوفا على الحبّ من لقط العصافير
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

وقال العسكرىّ: أبلغ ما قيل في البخل، قول ابن الرومىّ

يقتّر عيسى على نفسهوليس بباق ولا خالد
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يقتر عيسى على نفسه»
فلو يستطيع لتقتيرهتنفّس من منخر واحد
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يقتر عيسى على نفسه»
رضيت لتشتيت أموالهيدى وارث ليس بالحامد

وقال أبو تمام

صدّق أليّته إن قال مجتهدالا والرّغيف فذاك البرّ من قسمه
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «صدق أليته إن قال مجتهدا»
وإن هممت به فافتك بخبزتهفإن موقعها من لحمه ودمه
قد كان يعجبنى لو كان غيرتهعلى جرادقه كانت على حرمه
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «صدق أليته إن قال مجتهدا»

وقال دعبل

استبق ودّ أبى المقاتل حين تأكل من طعامه
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «استبق ود أبي »
سيّان كسر رغيفهأو كسر عظم من عظامه
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «استبق ود أبي »
وتراه من خوف النزيلبه يروّع في منامه

وقال أبو هلال العسكرىّ

خبز الأمير عشيقهيغدو عليه يلاعبه
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
وإذا بدا لجليسهأفضى إليه يعاتبه
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
وتحوطه حرّاسهوتذبّ عنه كتائبه
فالزّور يصفع عندهوالضيف ينتف شاربه
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة

وقال آخر

فتى لرغيفه قرط وشنفوإكليلان من درّ وشذر
إذا كسر الرغيف بكى عليهبكا الخنساء إذ فجعت بصخر
للشاعر ابن الزلازل، من قصيدة «فتىً لرغيفه قرط وشنف»
ودون رغيفه قلع الثناياوحرب مثل وقعة يوم بدر
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «فتى لرغيفه قرط وشنف»

وقال آخر

إن هذا الفتى يصون رغيفاما إليه لآكل من سبيل
هو في سفرتين من أدم الطائف في سلّتين من زنبيل
ختمت كلّ سلّة برصاصوسيور قددن من جلد فيل
للشاعر دعبل الخزاعي، اقرأ القصيدة
فى جراب في جوف تابوت موسىوالمفاتيح عند ميكائيل
للشاعر دعبل الخزاعي، اقرأ القصيدة

وقال العسكرىّ

قلّ خير ابن قاسمفغناه كعدمه
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
كادمن خشية القرىيختبى في حر امه
جاز في اللؤم حدّهكأبيه وعمه
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
كاد يعديك لؤمهلو تسمّيت باسمه
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة

وقال ايضا

لك برمة نزّهتهامن أن تدنّس بالدّسم
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
بيضاء يشرق نورهاكالبدر في غسق الظّلم
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
لو كان عرضك مثلهاكنت الممدّح في الأمم
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
أو كان فعلمك مثل قولك كنت تاريخ الكرم

وقال أيضا

ضفت عمرا فجاءنى برغيفزادنى أكله على الجوع جوعا
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
ثم ولىّ يقول وهو كئيب:لهف نفسى على رغيف أضيعا
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
كان خدّاعة الضيوف ولكنربما أصبح الخدوع خديعا
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
كنت أنزلته محلّا رفيعافغدا ذلك الرفيع وضيعا
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
عجبا منه إذ أبيح حماهكيف لم يمتنع وكان منيعا
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة

وقال آخر

أرى ضيفك في الدروكرب الموت يغشاه

على خبزك مكتوب: «فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ»

وقال بشّار

وضيف عمرو وعمرو يسهران معاعمرو لبطنته والضيف للجوع
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «أضياف سالم في خفض وفي دعة»

وقال آخر

نوالك دونه خرط القتادوخبزك كالثّريا في البعاد
ولو أبصرت ضيفا في مناملحرّمت المنام الى التّنادى
أرى عمر الرغيف يطول جدّالديك كأنّه من قوم عاد
وما أهجوك أنك كفء شعرىولكنّى هجوتك للكساد

وقال العسكرىّ

قد كان للمال ربّافصار بالبخل عبده وصحّف الصّيف ضيفا

فراح يلطم خدّه

وقال أبو نواس في إسماعيل بن نوبخت. بعد أن نصب إسماعيل في صحن داره طارمة، واصطبح فيها أربعين يوما ومعه جماعة، منهم أبو نواس، فبلغت نفقته اربعين ألف درهم، ثم قال بعد ذلك

خبز إسماعيل كالوشىإذا ما شقّ يرفا
عجبا من أثر الصنعةفيه كيف تخفى؟
إنّ رفّاءك هذاألطف الأمة كفّا
فإذا ألصق بالنصفمن الجردق نصفا
الطف الصنعة حتّىما ترى مطعن إشفى
مثل ما جاء من التّنّورما غادر حرفا
وله في الماء أيضاعمل أبدع ظرفا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «خبز إسماعيل كالوشي»
مزجه العذب بماء البئركى يزداد ضعفا
فهو لا يسقيك منهمثل ما يشرب صرفا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «خبز إسماعيل كالوشي»

وقال فيه

على خبز إسماعيل واقية البخلفقد حلّ في دار الأمان من الأكل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «على خبز إسماعيل واقية البخل»
وما خبزه إلا كعنقاء مغربيصوّر في بسط الملوك وفي المثل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «على خبز إسماعيل واقية البخل»
يحدّث عنها الناس من غير رؤيةسوى صورة ما إن تمرّ ولا تحلى
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «على خبز إسماعيل واقية البخل»
وما خبزه إلا كآوى يرى ابنهولم ير آوى في الحزون وفي السّهل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «على خبز إسماعيل واقية البخل»
وما خبزه إلا كليب بن وائلليالى يحمى عزّه منبت البقل
وإذ هو لا يستبّ خصمان عندهولا الصوت مرفوع بجدّ ولا هزل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «على خبز إسماعيل واقية البخل»
فإن خبز إسماعيل حلّ به الذىأصاب كليبا لم يكن ذاك عن ذلّ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «على خبز إسماعيل واقية البخل»
ولكن قضاء ليس يسطاع ردّهبحيلة ذى مكر ولا دهي ذى عقل

وقال ابن الرومىّ

بخيل يصوّم أضيافهويبخل عنهم بأجر الصيام
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «بخيل يصوم أضيافه»
بدسّ الغلام فيوليهمهوانا فيشتم مولى الغلام
فهم مفطرون وهم صائمونوما يطعمون وهم في أثام
فيحتال بخلا لأن يفطرونعلى رفث القول دون الطّعام

وقال أحمد بن كشاجم

صديق لنا من أبرع الناس في البخلوأفضلهم فيه وليس بذى فضل
دعانى كما يدعو الصديق صديقهفجئت كما يأتى إلى مثله مثلى
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
فلما جلسنا للطعام رأيتهيرى أنه من بعض أعضائه أكلى
ويغتاظ أحيانا ويشتم عبدهوأعلم أن الغيظ والشتم من أجلى
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
فأقبلت أستلّ الغداء مخافةوألحاظ عينيه رقيب على فعلى
أمدّ يدى سرا لأسرق لقمةفيلحظنى شزرا فأعبث بالبقل
إلى أن جنت كفّى لحتفى جنايةوذلك أن الجوع أعدمنى عقلى
فجرّت يدى للحين رجل دجاجةفجرّت كما جرّت يدى رجلها رجلى
وقدّم من بعد الطعام حلاوةفلم أستطع فيها أمرّ ولا أحلى
وقمت لو انّى كنت بيّت نيّةربحت ثواب الصوم مع عدم الأكل

وقال آخر

تراهم خشية الأضياف خرسايقيمون الصلاة بلا أذان
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.