تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر الاقتصاد في المطاعم والعفّة عنها

قال الله عزوجل: (يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)

وفي الحديث أن النبىّ ﷺ قال:

«من زاره أخوه المسلم فقرّب إليه ما تيسر غفر له وجعل في طعامه البركة، ومن قرّب إليه ما تيسر فاستحقر ذلك كان في مقت من الله حتّى يخرج». وقالت عائشة رضى الله عنها: أولم النبىّ ﷺ على بعض نسائه مدّين من شعير.

وقيل: كان عيسى بن مريم صلوات الله عليه يقول: اعملوا ولا تغملوا لبطونكم، وإياكم وفضول الدنيا، فإن فضولها رجز، هذه طير السماء تغدو وتروح، ليس معها من أرزاقها شىء، لا تحرث ولا تحصد، والله يرزقها، فإن قلتم: بطوننا أعظم من بطونها، فهذه الوحش تغدو وتروح، وليس معها من أرزاقها شىء والله يرزقها.

وروى أنّ علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: لما دخل شهر رمضان كان يفطر ليلة عند الحسن، وليلة عند الحسين، وليلة عند عبد الله بن جعفر، لا يزيد على لقمتين أو ثلاث، فقيل له، فقال: إنما هى أيّام قلائل يأتى أمر الله وأنا خميص، فقتل من ليلته.

وفي الحديث عن النبىّ ﷺ أنه قال: «من قلّ طعمه صحّ بدنه وضفا قلبه، ومن كثر طعمه سقم جسمه وقسا قلبه». وعنه ﷺ قال: «ما زيّن الله رجلا بزينة أفضل من عفاف بطنه». قال حاتم

أبيت خميص البطن مضطمر الحشامن الجوع أخشى الذّم أن أتضلعا
فإنك إن أعطيت بطنك سؤلهوفرجك نالا منتهى الذّم أجمعا

وقال بعضهم: رأيت مجنونا ببغداد، وهو على باب دار فيها صنيع والناس يدخلون، وكنت ممن دعى، فقلت: ألا تدخل فتأكل؟ فإن الطعام كثير، قال:

وإن كثر فإنى ممنوع منه، فقلت: كيف والباب مفتوح، ولا مانع من الدخول؟

فقال: أآكل طعاما لم أدع إليه؟ لقد اضطرّنى إلى ذلك غير الجوع، فقلت:

ما هو؟ قال: دناءة النفس وسوء الغريزة، قال الشاعر

وإنّى لعفّ عن مطاعم جمّةإذا زيّن الفحشاء للنفس جوعها

وقال آخر

وأعرض عن مطاعم قد أراهافأتركها وفي البطن انطواء
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وأعرض عن مطاعم قد أراها»
فلا وأبيك ما في العيش خيروفي الدنيا إذا ذهب الحياء!
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وأعرض عن مطاعم قد أراها»

قال الجنيد: مرّ بى الحارث بن أسد المحاسبىّ، فرأيت فيه أثر الجوع، فقلت:

يا عمّ، تدخل الدار وتتناول شيئا؟ قال: نعم، فدخل، وقدّمت إليه طعاما حمل إلىّ من عرس، فأخذ لقمة فلاكها ونهض فألقاها في الدّهليز ومضى، فالتقيت به بعد أيام، فقلت له في ذلك، فقال: كنت جائعا، وأردت أن أسرّك بأكلى، ولكن بينى وبين الله تعالى علامة، أن لا يسوّغنى طعاما فيه شبهة، فمن أين كان ذلك الطعام؟ فأخبرته، ثم قلت له: تدخل اليوم؟ قال: نعم، فقدّمت إليه كسرا كانت لنا فأكل وقال: إذا قدّمت لفقير شيئا، فقدّم مثل هذا.

روى أن عمرو بن العاص قال لأصحابه يوم الحكمين: أكثروا لهم الطعام، فو الله ما بطن قوم إلا فقدوا بعض عقولهم، وما مضت عزمة رجل بات بطينا؛ فلما وجد معاوية ما قال صحيحا، قال: البطنة تذهب الفطنة.

وروى أن رسول الله ﷺ قال: «لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشرب، فإن القلوب تموت كالزّرع إذا كثر عليه الماء».

ودخل عمر رضى الله عنه على ابنه عاصم وهو يأكل لحما فقال: ما هذا؟ قال: قرمنا اليه، قال: ويحك! قرمت إلى شىء فأكلته، كفى بالمرء شرها أن يأكل كلّ ما يشتهى.

قال ابن دريد: العرب تعيّر بكثرة الأكل، وأنشد

لست بأكّال كأكل العبدولا بنوّام كنوم الفهد

وقال عمر رضى الله عنه: ما اجتمع عند النبىّ ﷺ إدامان إلا أكل أحدهما وتصدّق بالآخر.

وقال أبو سليمان الدارانىّ: خير ما أكون إذا لصق بطنى بظهرى، أجوع الجوعة فأخرج تزحمنى المرأة فما ألتفت إليها، وأشبع الشّبعة فأخرج فأرى عينىّ تطمحان.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.