من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر ما قيل في العىّ والحصر
قال الله عزّوجلّ: (أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ)
وقال تعالى إخبارا عن فرعون عند افتخاره على موسى بالبيان: (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ)
قال أهل التفسير: إن موسى ﵇ لما سمع هذا القول قال: (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي)
الآية، فقال الله تعالى: (قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى).
وقيل: حدّ العىّ معنى قصير، يحويه لفظ طويل. وقال أكثم بن صيفىّ: هو أن تتكلّم فوق ما تقتضيه حاجتك. وقالوا: الفقير الناطق، أغنى من الغنىّ الساكت.
وقال كسرى: الصّمت خير من غىّ الكلام.
وقالوا: فضّل الإنسان على ما عداه من الحيوان بالبيان، فإذا نطق ولم يفصح عاد بهيما.
وقالوا: العىّ داء دواؤه الخرس. ومن علامات العىّ الاستعانة، وهى أن ترى المخاطب إذا كلّ لسانه عند مقاطع كلامه، يقول للمخاطب: اسمع منّى، أو سمعت لى، وافهم عنى، وأشباه ذلك.
ومنهم من يقول: قولى كذا، أعنى به كذا، ولا يريد التفسير، ولكنه يعيد كلامه بصيغة أخرى تكون غير مراده الأوّل ليفهم عنه.
ومن عيوب اللسان، التّمتمة، والفأفأة، والعقلة، والحبسة، واللّفف، والرّتّة، والغمغمة، والطّمطمة، واللّكنة، والغنّة، واللّثغة. فالتمتمة، قال الأصمعىّ: إذا تعتع في التاء فهو تمتام، وإذا ردّد في الفاء فهو فأفاء، قال الراجز
ليس بفأفاء ولا تمتامولا كثير الهجر في الكلام
والعقلة: التواء اللسان عند الكلام؛ والحبسة: تعذّر النطق، ولم تبلغ حدّ الفأفاء ولا التمتام، ويقال: إنها تعرض أوّل الكلام، فإذا مرّ فيه انقطعت. واللّفف:
إدخال بعض الكلام في بعص؛ قال الراجز
كانّ فيه لففا إذا نطقمن طول تحبيس وهمّ وأرق
والرّتّة: اتصال بعض الكلام ببعض دون إفادة؛ والغمغمة: أن تسمع الصوت ولا يتبيّن لك تقطيع الحروف، ولا تفهم معناه؛ والطمطمة: أن يكون الكلام شبيها بكلام العجم، وهى حميريّة، وقالوا: هى إبدال الطاء بالتاء لأنهما من مخرج واحد، فيقول: السّلتان والشّيتان، وأشباه ذلك، قيل: وكانت في لسان زياد بن سلمى، وكان خطيبا شاعرا كاتبا؛ واللّكنة: إدخال بعض حروف العرب في حروف العجم، وتشترك فيها اللغة التركية والنبطيّة، وهى إبدال الهاء حاء، وانقلاب العين همزة، وكانت في لسان عبيد الله بن زياد، وصهيب الرومىّ صاحب رسول الله ﷺ. وقيل: إن مولى لزياد، قال له: أيها الأمير، أحدوا لنا همار وهش:
يريد: أهدوا لنا حمار وحش، فلم يفهم زياد عنه، وقال: ويلك! ماذا تقول؟
قال: أحدوا لنا أيرا: يريد عيرا، فقال زياد: أرجعنا إلى الأول فهو خير؛ والغنّة:
أن يشرب الصوت الخيشوم؛ والخنّة: ضرب منها؛ والترخيم: حذف بعض الكلمة لتعذّر النطق بها؛ واللّثغة: إبدال ستة حروف بغيرها، وهى الهمزة والراء والسين والقاف والكاف واللام، فالتى تعرض للهمزة، فهى إبدالها عينا، فإذا أراد أن يقول: أنت، قال: عنت وهى مستعملة في لسان التّكرور، وأما التى تعرض فى الراء، فهى ستة أحرف، فمنهم من يجعلها غينا معجمة فيقول (عمغ): يريد عمر، وهى غالبة على لسان أهل دمشق، وإذا اجتمعت الراء والغين في كلمة كقولهم:
رغيف، قال: (غريف)، وفغرت بمكان فرغت: فيبدلون كلّ حرف بالآخر، قيل: وكانت في لسان محمد بن شبيب الخارجىّ، وواصل بن عطاء المعتزلىّ، وكان لاقتداره على الكلام، وغزارة مادته، يتجنب النطق بها، وفيه يقول الشاعر من ابيات
ويجعل البرّ قمحا في تصرّفهوجانب الرّاء حتى احنال للشّعر
ولم يطق مطرا والقول يعجلهفعاد بالغيث إشفاقا من المطر
ومنهم من يجعلها عينا مهملة، فيقول في أزرق: أزعق، وهى في لسان عوامّ أهل دمشق، ومنهم من يجعلها ياء، فيقول في عمر: عمى، ومنهم من يبدلها بالظاء أخت الطاء، ومنهم من يبدلها همزة، فإذا أراد أن يقول: رأيت، قال: أأيت، وأما التى تعرض للسين، فإنهم يبدلونها ثاء، فيقولون: بثم الله، ويثرة الله: إذا أرادوا بسم الله، ويسرة الله، أو أشباه ذلك، وهى مستحسنة في الجوارى والغلمان. قال الشاعر
وأهيف كالهلال شكوت وحدىإليه لحسنه وأطلت بثّى
وقلت له فدتك النفس صلنىتحز فيّ الثواب فقال بثّى
وأما التى تعرض للقاف، فإن صاحبها يجعل القاف طاء، فإذا أراد أن يقول:
قال، وقلت، نطق: بطال، وطلت، وهى نبطيّة، وكانت في لسان أبى مسلم صاحب الدعوة، وعبيد الله بن زياد؛ ومنهم من يجعلها كافا فيقول: كال وكلت؛ وأمّا التى تعرض للكاف، فمنهم من يجعلها همزة، فيقول: أأف، ومنهم من يبدلها تاء، فيقول: تان، إذا أراد: كان، وأما التى تعرض في اللام، فمنهم من يبدلها ياء، فيقول: اعتييت، بمعنى: اعتللت، ويقول في جمل: جمى، وإذا أقسم بالله، يقول: ويّاه، ومنهم من يبدل الخاء المعجمة حاء مهملة، فيقول في خوخ: حوح؛ وتستحسن في الغلمان والجوارى، ومنهم من يبدل الجيم ضادا، فإذا اجتمع لأحد فى كلمة جيم وضاد، مثل ضجر، ونضج، قال: جضر، ونجض. والحمد لله وحده!
كمل الجزء الثالث من كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب، يتلوه إن شاء الله تعالى في أوّل الجزء الرابع منه:
«الباب الثالث من القسم الثالث من الفن الثانى في المجون والنوادر والفكاهات والملح» والحمد لله وحده وصلّى الله على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وحسبنا الله ونعم الوكيل
فهرس الجزء الرابع
من كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب للنويرى
صفحة
الباب الثالث فى المجون والنوادر والفكاهات والملح
ذكر مزاحات رسول الله ﷺ
- ذكر من اشتهر بالمزاح من الصحابة رضوان الله عليهم
- ذكر شىء من مجون الأعراب
- من نوادر القضاة
- من نوادر النحاة
- من نوادر المتنبئين
- من نوادر المغفلين والحمقى
- من نوادر النبيذيين
- من نوادر النساء والجوارى
- من نوادر العميان
- من نوادر السؤال
- من نوادر من اشتهر بالمجون
- من نوادر أشعب وأخباره
- من نوادر أبى دلامة
- من نوادر أبى صدقة
- من نوادر الأقيشر
- من نوادر ابن سيابة
- من نوادر مطيع بن إياس الكنانى وأخباره
- من نوادر أبى الشبل
- من نوادر حمزة بن بيض الحنفى
- من نوادر أبى العيناء عفا الله عنه
- ذكر ما ورد في كراهة المزح
- من الشعر المناسب لهذا الباب والداخل فيه
الباب الرابع فى الخمر وتحريمها، وآفاتها، وجناياتها، وأسمائها، وأخبار من تنزّه عنها فى الجاهلية، ومن حدّ فيها من الأشراف، ومن اشتهر بها، ولبس ثوب الخلاعة بسببها، وما قيل فيها من جيّد الشعر، وما قيل في وصف آلاتها وآنيتها، وما قيل في مبادرة اللذات، وما وصفت به المجالس، وما يجرى هذا المجرى
ذكر ما قيل في الخمر وتحريمها
- ما ورد في تحريمها في كتاب الله وبينته السنة
- ما قيل في إباحة المطبوخ
- آفات الخمر وجناياتها
- أسماء الخمر من حيث تعصر الى أن تشرب
- أخبار من تنزه عنها في الجاهلية وتركها ترفعا عنها
صفحة
ذكر من حدّ فيها من الأشراف ومن شربها منهم ومن اشتهر بها ولبس فيها ثوب الخلاعة ومن افتخر بشربها:
من حدّ فيها من الأشراف
- من شربها منهم واشتهر بها
- من افتخر بشربها وسبائها
ذكر شىء مما قيل فيها من جيّد الشعر:
ما قيل فيها على سبيل المدح لها
- ما قيل في وصفها وتشبيهها
- ما قيل في أفعالها
- ما وصفت به غير ما قدّمناه
- ما قيل فيها اذا مزجت بالماء.
ذكر ما قيل في مبادرة اللذات ومجالس الشراب وطيها:
ما وصفت به مجالس الشرب
- ما قيل في طىّ مجالس الشراب
ذكر ما قيل في وصف آلات الشراب وأوانيها:
ما قيل في الراووق
- ما وصفت به زقاق الخمر
- ما وصفت به الأباريق
- ما وصفت به الكاسات والأقداح
الباب الخامس فى الندمان والسقاة
ما قيل في السقاة
الباب السادس فى الغناء والسماع وما ورد في ذلك من الحظر والإباحة وما استدل به من رأى ذلك ومن سمع الغناء من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، ومن التابعين ومن الأئمة والعبّاد والزهّاد، ومن غنّى من الخلفاء وأبنائهم والأشراف والقوّاد والأكابر، وأخبار المغنين الذين نقلوا الغناء من الفارسية الى العربية، ومن أخذ عنهم، ومن اشتهر بالغناء وأخبار القيان
ذكر ما ورد في الغناء من الحظر والاباحة
- ما قيل في تحريم الغناء وما استدل به من رأى ذلك
- دليلهم من الكتاب العزيز
- دليلهم من السنة
- أقوال الصحابة والتابعين رضى الله عنهم
- أقوال الأئمة رحمهم الله تعالى
- ما ورد في إباحة الغناء والسماع والضرب بالآلة
- ما استدلوا به على إباحة الغناء من الأحاديث النبوية
- ما ورد في الضرب بالآلة
- فى اليراع
- فى القصب والأوتار
- فى المزامير والملاهى
- ذكر ما ورد في توهين
ما استدلوا به على تحريم الغناء والسماع
- ما احتجوا به من الآيات
- ما احتجوا به من الحديث
- ذكر أقسام السماع وبواعثه
- ذكر العوارض التى يحرم معها السماع
- العارض الأوّل
- الثانى في الآلة
- الثالث في نظم الصوت
- الرابع في المستمع
- العارض الخامس
- ذكر آثار السماع وآدابه
- من سمع الغناء من الصحابة والتابعين رضى الله عنهم
- من سمع الغناء من الأئمة والعباد والزهاد
- من غنى من الخلفاء وأبنائهم ونسبت له أصوات من الغناء نقلت عنه
- من غنى من الخلفاء
- وممن غنى من خلفاء الدولة العباسية
- أبناء الخلفاء الذين لهم صنعة ويد في هذا الفن
- من غنى من الأشراف والعلماء ﵏
- من غنى من الأعيان والأكابر والقوّاد ممن نسبت له صنعة في الغناء
ذكر أخبار المغنين الذين نقلوا الغناء من الفارسية الى العربية ومن أخذ عنهم ومن اشتهر بالغناء:
أخبار سعيد بن مسجح
- أخبار سائب خاثر
- أخبار طويس
- أخبار عبد الله بن سريج
- أخبار معبد
- أخبار الغريض وما يتصل بها من أخبار عائشة بنت طلحة
- أخبار محمد ابن عائشة
- أخبار ابن محرز
- أخبار مالك بن أبى السمح
- أخبار يونس الكاتب
- أخبار حنين
- أخبار سياط
- أخبار الأبجر
- أخبار أبى زيد الدلال
- أخبار عطرّد
- أخبار عمر الوادى
- أخبار حكم الوادى
- أخبار ابن جامع
- أخبار عمرو بن أبى الكنات
- أخبار أبى المهنأ مخارق
- أخبار يحيى بن مرزوق المكىّ
- أخبار أحمد بن يحيى المكى الملقب بطنين
- أخبار هاشم بن سليمان مولى بنى أمية
- أخبار يزيد حوراء
- أخبار فليح بن أبى العوراء
- أخبار إبراهيم الموصلى عفا الله عنه
- نبذة من أخبار إبراهيم الموصلى مع البرامكة رحمهم الله تعالى.
من كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
اللهم صل أفضل صلاة على أفضل خلقك سيدنا محمد وآله وسلّم.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع