من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر ما قيل في الوعد والمطل
روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «العدة دين».
وقال بعض القرشيّين: من خاف الكذب، أقلّ من المواعيد.
وقيل: أمران لا يسلمان من الكذب: كثرة المواعيد، وشدّة الاعتذار.
وقالوا: خلف الوعد، خلق الوغد.
وقال المهلّب لبنيه: يا بنىّ، إذا غدا عليكم الرجل أو راح مسلّما، فكفى بذلك تقاضيا.
قال الشاعر
اروح لتسليم عليك وأغتدىفحسبك بالتسليم منى تقاضيا
كفى بطلاب المرء ما لا ينالهعناء وباليأس المصرّح ناهيا
وقيل: الوعد إذا لم يشفعه إنجاز يحقّقه، كان كلفظ لا معنى له، وجسم لا روح فيه. وقالوا: الخلف ألأم من البخل، لأنه من لم يفعل المعروف، لزمه ذمّ اللؤم، وذمّ الخلف، وذمّ العجز. قال بعض الشعراء
وعدت فأكذبت المواعيد جاهداوأقلعت إقلاع الجهام بلا وبل
وأجررت لى حبلا طويلا تبعتهولم أدر أن اليأس في طرف الحبل
وقال أبو تمّام
وما نفع من قد مات بالأمس صادياإذا ما سماء اليوم طال انهمارها
وما العرف بالتّسويف الا كخلّةتسلّيت عنها حين شطّ مزارها
والعرب تضرب المثل بمواعيد عرقوب، وكان رجلا من العماليق وله في ذلك حكايات، فمنها: أنه أتاه أخ له، يسأله شيئا، فقال له عرقوب: إذا أطلعت هذه النخلة فلك طلعها، فلما أطلعت، أتاه الرجل للعدة، فقال: دعها حتى تصير بلحا، فلما أبلحت، أتاه، فقال: دعها حتى تصير زهوا، فلما أزهت، قال: دعها حتى
تصير رطبا، فلما أرطبت، قال: دعها حتى تصير تمرا، فلما أتمرت، عمد إليها عرقوب، فجذّها ولم يعط أخاه منها شيئا.
وفيه يقول الأشجعىّ
وعدت وكان الخلف منك سجيّةمواعيد عرقوب أخاه بيثرب
وقال كعب بن زهير بن أبى سلمى
كانت مواعيد عرقوب لها مثلاوما مواعيدها إلا الأباطيل
وقال السّكّيت للمهدىّ: يا أمير المؤمنين، لو كان الوعد يستنزل بالإهمال والسكون، لشكرتك القلوب بالضمير، ولنظرت إلى فضلك العيون بالأوهام، فقال المهدىّ:
هذا جزاء التفريط فيما يكسب الأجر، ويدخر الشكر، وأمر بقضاء حاجته.
وقال أعرابىّ: العذر الجميل، أحسن من المطل الطويل، فإن أردت الإنعام فأنجح، وإن تعذّرت الحاجة فأفصح.
وقال بعض كرماء العرب: لأن أموت عطشا، أحبّ إلىّ من أن أخلف موعدا.
وقالوا: من وعد فأخلف، لزمته ثلاث مذمّات: ذمّ اللّؤم، وذمّ الخلف، وذمّ الكذب؛ وقال بعض الشعراء
ولا خير في وعد إذا كان كاذباولا خير في قول إذا لم يكن فعل
فإن تجمع الآفات فالبخل شرّهاوشرّ من البخل المواعيد والمطل
قال بعض الأعراب: فلان له مواعيد عواقبها المطل، وثمارها الخلف، ومحصولها اليأس.
وقال آخر: فلان له وعد مطمع، ومطل مؤيس، وأنت منه أبدا بين يأس وطمع، فلا بذل مريح، ولا منع صريح.
وقال الثعالبىّ: أوّل من أخلف المواعيد ولم يف بشىء منها: إسماعيل بن صبيّح كاتب الرشيد، وما كان الرؤساء يعرفون قبله المواعيد الكاذبة
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع